في يوم 2013/12/8.. في ليلة باردة يكسو فيها الثلج طرقات وأرصفة وشوارع موسكو، قدمت إلى روسيا، لهدف طالما طمحتُ إليه، ألا وهو متابعة دراستي، بعد إنهائي كلية الحقوق في دمشق.
قررتُ دراسة الماجستير في مجال العلاقات الدولية هنا في روسيا، ولا يخفى على أحد العلاقات المتينة التي تربط دولتي الجمهورية العربية السورية وروسيا الاتحادية، فيوجد دائمًا تواصل ثقافي وعلمي واجتماعي بنَّاء بين هاتين الدولتين.
وطأت قدماي بعد ذلك مدينة جميلة تدعى (روستوف نا دانو)، أي روستوف على نهر الدون، ومن منَّا لم يسمع برواية الروائي الكبير شولوخوف الذي أبدع رواية (الدون الهادئ).
فعلًا فقد لمستُ جمالَ وهدوء هذه المدينة منذ الأيام الأولى، واستطعتُ أن ألحظ طيبة أهلها وتعاونهم مع الأجانب عامة.
مدينة روستوف نا دانو في الجنوب الروسي، تقع قريبة من الحدود المشتركة مع أوكرانيا، على بعد 1200 كم من العاصمة الروسية موسكو.
تُعرف هذه المدينة بجمال بنائها العمراني، ومتاحفها ومكتباتها ومعالمها الأثرية المتنوعة الغنى، والتماثيل الكثيرة التي تمثِّل معظم الكُتَّاب الروس مثل: بوشكين، تشيخيف، دوستوفسكي، سيرغي يسينين وآخرين.
إضافة إلى الشيء الأهم الذي تتميز به هذه المدينة، ألا وهو (نهر الدون). توصف هذه المدينة بدفئها، وجمال طبيعتها، ولا سيما في فصل الربيع، حين تزدان الأرصفة بمختلف أنواع الزهور التي تسُرُّ الناظر إليها وتُدخل إلى قلبه الراحة والدفء.
أنا.. في روسيا!
قدمْتُ من بيئةٍ مثقفة، فوالدي شاعرٌ ذو باعٍ طويل في مجال الثقافة والأدب، لديه كثير من الدواوين الشعرية التي وصل عددها إلى الآن سبعة كتب، ولذلك فقد عشْتُ وتربيتُ ضمن وسطٍ ثقافي، مفعم بالجمال والإبداع والرقي.
ذلك بتواصل عائلتنا مع مختلف الكُتَّاب والشعراء والأدباء السوريين والعرب عامةً، ولا سيما وأنَّ والدي شغل منصب (رئيس المركز الثقافي في المدينة التي نقطن فيها).
هذا جعلني على احتكاك متواصل مع المثقفين عامة، إضافة إلى وجودي في الأمسيات والمهرجانات الأدبية المختلفة دائمًا، كل ذلك خلق في نفسي شحنةً ثقافية كبيرة، فجَّرْتُها ببدء كتابتي للقصص والقصص القصيرة.
هذه القصص التي لفتَتْ انتباه عائلتي، ومن بعد ذلك لفتَتْ انتباه الأوساط الثقافية عندما بدأتُ النشر في الصحف والدوريات السورية، بعد ذلك بدأتْ مشاركاتي تتوالى في المراكز الثقافية في سوريا، بعد ذلك.
وجدْتُ نفسي أشارك في كثير من المسابقات القصصية وأحصد الجوائز، كل ذلك وأنا في عامي العشرين، لأجد نفسي شابًا أنافسُ أهم الكُتاب المخضرمين في بلدي، وأُصدِر مجموعتي القصصية الأولى تحت عنوان (بيِّض الفال) في عامي الحادي والعشرين.
حينها بدأتْ تجربتي تنضج، وبدأت أقلام النقاد تتناول قصصي ومجموعتي القصصية الأولى وتكتب عنها في الصحف والمجلات، وشاركْتُ في كثير من اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية المتعددة، بعد ذلك أصدرْتُ كتابي الثاني في عامي الثالث والعشرين تحت عنوان (الرَّقص على شرفة النهار).
أجمع الكل على نضج التجربة القصصية لديَّ، ونضج اللغة والأسلوب وما إلى ذلك من عناصر كتابة القصة والقصة القصيرة.
أنهيتُ في هذه المدة دراستي في كلية الحقوق وتخرجْتُ من جامعة دمشق بمعدل جيد، وقررْتُ إكمال دراسة الماجستير في مجال العلاقات الدولية، وبعد نقاشات عدّة مع الأسرة ومع نفسي، اخترْنا روسيا.
كانت عائلتي متحمسة لذلك؛ لأنَّ ذلك سيكسبني خبرة جديدة وتجربة حياتية جديدة، وسأطَّلعُ على ثقافة وتقاليد وأعراف وأناسٍ آخرين، وإنَّ لذلك أهميَّة خاصة لي كوني أضحيْتُ كاتبًا.
امتلأتُ حماسةً ورغبةً وانطلقْتُ إلى روسيا، ومن دون مقدمات كثيرة أستطيع القول إني تلقيْتُ صفعةً لم أحسبْ لها حسابًا، وجدْتُ نفسي هنا طفلًا لا يدركُ شيئًا ولا يعرفُ شيئًا ولا يفقه هنا شيئًا، أناس جدد، شوارع جدد، أرصفة جديدة، دكاكين جديدة، لغة جديدة، طقس جديد، كلُّ شيءٍ جديد.
أنا وحيد من دون عائلةٍ هنا، ولا أبٍ يأخذ بيدي على طريق الأدب والثقافة، ولا أمٍّ تصفق لنجاحاتي المتتالية، ولا أخوةٍ يشدُّون من عزيمتي، ولا أصدقاء يحثونني على تقديم الجديد والأفضل دائمًا، هنا لا صالونات أدبية أجتمع بها، ولا مسابقات قصصية أشتركُ بها، ولا مثقفين وأدباء ألتقي بهم، وأنا الذي لا أفقه إلى الآن كلمة واحدة باللغة الروسية.
شعرْتُ بأني أختنقُ رويدًا رويدًا، أعودُ بذاكرتي إلى حالتي وأنا في سوريا، كاتبٌ لديه كثير من القراء والمتابعين والأصدقاء الكُتاب والمثقفين، شابٌّ أنهى دراسته الجامعية وأصبحَ جاهزًا للعمل والدخول في معترك الحياة العملية، لأجد نفسي هنا طفلًا، أعاود الجلوس على مقاعد الدراسة، ومعلمة بعيون واسعة زرقاء وشعرٍ أشقر تملي عليَّ إملاءً بالأحرف الروسية كي أخطها على دفتري.
أكتبها بخطٍّ متعرج تمامًا كطفل ذي 5 سنوات دخل الحضانة للتو! يا إلهي! أين أنا؟ ما الذي يحدثُ معي؟! ما الذي فعلْته بنفسي؟ هل ينتهي بريق (إياس) الكاتب والقاص والشاب الخريج من كلية الحقوق، هل أفقد صولاتي في المهرجانات والأُمسيات المتعددة التي شاركْتُ بها في المدة الأخيرة المنصرمة؟
هل أفقدُ صوتي الذي كان يصدحُ خلف المايكروفونات هناك، وحروفي التي كنتُ أُطلقها على المستمعين في فضاء الأدب الأثير؟
حالةٌ من الاحتراق عشتها، وأنا عاجزٌ عن القول لمعلمتي (أعطني قلمًا) على سبيل المثال، وأنا عاجز عن الشرح لصاحب الدكان بأني أودُّ شراء قلم رصاص، وكم كنتُ أحترق عندما أسيرُ بجانب المكتبات والأكشاك التي تبيعُ الصحف اليومية وأعجزُ عن شرائها لجهلي القراءة بلغة هذا البلد الممتد على مساحة شاسعةٍ من عالمنا هذا.
في كل يوم كنت أقرأ الجرائد اليومية هناك في سوريا، وكنتُ أعقد تحالفات صداقة ومحبة مع أصحاب المكتبات، وأنا أشتري الكتب والقصص والروايات على الدوام، وها أنا هنا لا أستطيع قراءة خبر واحد في صحيفة معروضة.
كانت غصتي ترتجف على الدوام في حلقي، ودمعتي تتأرجح في مقلتي رافضةً بكبرياء التدحرجَ على خدي والسقوط على أرصفة (روستوف)، ولطاما التحفْتُ بطانيتي قبل النوم وغطيْتُ بها وجهي وبكيت.. بكيتُ حتى ملَّني البكاء، ثم أنام من التعب، تعب البكاء الحارق!
إحدى الصفعات التي واجهتني كذلك، كانت التقائي بكثير من الشبان غير الناضجين ثقافيًّا، وللأسف.. وأقولها بكل حرقة «ما أكثرهم» وبدأتُ أقارنُ بين جلساتي التي كنتُ أجلسُها بصحبة أهم الأدباء والكتاب والشعراء هناك في سوريا.
بين هؤلاء الذين لا يعرفون بأن عمَّان بوضع الشدة فوق حرف الميم هي عاصمة الأردن، وعُمان من دون شدة فوق حرف الميم هي دولة مختلفة تمامًا، هي دولة يا أصدقائي، وليست عاصمة! صدِّقوني ما أقوله صحيح، هذا ما حدثَ معي، وجدْتُ نفسي في دوامة لا أعرف كيفية الخروج منها.
ضعفَ جسدي بعلى نحو ملحوظ، اختفتْ وغابت ضحكتي التي لطالما تحدَّث عنها أصدقائي وأساتذتي في المدرسة، عندما كانت تتعطل أحيانًا بعض الحصص بسبب صوت ضحكتي المرتفع! ووجدْتُ نفسي كالضائع، كالتائه.
لم أفرِّق نفسي عن باب خشبٍ مركونٍ هناك، وفقدْتُ التمييزَ بين الأشياء.. كم هي صعبة تلك الأيام، وكم كانت معاناتي قارصة كبرد روسيا القارص!
ولأنَّ المشكلة الأساسية قد تراءت أمامي الآن، ألا وهي اللغة الروسية، فقد قرَّرْتُ أن أبذلَ كلَّ جهدي لأدرسها بجد، فهي المخرج الذي سيفتح لي ولو سنتيمرات قليلة من الأبواب الموصدة أمامي هنا في روسيا، وسيكشف لي عن بريق الأمل الذي لا يزال ملتحفًا خلفَ نجوم سمائي الحالكة إلى الآن في روسيا!
على الرغم من ذلك.. أنا لسْتُ مصدومًا في روسيا!
مرَّتِ الأيام وكنْتُ أزدادُ يقينًا بأنَّ الحاجز الأساسي أمامي هو اللغة، وقد شعرتُ بأني بدأت أتأقلمُ رويدًا رويدًا مع الجو الجديد المحيط بي.
كل ذلك بدأتُ أشعرُ به بعد الشهر الثالث من قدومي إلى هنا، عندما بدأتُ أستطيع فتح بعض الأحاديث البسيطة مع الطلاب الروس أو حتى المعلمين والمعلمات الذين يشرفون علينا نحن الطلاب الأجانب.
ما العوامل التي ساعدتني على الاندماج في روسيا؟
1- المعلمة (ليديا بافيلنا)!
دخلْت جامعة (الدون التقنية الحكومية) أوَّل مرة برفقة شاب سوري تعرَّفْتُ عليه فور وصولي روسيا، قرَّر مساعدتي لكونه يتقن اللغة، علمنا بأنِّي سأدرس سنة (التحضيري) -وهي سنة إجبارية للطلاب الأجانب ليتعلموا اللغة الروسية- هنا في هذه الجامعة، صعدْنا وقابلنا نائبة عميدة الكلية، التي تُدعى (ليديا بافيلنا).
استقبلتني بوجهٍ غير بشوش للصدق وللأمانة، وشعرْتُ بأنها تستهزئ بي مع كل كلمة تنطق بها، وبدأت تطالبني بالأوراق الثبوتية وشهادتي الجامعية وإلى ما هنالك من أوراق لازمة لتقديمها للجامعة، وكانت عصبية في ذلك اليوم.
رفيقي جلس جانبي وترجم لي كل شيء.. سارت الأمور على ما يرام، وقالوا لي إنني سأباشر الدوام بعد يومين أو ثلاثة أيام على الأرجح، خرجْتُ من مكتبها منقبضَ الصدر، عابس الوجه، وأفصحْتُ لصديقي قائلًا: (يا أخي لم أحبها.. لم أرتحْ لها!) وأقصد بذلك نائبة العميدة (ليديا بافيلنا).. ضحكَ صديقي وقال لي إنها فقط إدارية هنا.
بالتأكيد فإن مدرسة ثانية هي من ستدرِّسك، طبعًا في مجموعة تضمُّ كثيرًا من الطلاب، وبذلك لن ألتقي (ليديا بافيلنا) إلا في مرات قليلة، وقليلة جدًّا، هذا ما هدَّأ من روعي قليلًا.
ولكيلا أطيل في الحديث فسوف أقول على عجل، إنني قدمْتُ متأخرًا إلى روسيا، الفصل الدراسي يبدأ هنا في شهر أيلول/ سبتمبر، وأنا قدمتُ إلى هنا عقب ثلاثة أشهر من بدء الفصل الدراسي؛ ولذلك فلن أستطيع الالتحاق في أية مجموعة.
لفتني الحيرة، ماذا سأفعل؟ علمْتُ بعدها أنَّ شخصًا ما قبِل مهمة تدريسنا اللغة الروسية لي ولشاب سوري أيضًا قدِمَ متأخرًا مثلي، وبذلك ستكون مجموعتنا فقط مؤلفة من طالبين (أنا وبلال)، لا شك أن في قلبي تشكَّل برعم امتنان كبير لذلك الشخص الذي لا أعرفه بعد. كانت مفاجأتي كبيرة عندما دخلْتُ صفي لأجد معلمتي الجديدة (ليديا بافيلنا) في انتظاري!
ليديا بافيلنا امرأة في الخمسينيات أو أكثر من العمر، ممتلئة الجسد، ذات شعر أصفر، وعينين زرقاوين واسعتين جميلتين.
لن تشك للحظة واحدة ومن اللحظة الأولى لرؤيتها بأنها كانت من أجمل الفتيات في مرحلة صباها، لن أفي هذه المعلمة حقَّها مهما تكلمت وكتبت، ولكن للأمانة، أستطيع القول إنها أدت دورَ الأم الحنون بإتقان لي ولصديقي الآخر.
وكان لها دور كبير ومهم في دمجنا بالمجتمع الروسي، عن طريق حكاياتها وقصصها المتتالية عن هذا الشعب الجميل وتضحياته ومآثره، تحدثت لنا أيضًا بتفاصيل دقيقة عن الكُتاب الروس والمجتمع الروسي.
جلبتْ لنا كثيرًا من الأكلات التي كانت تعدها في المنزل كي نتذوقها، شاركتنا الأعياد والمناسبات المختلفة، زارتنا في سكننا الجامعي وأعددنا لها الطبخ العربي، وقد تقصَّدتْ زيارتنا في يوم (عيد الأم).
لكيلا تُشعرنا ببعدنا عن أمهاتنا، اشترَتْ لنا التذاكر في كثير من المناسبات كي نرتاد المسارح والحفلات حتى بعض مباريات كرة السلة.
وأذكر ذلك اليوم الذي أرغمتني فيه على المشاركة في مسابقة للشعر (باللغة الروسية)، انتقت لي قصيدة وحفَّظتني إياها.
جعلتني أكررها مراتٍ عدَّة قبل أن أشارك بالفعل في تلك المسابقة، وأحصد المركز الثاني عن قصيدة جميلة للشاعر الروسي سيرغي يسينين، وكم فرحْتُ بهديتي حينها التي كانت ديوانًا شعريًّا للشاعر الروسي الكبير (ألكسندر بوشكين).
(ليديا بافيلنا) قد تكون الشخص الأهم في عملية تأقلمي مع حياتي الجديدة، وزوَّدتني بالكثير في حقل المعرفة، وإلى الآن لا تزال تأخذ بيدي وتعينني في كثير من واجباتي الدراسية.
على الرغم من أنني الآن في جامعةٍ أخرى وأنهيت بطبيعة الحال سنة (التحضيري) ودخلْتُ عمليًّا في سنتي الأولى في الماجستير، وفي النهاية أقولُ ما نرددُه دائمًا منذ الصغر: من علَّمني حرفًا، كنتُ له عبدًا!
2- الأدباء والكُتاب الروس!
ما من أحدٍ يستطيعُ إنكارَ جمال وروعة وإبداع الأدب الروسي، هذا الأدب الذي اطلعَ عليه العالم بأسره من مشرقه إلى مغربه، ونحن في بلداننا العربية قرأنا كثيرًا من الآداب الروسية، وسمعنا كثيرًا عن قصصهم وحكاياتهم.
ما أكثر الكُتاب الروس وما أروعهم، هؤلاء الكُتاب الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية كبرى ألا وهي إظهار المجتمع الروسي بتقاليده وأعرافه وميزاته للشعوب الأخرى.
بل وللعالم، ولا أحد يستطيع الإنكار بأنهم لا شك قد نجحوا في ذلك، لذلك قبل قدومي إلى روسيا كنت قد كونت نظرة شاملة عنها، وذلك عن طريق ما خطته أقلام هؤلاء الكتاب، وتعرفْتُ على تقاليد المجتمع الروسي وعلى تاريخه العظيم.
يكفي في هذا الصدد أن نذكر معركة واحدة لتعرف قيمة هذا الشعب المكافح والصبور، ألا وهي معركة (ستالين غراد)!.
نعم فالكتاب الروس أسهموا في نقل روسيا إلى العالم، روسيا السلام والمحبة، ولا عجب عندما أرى شوارع روسيا مكتظة بالتماثيل التي تمثل أهم الأدباء والشعراء والفنانين والموسيقيين الروس.
لا عجب عندما أجد الناس في روسيا تذهب إلى هذه التماثيل وتضع الورود والزهور عليها لا سيما في ذكرى موت الأديب، ولا عجب أن أسمع الناس تتحدث بقدسية عن بوشكين على سبيل المثال، وكأنهم يتكلمون عن قديس أو نبي..
هذه هي الثقافة الحقة، وهذا هو العرفان لهؤلاء المبدعين الذين جعلونا نتعرفُ على روسيا ونحن جالسون في بيوتنا نطالع كتبهم وأعمالهم الأدبية النيرة.
لا أستطيع إنكار أن لذلك أثرًا كبيرًا أيضًا في عملية اندماجي في مع محيطي الجديد!
3- العلاقات السورية الروسية.
العلاقة السورية الروسية علاقة وطيدة ومتينة، وهي ليست وليدة اليوم، والتعاون الثقافي والاجتماعي بين البلدين قديم وعميق، وكثيرة هي الأحيان التي رأيْتُ فيها السيَّاح الروس يجوبون أسواقنا المختلفة، ومعالمنا الأثرية والتاريخية.
يقصدون بحرنا وسهلنا للتمتع بالطبيعة السورية! والعكس في ذلك صحيح أيضًا، فالسوريون منذ القدم وطِئوا الأرض الروسية.
التقوا شعبها، واطلعوا على تاريخها وحضارتها، ولا شك بأنهم نقلوا لنا الكثير عند عودتهم إلى سوريا وتحدَّثوا عن المجتمع الروسي.
وعرَّفونا إليه حتى قبلَ أن نزوره، وكثيرٌ هم أقربائي الذين سافروا إلى روسيا، وأقاموا بها ودرسوا وعملوا، وبعضهم لا يزالون هناك يتابعون سيرة حياتهم بفرح.
هنا أشير إلى نقطة مهمة ألا وهي تعاون الشعب الروسي مع الأجانب خاصةً، إلى الآن لم ألمس أي تمييز أو عنصرية من هذا الشعب تجاه الشعوب الأخرى، وهذه نقطة إيجابية مهمة تُحسب للشعب الروسي!
4- ناتاشا.
كم أحب السفير الإندونيسي!
في بداية الشهر الرابع من عام 2014، أي عقب وصولي روسيا بأربعة أشهر تقريبًا، عقدتْ جامعتنا مؤتمرًا، كان بخصوص توطيد التعاون بين الجامعات الروسية والإندونيسية، وفوجئنا بوصول السفير الإندونيسي الذي كان هو الشخصية الأبرز في هذا المؤتمر بلا شك!
جلسْتُ وجانبي صديقي نتبادل أطراف الحديث بانتظار بداية أعمال المؤتمر، وما هي إلا دقائق حتى دخلَتْ فتاة قاصدةً حضور هذا النشاط أيضًا.
لكنها وللحق ما أن دخلت من الباب ووطئت القاعة، حتى دخلت قلبي، أستطيعُ القول إنَّ جسمي ارتعش من رأسي حتى أخمص قدمي.
ذلك شعور غريب قد أكون لم أشعر به من قبل، وبسرعة تجاوزت سرعة البرق همسْتُ لصديقي الجالس جانبي بأن يتنحى وأن يجد له مكانًا آخر، وهكذا فعل، في حين طارتْ مقلُ عيني صوبَ تلك الفتاة وهمستُ لها بأن تأتي لتجلسَ جانبي، وهذا ما حدث!
للصدق أقول، إنني لم أسعَ وراءَ فتاةٍ منذ قدومي إلى روسيا، على خلاف معظم الشباب الذي يكون ذلك لهم حلمًا وهدفًا، لكنني لم أفعل ذلك ولم أفكر في ذلك على الإطلاق.
لكنَّ تلك الفتاة أعادَتْ حساباتي، بركانٌ من العواطف ثار في قلبي عندما رأيتها، ولم أعرف أو أدرك لذلك سببًا، جلسَتْ بجانبي، وعلى الرغم من عدم إلمامي باللغة بعد، وعلى الرغم من قلة كلامي عامةً.
لكنني قرَّرْتُ أن أفتح شبابيك الأحرف والكلمات، وكنت على يقينٍ من أنَّ ذلك سيفتح لي أبوابًا من الفرح والسعادة، طارَ قلبي إليها وبدأت أحدثها بما انطلق به لساني في اللغة الروسية، وكانت هي بين الفينة والفينة تطرحُ عليَّ الأسئلة بصوتها الهامس الرقيق الناعم.
وأنا بجانبها أذوب كقطعة سكر، لكنني استجمعْتُ كلَّ قواي وحاولْتُ الإجابة عن كل أسئلتها المستفسرة، كانت ميَّاسة القد، بريئة العينين.
في وجنتيها حمرة الكرز، وشفتاها مرسومتان على مهل، اصطبغا بلون وردي خمري، خبَّآ خلفهما صفًّا من الألماس لأسنانٍ اصطفت بإتقان، شعرْتُ بأنَّ روحي تحاكي روحها، ومنذ تلك اللحظة شعرْتُ بأنَّ فتاةً دخلَتْ قلبي وأغلقتْ خلفها بإتقان!
ناتاشا فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، جميلة المحيا كما أسلفْتُ ووصفتها، أتتني في لحظة مناسبة جدًّا لي، فأنا هنا من دون عائلة ولا أخوة ولا أصدقاء ولا حبيبة ولا شهرة كما قلت وبدأت مقالتي هذه.
كان لا بد لشخص من أن يعبئ ولو جزءًا من ذلك المكان، كان لا بد لشخص أن ينسيني وحدتي وحُرقتي هنا، كان لا بد لشخص من أن يدخل شغافَ قلبي لأشعر معه بالدفء، بالمحبة، بالأمان! وكانت ناتاشا خيط النور الذي أرسل هدية لي من السماء!
أحببْتُ ناتاشا وعشقتها، واستطاعتْ هذه الفتاة الجميلة أن تعيدني إلى الحياة التي كنتُ أحتضرها هنا في غربتي الحارقة في مسافة زمنية قصيرة، استطاعت بذكائها الحاد أن تفهمَ حالتي جيدًا، وأن تخرجني من هذه الحالة!
سرنا على بلاط شارع (البوشكين) كثيرًا، تحادثنا، تهامسنا، ضحكنا، حملتها في مساءٍ لم نتوقع فيه هطول الأمطار الغزيرة، ولأني أخافُ على قدمي حبيبتي الجميلة ناتاشا فقد حملتها كي لا تلمس الأمطار قدميها الناعمتين،.
سرتُ بها كفراشة بين يدي، جلسنا في مقاهي روستوف، أحصينا بلاطات ضفة نهر الدون التي مشينا عليها كثيرًا، وفي مدةٍ زمنية قصيرة كتبتُ لها قصيدة بعنوان (ناتاشا) ونشرتها باللغة العربية، وإلى الآن تطالبني ناتاشا بأن أترجمها لها، من بين ما جاء فيها:
ناتاشا..
كيفَ يبزغُ الكلامُ من فمِكِ كشهدٍ من عسل..
كيفَ تهطلُ عيناكِ نورًا.. وسحرًا.. وتضيفُ إلى العمرِ دهرًا من أمل..
كُلَّما تراقصتْ أناملُكُ أمامي..
رحْتُ أزرعُها سِربًا مِن قُبَل..
ناتاشا..
أتذكرينَ مقعدَنا..
أتذكرينَ الورودَ التي من كُلِّ صوبٍ أحاطتْنا..
وتلك الغيمة الزرقاء.. والسَّماء الأرجوانيَّة..
والزَّنابق المعلَّقة عند سفحِ الجبل..
والقمر المدلَّى في الأفق..
ذلكَ القمر الذي خفتِ وقوعَه وسط البحيرة..
أتذكرينَ ما قلْتِه لي: انظرْ إلى البحيرة.. إنها ترتجفُ.. تخافُ سقوط القمر..
ألم تدركِي حينها، بأنَّ روحي هي البحيرة.. وأنتِ كُنْتِ وستبقينَ ذلكَ القمر..
ناتاشا..
انتظري.. فلقد نسيتُ اسمي معلَّقًا على شفتيكِ..
ونسيتُ عطري مغزولًا برموشِ عينيكِ..
ونسيتُ بعضي في كفَّيكِ..
وبعضُ بعضي ما زال يبحثُ عنِّي لديكِ..
ناتاشا..
أغمضِ عينيكِ..
وأنا سأسدلُ روحي غطاءً لجفنيكِ..
والقلب سيسهرُ ليلته الهادئة..
ليهمسَ لكِ في كُلِّ ثانيةٍ.. في كُلِّ لحظةٍ.. مع كُلِّ نسمةٍ نديَّة..
كم أحببتُكِ ناتاشا...
وإلى الآن ما أزالُ أحب ناتاشا!
أستطيع القول إنَّ هذه العوامل ساعدتني بلا شك على الاندماج في عالمي الجديد في روسيا، وها أنذا في سنتي الأولى ماجستير الأقاليم الدولية الخارجية.
أزداد تمسكًا وإصرارًا وطموحًا على مواصلة الطريق، وكنت في المدة الأخيرة قد شاركْتُ في كثير من الحفلات الموسيقية، وكذلك في كثير من النشاطات الثقافية.
كان منها محاضرة تكلَّمْتُ فيها عن الأدب العربي والسوري بوجه خاص «نزار قباني نموذجًا»، وعرضْت في مناسبة ثانية الفيلم العربي «عمر المختار» مدبلجًا باللغة الروسية للطلاب الأجانب، وغير ذلك من النشاطات المهمة.
لأنَّ لكل إنسان مغترب خارج بلده رسالة مهمة عليه إيصالها، وأنا من سوريا أرض السلام والمحبة والحضارة يجب أن أؤدي رسالتي على الوجه الأمثل، بأنَّ سوريا وعلى الرغم من كل المؤامرات التي تُحاك ضدها، فهي أرض العطاء والتسامح والثقافة النيرة.
أجمل ما في المقال..... اسلوب الكتابه وطريقه التنقل بين الأحداث .. جميل جدا...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.