في حياة الناس يعيش ضدان، يكبران كما يكبرون ويهرمان كما يهرمون، بل ويموتان معهم كما يموتون.
في قلب كل أحد ثمة حب وبغض في آن واحد؛ يغذي الحب المودة والتسامح والوصال؛ ويغذي البغض الحسد والجفاء والأذى.
من سعادة المرء أن يعيش لا يحمل على أحد ما استطاع، وإن شاب قلبه شائبة بادر بإصلاحه؛ فهو يعلم أن كل معارك الدنيا خاسرة لأنها ببساطة دنيا، فلا معنى للمنافسة كثيراً عليها؛ وإن العارفين كلما وجدوا في أنفسهم على أحد ذكروا قول الله على لسان إبراهيم الخليل: (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
السؤال الآن من تراه سينتصر فيملك عليك قلبك؟!
أرجو لك أن يكون الحب، وإليك هذه القصة.
نشأ الصغيران سوياً ليسا أخوي دم لكن الحب آخاهما؛ فجمعهما لهو الطفولة في الصغر، ثم تقاربت مشاربهما قرب النضج والكبر، لكن ما من حال يدوم؛ دب الخلاف بين والديهما، وكعادة الناس لم يسع أحد للإصلاح -الذي أحل الله من أجله الكذب- يمكنك أن تقول كان من حولهم يلعبون دور المشاهد في حلقات المصارعة، يقل حماسهم بقلة التوتر والتشويق وينتظر الجميع خسارة أحدهم لتحسم النتيجة.
لقد حث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الإصلاح، فقال لأبي أيوب الأنصاري: «ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم»، قال: نعم يا رسول الله، قال: «تصلح بين الناس إذا فسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا».
كان ما بينهما من حب أكبر من أن يمحوه الشقاق والبغض، ومرت الأيام لتحمل أحد الوالدين على سرير المرض؛ فقال له ابنه -كذباً_: إن عمي يطمئن عليك ويدعو لك بالشفاء؛ فرق قلبه لأخيه واستيقظ الحب في قلبه؛ واستحى البغض من الظهور.
ذهب الآخر لأبيه يقول -كذباً_: إن عمي طريح الفراش ويريد أن يراك؛ ربما لا تلقاه إلا في الآخرة؛ فرقّ قلبه لأخيه؛ واستيقظ الحب في قلبه؛ واستحى البغض من الظهور.
لم يمت الحب في قلبيهما، لكنه لم يمتلك القوة ليظهر أمام كل تلك المشاحنات والأثرة وسوء الظن والإعجاب بالرأي؛ وكأنها سمة عصرنا الذي نتناحر فيه على ماديات بائسة!
ما بالنا لا نحرك الحب في قلوب الناس، نعم كثر البغض، لكن الحب لم يمت بعد، فلنصلح بين الزوجين ولا بأس من بعض الكذب المباح الذي يوقظ الحب بينهما ويرقق القلوب على بعضها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيراً». متفق عليه.
فلنصلح بين الإخوة، وبين الأصحاب حتى بين الأطفال، ولنوقظ ما في قلوبهم من حب؛ لا تدعُوا الناس للبغض، يفترس نفوسهم، وينهش خواطرهم، ويُقَسِّي قلوبهم.
لكن بعض قضايا الإصلاح صعبة الحل، فما السبيل؟
على القائم بالإصلاح أن يقوم بعدة أمور:
- لا بد من صلاح النية؛ بمعنى أن نريد بالإصلاح وجه الله لا مصلحة شخصية أو رغبة في الظهور والذكر عند الناس، يقول تعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).
- نوقف كلا الطرفين موقف الفضل فإن لم يكن فالعدل؛ بأن نذكرهما بحقوق كل منهما على الآخر، وجزاء التفضل على بعضهما بمزيد سماحة و عفو، ومن أعظم تلك الأبواب: التذكير بأمر الآخرة وأن ما من عبد إلا وهو مسئول عن تفاصيل عمله، وكذلك وعظهما بحسن الخلق وأنه من درجات الإيمان.
- كتمان بعض الأمور مما فيه مصلحة لكتمانه، فلو علم المصلح أمراً مثل ما يبدو من سيء الأمور حال الغضب أو غيره فليكتم ولا يقول إلا خيراً، يقول تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
- أن يعلم المتشاحنان أن خصومتهما سبب في ضياع عملهما الصالح.
ومن الأحاديث العظيمة الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات.
وفي رواية قال: (وفساد ذات البين الحالقة).
وفي رواية الترمذي لهذا الحديث قال: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة).
٥ _ويمكن أن نحث كلا المتشاحنين على التنازل عن بعض حقه أو تأخيره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟»، فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب. متفق عليه.
ما أجمل أن نعيش ما استطعنا بقلب سليم ينتصر فيه الحب!
ما أجمل أن نصلح بين الناس فتطيب خواطرهم، وتسعد قلوبهم، وينتصر الحب!
من الخيال أن يعيش الناس بلا مشاعر سلبية؛ لا بد من وجودها؛ لكن من الرائع أن نتجاوزها، وينتصر الحب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.