ماتت أمه، ومات أبوه كذلك، مات جده وجدته، لم يكن موتهم موتًا عاديًّا يتوقعه الإنسان الذي يعيش حياة إنسان، بل كان لكل واحدٍ منهم ميتة اعتادها أهل ذلك البلد.
فأمه قُتلت يوم أن زارت أباه في السجن، ويا له من عذرٍ لتُقتل بسببه! فقد أصرت على أن يدخلوا له ما جاءت به من ملابس وطعام، لكنهم طرحوها أرضًا، وفجأة اخترقت رأسها رصاصة، سال الدم وسكن الجسم وماتت.
أبوه كان رجلًا يكره الظلم، رجلًا يؤمن بحقه في أن يعيش بأرضه وفي بيته ومع عائلته، يرفض أن يبيع أو يغادر ولو دفنوه حيًّا تحت ركام منزله. ويا لهم من أنذال سجنوه وأحالوا البيت إلى ركام. بقي هو في السجن يتأوه مرارة أن تُسلب منك الحياة.
باتت أسرته بلا مأوى، ينامون على بقايا حطام بيتهم في ظل خيمةٍ تسترهم سترًا شفافًا. فلا هي سترت، ولا هي فضحت. وكأن من في الخيمة أشباح، لا تقيهم قيظ صيف، ولا زمهرير شتاء.
في ذلك اليوم الذي قتلوا فيه زوجته الحبيبة، تشنجت دموعه وتخدَّر قلبه. أحس بعجزٍ مقيتٍ بغيض، ورغبة عارمة في الانقضاض على أول سجانٍ يدخل الغرفة، وضربه حتى الموت. لكن ذلك الإحساس فتر بالسرعة والقوة التي اشتعل بهما. خمد كل شيء فيه: وجهه، عضلاته، عقله، وعيه، حتى أنفاسه ودقات قلبه، كادت تنطفئ كما انطفأ كل شيء فيه.
لم تتركه الحمى وشأنه، رغم أنه لم يقرب الطعام، ولم تزر فيه قطرة ماء منذ ذلك اليوم. انقضت عليه الحمى وي كأنها متآمرةً مع سجانيه على قتله. هواجسه تنهش جسمه، والحمى تعاضدها من الخارج، وتدعهما من الداخل ومات.
لم يبقَ مع الشاب إلا جدُّه العجوز، الذي يتحدى الموت إن أقدم على حركةٍ ما. فساقاه لا تحملانه، وظهره كالشجرة تكاد تسقط بعد أن أعمل الحطاب فيها فأسه، يترنح كترنحها لحظة سقوطها.
وجدّته هي الأمل الوحيد الذي يتنفس منه الحياة. فلولا تلك الجدة لأخذ كُتل الكره والحقد والرغبة في الانتقام من صدره، وجمعها في قبضة يده، وطعن بها أحد قتلة أبيه طعنةً تشفي قلبه وتمحو غشاوة العجز عن صدره. فكَّر في ذلك مطولًا، لكن جدَّته كانت شيئًا جميلًا في حياته، فلم يرد أن يبعث شيئًا كريهًا في نفس شيء جميل.
وما كان من عونٍ لجده إلا هو. فهل يُقدم ويترك جده وجدته بلا معين؟ لا، لم يفعلها، بل انتظر. فهو يعلم أن جده يذبل كما تذبل النبتة العطشى.
وفي صباح يومٍ ما استيقظ الجد مذعورًا. اعتدل من رقدته، تنفَّس بقهر، تباطأت دقات قلبه، أطرق رأسه ومات.
عاش الشاب مع جدَّته يقتاتان على معونة من هنا وهناك. يعمل الفتى فيجني بعض مالٍ يقيهما شر الموت بمعدةٍ خاوية.
استمر الحال كما هو السنة والتي تليها. يفر الشاب وجدَّته من الموت فرارًا حتى جاء اليوم الذي فوجئ فيه الشاب بجدَّته تناديه بصوت خفيض مجلجل.
يستحثه ويستغيث به، كان قريبًا لدرجةٍ جعلته يفهم معنى أن يكون الصوت خفيضًا ومرعبًا في آنٍ معًا. أمعن النظر في تضاريس وجه جدته وحملق ببصره مسَمِّرًا عينه في مقلة الطوق الذي يربطه بالحياة.
ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتي الجدة، ابتسمت ثم شهقت، زفرت بقوة، أرخت رأسها وماتت.
فتح سعد عيناه فَزِعًا، يكاد قلبه يحطم قفصه الصدري غضبًا، كان يحلم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.