قصص واقعية: صراع التقاليد والتحرر في قلب الصعيد

تحت ظلال النخيل وفي عمق الصعيد الجواني، حيث الكلمة سيف والتقاليد قيد لا ينكسر، عاشت قرية العمدة رشوان سنوات خلف أسوار وهمية من نقاء النسب. في هذه القصة، نغوص في عالم يختلط فيه كبرياء الأصول بمرارة العنوسة، ونشهد كيف غُرست فسيلة التغيير في أرض صلبة.

هل ينجح الحب في كسر عباءة العمدة؟ وهل تستطيع شمس التعليم أن تُذيب ثلوج التكبر القبلي؟ إليكم قصة التمرد الجميل والعودة المظفرة.

كانت قرية صغيرة قابعة في قلب الصعيد، عاداتها أن ألا يتم زواج بناتهم خارج نطاق قريتهم، رغم الإلحاح عليهم، حتى لو وصلت الإناث إلى عمر وسن اليأس؛ فهم يُخَيَّرْنَ إما أن يُجْمَعْنَ تحت كنف رجل قادر من القرية، أو أن تظل الواحدة لحالها، وإن لم تتم موافقتها ليجمع بها الزواج لتكون الزوجة الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة «ورغم جواز ذلك بالشريعة الإسلامية»، إلا أن منهن من يُرفض لهن ذلك، وتُفضل معيشتها من دون زواج؛ لأن شريعة قريتهم عدم خلط الأنساب، فمعتقدهم أنهم ذوو نسب فريد، والقرى الأخرى حولهم من الأنساب الوضيعة.

عمدة القرية، وهو الآمر الناهي، ومعه شيخ البلد ومفتي القرية، لا يتوانون لحظة في إصدار أوامرهم ونواهيهم على الجميع، وخاصة الشباب الذين هم في مقتبل العمر؛ فَتُرَبَّى تلك الفئة على السمع والطاعة لأهل القمة وأهل الرأي والمشورة من كبار القرية.

عمدة القرية، وهو الآمر الناهي، ومعه شيخ البلد ومفتي القرية

انتشر التعليم، وتفتحت العقول، وزادت العلاقات، وفُتِحت الطرق لسبل المعيشة والرزق.

ترك الكثير من أبناء القرية، وخاصة الكادحين، القرية، وذهبوا للعمل الموسمي ثم العودة، ومع الوقت وتعودهم على الاغتراب استقر بهم المقام في الأماكن التي كانوا يذهبون إليها للعمل، وتطبقت المقولة: ما هي بلدك يا جحا؟ قال: بلدي التي بها زوجتي وأولادي. فمن هؤلاء الشباب وغربتهم حدث لهم الاختلاط والتناسب والتزاوج في الأماكن التي عاشوا فيها وانتقلوا إليها، والتآلف مع أهلها.

وحينها حدث ما يخالف أصولهم، إذ ما زال العمدة رشوان على قيد الحياة، ويصدر تعليماته، ويجد من يؤيده بفتاواه.

وبمقولته: «من ارتدى ثوبًا غير ثيابنا ليس منا، ولا نتزوج من بناته ولا من أولاده، ولا ينتمون إلى قريتنا».

اعترض الكثير من الشباب على تلك التقاليد البالية؛ فمنهم من لا يجد من يرغب في زواجها ولا تليق بمستواه الثقافي، وكذلك الإناث، فشعر الكثير منهن أنهم فقدوا أعمارهم بآراء ليست حقيقية. وهنا نقف عند الحديث النبوي الشريف الذي يؤكد وحدة البشرية والمساواة: «فكلكم لآدم وآدم من تراب»، ولا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.

كل من اغترب وعاش بعيدًا عن القرية أصبح يراسل أهله في القرية، وأصبح مصباح ثقافةٍ لينير الطريق ويزيل القيود؛ وزاد النماء والتعليم والتقدم.

شعر أبناء العمدة ومن يواليه أنهم يعيشون في معزل؛ فالجميع يتطور ويتقدم، وهم ما زالوا تحت حكم العبارات الباطلة وكلمات من قاموس التخلف والتكبر على باقي الأنساب، وادعائهم أنهم فقط أبناء الأصول.

وفجأة، ورغم رغد العيش وسعة الرزق لأبناء العمدة، قرر سرًّا يوسف وعبد الله أبناء العمدة رشوان الخروج من عباءة العمدة والسفر قبل ارتباطهم بمن لا يرغبون أو يحبون، وليعيشوا الحياة كما هي بفطرتها، وهم من نالوا من التعليم حتى مرحلة التعليم الثانوي.

ومن دون أن يشعر العمدة، سافر أولاده، وتقطعت الأخبار بينهم وبين العمدة تفاديًا لعدم الوصول إليهم وحرمانهم من الاعتماد على أنفسهم واستقلاليتهم بقرارهم، والزواج بحريتهم، لا بأن تفرض عليهم تقاليد والدهم وقريتهم مما لا يريدون ولا يرتضونه.

نجح عبد الله ويوسف في شق طريقهم، وتحسنت أحوالهم، ووجدوا من يساندهم ويهتم بشؤونهم، ومن دون أدنى مصلحة أو هدف من تقربه إليهم إلا العمل.

أعجب عبد الله بجارته هاجر، وهي ابنة أناس بسطاء، لا ينتمون إلا إلى المكان الذي وجدوا أنفسهم به، وليس لهم علاقة بالماضي ولا تطلعٌ إلى العادات والتقاليد، إلا أنهم يؤمنون بقانون الحياة «أن أصلك هو فعلك»، وأنهم يرتضون بما يطمئنون إليه في خُلُقه ودينه.

استشار عبد الله أخيه يوسف في الأمر، فأيده يوسف، ولكن قال له: من الواجب أن يتم الذهاب إلى والدك العمدة رشوان ووالدتك لحضور ذلك. خشي عبد الله في بادئ الأمر، ولكن يوسف أصر على ذلك ليستمر رضا الوالدين، حتى ولو بعد فترة انقطاع.

قرر عبد الله ويوسف أن يستقلا سيارة أحدهما ويذهبا سويًا إلى أهلهم لنيل رضاهم وأخذ موافقتهم، رغم ما في ذلك من مجازفة وإمكانية التعرض لضغوط والدهم ومن يفتون إليه.

وصل يوسف وعبد الله، واحتفل بهم العمدة والقرية احتفالًا ليس له مثيل، وأقيمت الولائم احتفالًا بعودتهم بعد غياب طويل.

وجاء دور الأم لتقول: الحمد لله على سلامتكم، والآن وجب اكتمال الاحتفال لكي يتم زواجكم والإقامة الدائمة بالقرية.

فقال لها يوسف، وهو القريب من قلب أمه، وقد ربطته بوالدته علاقة خاصة من التودد: نعم، نحن قادمون لذلك. ففرحت الأم فرحًا شديدًا، ولكنه عاد وقال: ولكن العروس ليست من هنا، وأتينا إليكم أنت ووالدي ومن يحب من محبينا لتذهبوا معنا لحضور حفل قِران أخي عبد الله على من يريدها لتكون له زوجة.

تغيرت الأمور، وتبدل الكلام، ووقعت الأم في حيرة من الأمر؛ فماذا تقول؟ فأولادها سيصبحون أول من سيخالف التقاليد.

وصل الخبر إلى العمدة رشوان بما حدث، وكان من القول.

فاستدعى أولاده إليه في جلسة خاصة ليستطلع الأمر، وعندما علم بالحقيقة تدبر الأمر واحتكم إلى عقله؛ فإن أُجبر أولاده سيذهبون بلا عودة، وبذلك يكون الخسران. حينها تدخلت الأم وقالت: أنا لا أقبل أن أخسر أبنائي بهذا الخصوص، فالعالم تطور وتقدم، وهذه حياتهم، ولا يُجبرون على شيء لا يرغبون فيه؛ فهم أغلى شيء في حياتي.

نظر إليها العمدة رشوان بانكسار، وقال: معك حق، ولكن ماذا أقول، وكيف أبرر ما حدث وما كنت متمسكًا به؟

وفجأة، ومن دون أن يخرج الخبر من دائرة دار العمدة، كانت آذان تلتقط الكلام؛ فهناك حمدية ابنة العمدة التي كانت لها ميول مع عادل المهندس الزراعي الذي يعمل في حقولهم وليس من قريتهم، فأُخبِر بما حدث، فانتشر الخبر، وأقبل الجميع حتى المفتي ليقول: مبروك، وتجمعت بنات القرية وشبابها ليزفوا الخبر السعيد، هاتفين بصوت واحد: ليحيا الشباب، وتنكسر القيود.

سافر العمدة وأهل القرية لحضور زفاف عبد الله.

وأصبح الزواج حقًا للجميع من بنات القرية وشبابها، ومات الظلم، وذهبت العنوسة، وحل السلام، وقل الكلام، وصفت الأيام، وعاشت القرية مع جيرانها في ود واحترام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.