قصة "هاجس".. قصة قصيرة

جوى:
قطار غادر المحطة قبل عدة دقائق لتصدر عجلاته المحتكة بالقضبان صوتًا يعلو صوت الركاب الصاخب، فيبدأ الحوار بالارتفاع شيئًا فشيئًا.

على متن ذلك القطار أجلس أنا، أصطحب معي تعبي المفرط بقرب النافذة، لطالما كان مكاني المفضل منذ الصغر، أشاهد الإطلالة من خلف النافذة على بعد خمسين كيلومترًا، مساحة كبيرة ممتدة من البحر ذو اللون الأزرق الفاتح تعلوه سماءً مزينة بألوان الورد، ليصطبغ جانب منها باللون الأصفر الفاتح، وتغطي معظمه طبقة رقيقة باللون الوردي لتعلن عن بدء المساء.
شعرت بيد صديقتي أمل تعانق ذراعي وتبتسم، هي ليست مجرد صديقة لي، بل طوق نجاة أتشبث به لأنجو من غرقي، أدرك تمامًا محاولاتها المستمرة في منحي الدفء والأمان ولكن هيهات، فلا وجود لهما بداخلي ولا في محيطي.

بادلتها الابتسامة ثم قلت وأنا أخرج من حقيبتي السوداء قلم رصاص ذا خرطوش وورقة بيضاء: سأرسم قليلًا.
فالرسم هو أحد أفضل الأنشطة التي تساعدني على استعادة هدوئي،
أزيح بأناملي خصلات شعري القصير المنسدلة لأسندها خلف أذني ويتسنى لي التركيز في الورقة.

أغرق في رسمتي المبهمة فيقاطعني صوت النادل وهو ينقل الصحون من طاولته المتحركة إلى طاولات الركاب، ليضع أمامي فوق الطاولة صحنًا يحوي شطيرة من الجبنة البيضاء والأفوكادو والطماطم!

أبعد ناظري عنها وازدرد ريقي باضطراب ثم أزيح الصحن بعيدًا عني ليصدر أزيزًا مزعجًا إثر احتكاكه بالطاولة، ذلك اللون يصيبني بالقشعريرة بسبب تلك الحادثة، تنتبه صديقتي أمل وتحاول تدارك الموقف، فتعيد الصحن إلى النادل قائلة: عذرًا ولكن صديقتي لا تحب شطائر الجبن.

- لا بأس سأجلب لها شيئًا آخر.
- من فضلك "ترد عليه بابتسامة" فأقاطعها لأقول: لا أريد.
-حسنًا، شكرًا لك ستتناول فيما بعد.
بعد انصراف النادل قالت لي: ما رأيك في أخذ قسط من الراحة قليلًا!
-لا، لا أريد.

-عزيزتي جوى، لا تنْسَيْ أننا ذاهبتان للشعور بالاسترخاء بعيدًا عن أي مؤثر خارجي قد يزعجنا، "تشبثت بكفي قائلة": أنتِ في أمان، أنا معك، والله عز وجل يرعانا اتفقنا!
هززت رأسي بمعنى "نعم"، ثم أسندت رأسي المثقل بالأفكار والوجع الذي يطرق جدرانه منذ ساعات على طرف النافذة، أغمضت عيني لأسترق من الوقت دقائق وأنعم بغفوة قصيرة، بقيت أنتظر قليلًا قبل أن تهدأ أنفاسي المتسارعة، وتسكن أصوات الركاب التي كانت تدوي بطبلة أذني ثم غفوت.

ولكني بعد مدة لا أعرف سعتها شعرت أن أحدًا ما قرر إزعاجي واستقطاع تلك الغفوة، فتحت عيني ونظرت حيث تجلس أمل، ظنًا مني أنها هي من كانت توقظني ولكني لم أجدها، بحثت عنها بعيني حتى استقر نظري على حجري، على تلك الورقة التي كانت تستقر بين يدي.

وذلك القلم الذي كان بحوزتي، لم أشعر سوى بأن الذهول قد سطا على جميع حواسي، لم يكن أحد يستطيع إنقاذي سوى ذاك الهرمون المسؤول عن إبداء ردات فعل مناسبة حسب الموقف "الأدرينالين"، أفلتت أصابعي قلم الحبر ذو اللون الأحمر ليسقط أرضًا ويتدحرج مع حركة القطار، لا أعرف كيف وصل هذا اللون اللعين نحو أناملي! كيف أمسكت به و.. و كي..ف رسمت به!

كانت الورقة تحتضن صورتي المرسومة بخطوط حمراء بواسطة ذلك القلم، رسمة جسَّدت مقتلي على حافة هذا القطار، هل أنا من رسمته!
صاح بأذني بصوته المروِّع: نعم، لقد رسمتِ قدرك!
إلتفتتُ بخَور نحوه، ذلك الشيء الذي يلاحقني منذ بضعة أشهر، كان يجلس بجانبي على المقعد المجاور، يحدق بي بعينيه المتقدّتين كالجحيم، حمراوتان، يتدفق منهما الشر.
ازدردت ريقي لأتملص من ارتعادي ولكن!
شعرتُ بلمسة جليدية على ذراعي أفزعتني لتجعلني أدرك أنه كان مجرد حلم!
كان جسدي مندَّى بحبات العرق إثر الفزع الذي كان يحاول سرقتي، تحدثت أمل: أسفة، لقد أخفتك.

قلتُ لها وأنا لا زلتُ أرتعد بقوة: سـ..سأُقتل هنا.
اتّسعت حدقتا عيناها الخضراوتان لتقول: ماذا تقولين!
تحدثت بانفعال: رأيته، ذلك الشيء الذي يلاحقني، لقد رأيته مرة أخرى، كـ..كان يقول: إنني رسمت قدري هنا على حافة القطار، سيرمي بي تحت السكة الحديدية حتمًا، س..سأموت هنا!
- حسنًا توقفي، اهدأي لا يوجد شيء كهذا ستتغلبين عليه.
تغاضيت عن أنظار الركاب المتسائلة وقلت بفزع: لماذا أتينا إلى هنا، أريد النزول من هذا القطار!
- عزيزتي جوى إهدأي، ماذا تحدثنا أنا وأنتِ قبل مجيئنا؟ ألم تقولي أنك قوية ولا يهمك ماذا يقول!
- ولكن...
- اثبتي وإن أتى مرة أخرى، تجاهليه.
حاولت التماسك كما قالت لي، ولكنه عاد كما توقعت، ليبث سُمَّه مجددًا في مسمعي: أتذكرين حين صدمتي ذلك الشاب وأنتِ تقودين سيارتك؟
قلت بخضوع: أذكر.
-حسنًا، تذكرين تلك الدماء المتناثرة على نوافذ سيارتك! أوه كان منظرًا مخيفًا للغاية أليس كذلك!
هززت رأسي بإيجاب ممزوج باشمئزاز كما لو أنني عدت بالزمن للوراء وعشت ما حدث مرة أخرى، فأكمل همسه: عدم موته لا يعني أنك ستنجين من موتك الآن، صديقتك بلهاء تريدك أن تتناسي خوفك ولا تعلم أنه حقيقي!
وكأنه كان يشحنني لأنتفض ضدها ولكني قلت لها: أمل، أشعر أن الأمر ليس مجرد خوف بل حقيقة!
قالت بإصرار: لو كان حقيقيًّا لماذا لم يحصل في كل مرة شعرت فيها بالخوف؟ في كل مرة يبدو ذاك الصوت كاذبًا ثم تعودين لتصديقه! أين إيمانك بالله؟
صفعتني كلماتها الأخيرة، فحاولت ربط جأشي وتجاهله قدر الإمكان، معها حق لماذا لم يحدث ما يقول في كل مرة! ولماذا عليَّ أن أصدقه!
لماذا عليَّ أن أخشى اللون الأحمر ورؤيته على كونه لونًا للدم فقط! لا لونًا للورد أو رمزًا للحب!
أيعقل أن يكون صوته مجرد وهم بداخلي!
يأتيني صوته وكأنه يتحدث من مسافة بعيدة: لا تصدقيها، صدقيني أنا.
تقول أمل وكأنها تسمعه: سيوهمك أنه على حق، إياك تصديقه، ذلك الوسواس يحاول أن يجردك من إيمانك بربك، لا تسمحين له بذلك، كوني أقوى منه وستسحقيه.
حاولت فعل ما قالت، تجاهلته رغم محاولاته في إقناعي بالعكس، نظرت إلى كل التفاصيل ذات اللون الأحمر في هذا القطار، قبعة ذاك الصغير الذي يجلس في حجر والده، حقيبة المرأة العجوز، حتى أحمر شفاه تلك الفاتنة التي تقرأ كتابًا بتمعن، لم يحدث شيء، لم أشعر بالخوف مثل كل مرة، أخبرت أمل بذلك فقالت: لأنك قررتي أن تنظرين للحياة من جانب آخر، تجاهل وسواس الموت يُعد أفضل حتى من العلاج الدوائي أتعلمين لماذا؟ لأنه ببساطة لا يحتاج من يصمته فيتفاخر بذاته، بل يحتاج لمن يتجاهله وكأنه لا شيء لأنه كذلك بالفعل.
صوت ينادي، لكنه الآن ليس صوته بل صوت القطار الذي بدأ بتقليل سرعته تدريجيًا معلنًا الوصول للمحطة الأخيرة، الجميع يبدأ بالإسراع من خطواته تجاه الباب إلا أنا، تحدثني أمل: لن يحصل شيء ثقي بالله.
أوافقها كلامها ونستعد نحن أيضًا للنزول، أستطيع أن أقول الآن أنني بدأت أستجيب للعلاج، ليس العلاج الدوائي بل العلاج النفسي، فصديقتي أمل طبيبة نفسية مثابرة منذ عدة أشهر وهي تتابع حالتي ولم تتركني أبدًا.

وصلتُ حيث الباب الفاصل بين المحطة والقطار، ها هي السكة الحديدية تحت قدمي على بعد بضعة أمتار قليلة، توقفت لأحدث نفسي محفزة إياها: تستطعين فعلها ولن يحدث شيء، اللهم أستودعك نفسي.

عبرت السكة وقفزت مع حقيبتي نحو أرض المحطة وتبعتني أمل، أه مهلًا، لم  يحدث شيء! لم تحشر قدمي تحت القطار، لم أقع ولم أنحني حتى، إنه كاذب كيف صدقته كل تلك المدة!
أمل: وأخيرًا، وصلنا مدينة البندقية، نعم عزيزتي جوى أسمعك الآن تقولين لماذا لم يحدث شيء كما قال، هل تأكدتي من كذبه ذلك الضعيف؟

هززت رأسي بنعم ثم صاحت بحماس: سنستمتع عنادًا بكل صوت يود إزعاجنا.
قهقهت بمرح وسرنا نحن الاثنتان للاستمتاع بعطلتنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

كلانا يسافر فى هذا القطار
جميلة احببتها

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 6, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 5, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Feb 4, 2023 - نورهان إبراهيم عبدالله بنداري
Feb 4, 2023 - أنطونيوس عطية يوسف
Feb 4, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Feb 4, 2023 - نهاد محمد فؤاد ابو حجر
Feb 4, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 4, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Feb 3, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 2, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 1, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Jan 31, 2023 - علاء علي عبد الرؤف
Jan 30, 2023 - محمد إسماعيل الحلواني
Jan 30, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Jan 29, 2023 - ازهار محمد محمد عبدالبر
Jan 29, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
Jan 29, 2023 - أحمد السيد أحمد علي حسن
Jan 28, 2023 - أمل عبدالوهاب عبدالباري
Jan 28, 2023 - لطيفة محمد خالد
Jan 28, 2023 - فاطمة الزهراء دوقيه
Jan 26, 2023 - اشرف عواض عبد الحميد
Jan 25, 2023 - سارة الانصاري
Jan 25, 2023 - احمد عادل عثمان
Jan 23, 2023 - مريم محمد عبدالله
Jan 23, 2023 - سحر احمد عثمان
Jan 22, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
نبذة عن الكاتب