قصة "نسيبة".. قصص قصيرة

في إحدى قرى الريف يستيقظ مولود جديد على بعض من الموسيقا الصاخبة وصوت الديكة، وهذا هو وقت يقظت الفلاحين والحيوانات جميعًا من راحتها، ليعيش حياة سوداوية تمنى فيها ألا يحيا دقيقة بعدها، وكأنها هي مصرخ ألمه، وتسحره بعينيها وأنت غير قادر على تبديد ظلمتها، ما فعلته به مُؤْلِمٌ حقًا منذ أن خطى بكلتا قدميه على تلك الأرض، وهي تفعل به ما يحلو لها..

فأدلجت به وهو ابن السبع سنوات في حوض كبير من الماء، وبعض الأسلاك التي نستعملها لجر الطاقة الكهربائية تلامس جسده غير عابئ به أحد.. 

كان يصرخ من شدة الألم، وكأنه وقع في قبضتيك هتلر، وما فعله من حروب عالمية هوت بملاين الناس إلى الهاوية.

قد ناله الشحوب منذ الصغر، ولم يكن يعرف ما سيثقل عاتقه في الحاضر من واجبات، وأن مجيئه كان جرمًا منذ البداية، وترك له أبوه أن يكون هو معلم نفسه هو المسؤول الأول والأخير في كلما هو جيد..

أما إذا كان سوءًا فلا تلم إلا نفسك، ولن يتعرَّض له إلا إذا تحقق الخطر الجسيم منه، وسيتخذ منه ألعوبة يقلب فيها كما يشاء.

ومرَّت السنون وهو على عادته منطويًا بين جدران غرفته لا يعرف كيف يكون التعايش مع هؤلاء، وكثرت أوقات الحزن والغم، واشتد عليه المرض وهو ابن عشر سنوات، وفي ضحى يوم من تلك الأيام المحرقة عرف أن أباه يريد موته بفعلته.

هجم عليه غير مبالٍ بسنه الصغير، وأصابه ما أصابه من مكروه فكان أول ما يدور في ذهنه هو الانتحار لأنه لم يحتمل البقاء أكثر من ذلك.

هل تدركون ما معنى أن يقرر إنسان إنهاء حياته بكامل إرادته؟ هل تعلمون ما كان يفكر به؟ في هذه اللحظة هل تفهمون العلاقة بين مرض الاكتئاب واتخاذ قرار الانتحار؟ 

لا تدركون، إنها حالة عقلية ونفسية فريدة جدًا لا يرى فيها الشخص إلا باباً واحداً مفتوحاً وكل الأبواب مغلقة، في تلك اللحظة هو مغيب تمامًا عن كل معاني الحياة والآخرة.

لماذا أطلق (هيمن جواى) الرصاص على نفسه وهو الحائز على نوبل لأنه وصل لهذه الحالة الذهنية الفريدة من نوعها. وكثيرين من المشاهير كداليدا ومارلين مونرو وهتلر، إلى آخره من مئات وآلاف المشاهير.

وبعدها أقام نارًا ولدن فوقها رغيفًا بعدما أعلنت معدته عن أنها خاوية وتريد الطعام لا محال،

ثم لامست النار فخذيه وهو وحيدًا في المنزل غير قادر على أن يستعين بأحد، وقتها عرف الحقيقة وهو أنه السبب في كل ما يحدث، هو نذير شؤم منذ ولادته، كان الجميع يتهافتون علي موعد موته، ولكن خيب ظنهم، وعاش بعدها أياماً عجاف لم تنتهِ.

ومع أنه يعيش حزناً ساخطاً إلا أنه كان في قلبه طراوة رضا وسعادة، وكان يتمنى أن كل هذا يدخل تحت ستار من النسيان، لم يكن بائساً كما خيِّل لك كان يريد الاندفاع بين الناس ومشاركتهم في شتى مراسم الاحتفال..

الفتيات يتنزهن بملابسهن الجميلة، والشباب يجلسون في المقهى وهو يجلس بين جدران غرفته يبكي وينتحب على ما حدث في مخيلته من ذكريات هوت به إلى القاع منذ مولده.

بائعو المخدرات أيضًا يعلنون عن منتجاتهم بالنظرات المعروفة، الشحاتين ينتظرون الرزق، والمتاجر تعلن عن وجودها بمكبرات الصوت والإضاءة الملونة، رغم أنه وسط الزحام إلا أنه يشعر بالغربة والفراغ.. 

هو مجرّد بقيّة منطفئة من رغبات كانت جامحة يومًا، بقيّة حالكة تتحرَّك بوهن في جسد آخذ في الهزال.

وفي تلك الايام التي تلاعبت فيها الحوادث كان يمشي في أزقة الشوارع والطرقات، وكان يمشي أحدهم بسيارة ثم قطع الطريق ليصطدم به وأصابته بعض الكسور في جسده الهزيل، عاتبه بعضهم على فعلته إنه كان يمشي غير مكترث بحوادث السيارات، والجاني لا لوم عليه.

شعر أنه الشخص الوحيد الذي ولد في مكان بائس، ثم بدأ في تناول أطباق غير معدودة من الأمل بكل شراهة، ليصبح في العشرين من عمره خالي الوفاض، يشعر بالجياع تجاه الحياة، ولكنه مصاب بالغثيان نتيجة تراكم الآمال والخيبات المتتالية في معدته.

ليصبح بعدها طبيبًا في أحد المستشفيات الجامعية، ولم يكن قادرًا على تخطي ما حدث في مقتبل حياته من أمال وأحلام هوت به إلى العدم، وأثناء ما هو يقوم بنوبتجيته في الاستقبال كان يقابل الكثير من الحالات الحرجة، وأن هناك أطباء لا يخشون الله، ولا يرأفون بالناس الفقراء، ولا يعرفون لهم دينًا سوى الكسب من العيادات الخارجية، لكنه كان رحيماً بهم لأنه ولد في قرية نائية مثلهم، كان يعرف معنى أن يكون المريض في مستشفى حكومية فهو لا يملك غير قوت يومه.

ثم قابل سيدة عجوزاً يناطح عمرها السبعين سنة مستلقية على سريرها، لا مكترث بها أحد، لا أهل، ولا أبناء بجوارها، فقط تخاطب ربها أن يتخمدها برحمته من مكابدة هذه المعانة، ولا يعرف ما قصتها التي أتت بها إلى هنا، في وراء كل سرير في المشفى قصة ومعاناة لم نعرفها.

كاتب ومفكر وصحفي مصري. له الكثير من المقالات النوعية وكتب لعدة صحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية واكبر المواقع الثقافية في الوطن العربي. كاتب لدي موقع"جوك" ومحرر صحفي لدي "جريدة الجمهورية اليوم " منذ 8 يناير/كانون الثاني 2022 و"جريدة كنوز عربية" منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2020 وفي المجال الأدبي أصدر عدة مؤلفات منها:حكايات الظلام "عالم المعرفة" "اكتئاب حاد" الإنسان اصله بلح الجزء الاول والثاني" و"ذات المحاسن ابنة إبليس.و"سلسلة مقالات فلسفة الاديان و" سلسلة مقالات العائدون من الموت. تخرج من أكاديمية للعلوم الطبية و"يكمل مسيرته الدراسية في كلية الخدمة الاجتماعية. نال دكتوراة فخرية من قبل" المركز الدولي للترجمة والتدريب" في باريس عام 2022. وذلك لجهوده في نشر روح التسامح والعدالة والقيم الإنسانية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب ومفكر وصحفي مصري. له الكثير من المقالات النوعية وكتب لعدة صحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية واكبر المواقع الثقافية في الوطن العربي. كاتب لدي موقع"جوك" ومحرر صحفي لدي "جريدة الجمهورية اليوم " منذ 8 يناير/كانون الثاني 2022 و"جريدة كنوز عربية" منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2020 وفي المجال الأدبي أصدر عدة مؤلفات منها:حكايات الظلام "عالم المعرفة" "اكتئاب حاد" الإنسان اصله بلح الجزء الاول والثاني" و"ذات المحاسن ابنة إبليس.و"سلسلة مقالات فلسفة الاديان و" سلسلة مقالات العائدون من الموت. تخرج من أكاديمية للعلوم الطبية و"يكمل مسيرته الدراسية في كلية الخدمة الاجتماعية. نال دكتوراة فخرية من قبل" المركز الدولي للترجمة والتدريب" في باريس عام 2022. وذلك لجهوده في نشر روح التسامح والعدالة والقيم الإنسانية.