بين الفقر والعفة: قصة نسمة ورحلة البحث عن الحلال في المدينة الصاخبة

تحت سقف من صفيح يئن مع كل عاصفة، وفي أزقة المدينة التي لا ترحم الضعفاء، تولد قصص تمتحن جوهر الإنسانية وصلابة المبادئ. قصة نسمة الفتاة الفقيرة التي تعكس الصراع الأبدي بين ألم الجوع وعزة النفس.

تبدأ الحكاية بصرخة صامتة لفتاة تجد نفسها محاصرة بين مرض أمها واحتياجها وبين إغواء المال السهل الذي يعرضه رصيف الشارع ومواقف الحافلات. هي رحلة سيكولوجية عميقة تأخذنا إلى حافة الهاوية، حيث يختلط الواقع بالكابوس، لتكشف لنا في النهاية أن الخيط الذي ينقطع لا يعود أبدًا، وأن فجر الكرامة يستحق الانتظار مهما طال ليل الحرمان.

الفصل الأول: بيت صغير في مدينة كبيرة

في أحد أحياء المدينة الكبيرة، حيث تتصارع الأبنية الشاهقة مع أكواخ الفقر المتراصة خلفها، كان بيت صغير لا يكاد يُذكر. بيتٌ شُيِّد من طوبٍ باهت اللون، تآكلت جدرانه بفعل قسوة السنوات وعاديات المطر، ونوافذه الخشبية المتهالكة كانت تخترقها رياح الشتاء الباردة دونما رحمة.

أما سقفه المصنوع من الصفيح، فكان يئن تحت وطأة الرياح كلما هبَّت عاصفة، وكأنه يشتكي ثقل الحياة التي يعيشها ساكنوه. في داخله، تتجاور غرفتان ضيقتان: إحداهما للأم العجوز التي أنهكها الزمن وترك في جسدها آلامًا لا تنتهي، والأخرى لابنتها نسمة. بينهما، مطبخ صغير لا يتسع إلا لموقد قديم وحوض مكسور، وصالة لا تكاد تستوعب كرسيين خشبيين متآكلين.

نسمة، فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، وجهها يضيء كالقمر ليلة اكتماله، لكن عينيها تحملان ظلالًا من التعب الذي لا يليق بريعان شبابها. شعرها الأسود الطويل تنسدل خصلاته على كتفيها بعفوية، ولها جسد نحيل أضعفته سنوات الجوع والقلة. فمنذ أن توفي والدها قبل سبع سنوات في حادث سير بسيط لم يُعوَّضوا فيه بحق، صارت هي السند الوحيد لأمها التي لم تعد قادرة على العمل بسبب مرض السكري وآلام المفاصل التي تلتهم جسدها يومًا بعد يوم.

تخرج نسمة كل صباح باكرًا، تبحث في شوارع المدينة عن عمل يُدِرُّ عليها قوت يومهما. تطرق أبواب المحلات التجارية، والمطاعم، والبيوت الكبيرة التي تحتاج إلى عاملة منزل. لكن الأبواب كانت تُغلق في وجهها بلا رحمة: إما لصغر سنِّها حسب زعمهم، أو لغياب الشهادات، أو لازدحام الأيدي العاملة بمن هم أقوى منها جسدًا أو أكثر توسُّلًا.

وفي المساء، تعود بخفيِّ حنين، تحاول أن ترسم ابتسامة على شفتيها لأمها كي لا ترى الدموع التي تخنقها. تخلع حذاءها البالي، وتجلس على الأرض إلى جانب سرير أمها الخشبي القديم، وتحكي لها قصصًا لا وجود لها عن عمل قريب ستبدأ به عما قريب.

الفصل الثاني: لقاء على قارعة الطريق

في صباح أحد الأيام، خرجت نسمة كما تفعل كل يوم. ارتدت ثوبها البسيط الذي غسلته في الليلة السابقة، وربطت شعرها بمشبك قديم ورثته عن والدتها، ثم انحنت لتقبِّل جبين أمها التي كانت تهمس بالدعاء خلفها وهي تلملم بقايا خبز يابس لتضعه في كيس صغير لابنتها. سارت بين شوارع المدينة الصاخبة، تتوقف هنا وهناك، تسأل عن عمل في محل ملابس، أو عند خباز، أو عند عائلة تحتاج إلى مربية أطفال.

لكن الرفض كان متعبًا هذه المرة أكثر من كل الأيام. ثلاث ساعات من المشي تحت شمس الظهيرة، دون أن تنال سوى كأس ماء من صاحب دكان رحم حالها. شعرت بثقل في قدميها وضيق في تنفسها، فاتجهت إلى موقف الحافلات في ساحة التحرير، وجلست على المقعد الحجري البارد. لم تكن تنتظر حافلة، ولم يكن معها ثمن تذكرة لو أرادت الركوب. جلست فقط لتستريح قليلًا، لتمسح عرق الجهد من جبينها، ولتلتقط أنفاسها قبل أن تعاود الكرة في الحي المجاور.

كانت تنظر إلى الناس من حولها بعينين حزينتين: رجال في بدلات أنيقة يركبون سياراتهم الفارهة، نساء يحملن حقائب جلدية لامعة ويصعدن إلى الحافلات المكيفة، وأطفالًا يرتدون ثيابًا جديدة ويحملون ألعابًا غالية. كلهم يمرون بجانبها كأنها جزء من الرصيف، لا يرونها، أو ربما يرونها ولا يريدون أن يروا. لم تكن موجودة في عالمهم، كانت مجرد ظل على قارعة الطريق.

بينما هي غارقة في أفكارها عن أمها التي تنتظرها، وعن قطعة الخبز اليابسة في جيب ثوبها التي ستقتسمها معها مساءً، لمحت من بعيد فتاة تقترب بخطى واثقة. كانت ترتدي ثوبًا حريريًا باللون العنابي يلامس الأرض برقة، وحذاءً ذا كعب عالٍ يخطو بهدوء على البلاط دون أن يصدر صوتًا. شعرها المصبوغ بلون الكستنائي ينسدل على كتفيها كالشلال، وعيناها تخفيان خلف نظارة شمسية داكنة سرًا لا يُقرأ. حول عنقها قلادة ذهبية لامعة، وعلى معصمها ساعة مرصعة بالفضة.

جلست الفتاة على بعد مقعدين من نسمة، ووضعت حقيبتها الصغيرة بجانبها بحرص. بدت غنية، بل شديدة الثراء. أخذت نسمة تتأملها من طرف خفي، تتساءل بصمت: ما الذي يجعل فتاة بهذه الأناقة تجلس هنا، في موقف الحافلات العام، وسط غبار المدينة وزحامها؟ ألا تمتلك سيارة؟ أم أنها تنتظر أحدًا؟

أخذت نسمة تتمعَّن في تفاصيلها من باب الفضول البريء: الأظافر المطلية باللون الأحمر الداكن، الساعة التي تبدو ثمينة، العطر الفاخر الذي وصلت رائحته إليها رغم المسافة التي تفصل بينهما. وفي داخلها تساءلت: «ماذا تعمل هذه الفتاة؟ كيف لها كل هذا المال وهي في مثل عمري تقريبًا؟»

لكن قبل أن تردع فضولها، قطع صمت المكان رنين هاتف. التفتت نسمة لتجد الفتاة تخرج هاتفًا ذهبي اللون من حقيبتها، وترفع النظارة عن عينيها لتكشف عن عينين كبيرتين مكحلتين، وتجيب ببرود:

— ألو؟

توقفت لحظة، ثم تغيرت ملامحها إلى مزيج من الضجر والجفاء، وارتفع صوتها قليلًا:

— ماذا تريد؟ أنت لم تدفع لي حسابي من المرة الماضية. إذا رغبتَ في أن نقضي وقتًا معًا من جديد، ادفع لي حسابي أولًا. وحسابي اليوم خمسمئة دولار. أنا أنتظرك عند موقف الباص. إذا وافقت، لديك خمس دقائق.

أغلقت الخط دون انتظار رد، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها وكأن شيئًا لم يكن.

شعرت نسمة وكأن صاعقة ضربت صدرها. تجمَّدت في مكانها. الكلمات كانت واضحة، لا تحتمل التأويل. هذه الفتاة... تبيع جسدها للرجال مقابل المال. خمسمئة دولار في ساعة، في حين أنها تجري في الشوارع طوال اليوم ولا تجد ما يسد رمقها.

لكن السؤال الذي حفر في رأسها كالمسمار: لماذا تفعل ذلك وهي تبدو غنية؟ لماذا لا يبدو عليها الفقر أو الحاجة؟ الثياب الثمينة، الساعة الغالية، العطر الفاخر، كلها تشي بحياة رغيدة. هل المال الذي تجنيه لا يكفيها؟ أم أنها اختارت هذا الطريق طمعًا في المزيد من الرفاهية؟

أحست نسمة بالغثيان يعلو إلى حلقها. أرادت أن تنهض وتبتعد، لكن جسدها كان مثقلًا بالفضول والتعب الذي أنهك عظامها. همست في نفسها: «سأنتظر قليلًا، سأرى إن كان سيأتي ذلك الرجل».

لم تمر دقائق معدودة حتى توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام الموقف. نزل زجاج النافذة الخلفي ببطء ليكشف عن رجل في الستين من عمره، يلبس بدلة رمادية أنيقة، وشيب اللحية يكسو وجهه المهيب. بدا ثريًا، هادئ الطلة، كأنه أب محترم يخرج من مجلس أعمال أو من مناسبة عائلية.

الفتاة نهضت بتثاقل، فتحت باب السيارة، وانزلقت إلى المقعد الخلفي بلا كلمة ولا نظرة التفاتٍاختفت السيارة السوداء في زحام الشارع وكأنها لم تكن سوى سراب.

بقيت نسمة مكانها، متجمدة على المقعد الحجري. كانت تراقب المشهد كمن يشاهد فيلمًا لا يُصدَّق. ثم جاءت الحافلة التي كانت متوقفة هناك، صعد إليها الركاب وتحركت، لكن نسمة لم تتحرك.

جلست مكانها حتى جاءت حافلة أخرى بعد عشر دقائق، صعدت إليها بخطى آلية، وجلست في مقعد خلفي بجوار النافذة، وأسندت رأسها على الزجاج البارد. لكن الأفكار كانت تلاحقها كالذباب.

خمسمئة دولار. خمسمئة دولار تكفيها هي وأمها لشهرين كاملين. خمسمئة دولار يمكن أن تشتري دواءً لأمها، وطعامًا دافئًا، وغطاءً جديدًا يقيهما برد الشتاء القادم.

أغلقت عينيها وحاولت أن تنسى، لكن الصور بقيت محفورة في ذاكرتها.

الفصل الثالث: ليلة الجوع

وصلت نسمة إلى البيت عند الغسق. كان ضوء النهار قد تلاشى خلف الأبنية، ولم يبقَ إلا صفرة خافتة تتسلل من النافذة المكسورة.

وجدت أمها جالسة على حافة السرير الخشبي القديم، تحرك أصابعها المتعبة بخيوط الصوف الرمادية، تحاول أن تحيك شيئًا صغيرًا تبيعه في السوق. لكن يديها كانتا ترتجفان من البرد والضعف، والخيوط تتساقط منها بين الحين والآخر.

— تعبتِ يا ابنتي؟ سألت الأم بصوت خافت، رافعةً عينيها المتعبتين لتنظر إلى ابنتها.

— لا بأس يا أمي، سأرتاح قليلًا.

جلست نسمة على الأرض، وسندت ظهرها إلى الجدار البارد. نظرت إلى المطبخ الصغير المكشوف، إلى الرف الخالي إلا من بعض الأكياس الفارغة وعلبتين من الصفيح صدئ غطاؤهما. لم يبقَ لديهم شيء للعشاء.

جلست نسمة على الأرض، وسندت ظهرها إلى الجدار البارد. نظرت إلى المطبخ الصغير المكشوف

آخر قطعة خبز أعطتها لأمها في الصباح، ورفضت أن تأخذ منها ولو لقمة رغم إلحاح أمها عليها.

— ألم تأكلي شيئًا اليوم يا نسمة؟ سألت الأم بعينين تدمعان، ناظرةً إلى وجه ابنتها الشاحب.

— أكلت، لا تقلقي، سأرتاح وأنام باكرًا.

لكنها لم تأكل. لم يكن في جوفها سوى كأس ماء شربته عند الظهر من صنبور في الشارع، وكأس آخر شربته قبل أن تغادر موقف الحافلات. الماء يسد الجوع قليلًا، لكنه لا يُطعم.

ذهبت إلى غرفتها الصغيرة، وألقت بجسدها على السرير الضيق؛ السرير الوحيد الذي تملكه، بإطاره الحديدي الصدئ وفراشه المهترئ الذي تآكلت حشوته فأصبحت عظامه تؤذي ظهرها كل ليلة.

وضعت رأسها على المخدة التي تحتفظ بدفء أمها ورائحة البيت القديم؛ المخدة الوحيدة التي ورثتها عن أبيها. حاولت أن تنام، لكن الجوع كان يعصر معدتها كقبضة حديدية لا ترحم.

التفافاتُ الألم تبدأ من البطن وتصعد إلى الصدر، ثم تنزل إلى الأطراف، فلا تجد طعامًا يسكتها. حاولت أن تلف نفسها بالغطاء الرقيق، لكن البرد تسلل من النافذة المكسورة ومن تحت الباب، واختلط مع ألم الجوع ليصيرا عذابًا واحدًا.

لم تكن المعدة فقط هي التي تئن، بل كان الرأس يعج بالصور التي رأتها في النهار: الفتاة الغنية التي تدير ظهرها للعفة مقابل المال، الرجل العجوز الذي يدفع خمسمئة دولار لساعة مع فتاة في عمر ابنته، السيارة الفاخرة التي اختفت في زحام الشارع، الثياب الحريرية، الساعة الفضية، العطر الذي لا يزال عالقًا في أنفها.

ومع كل لفة من لفات الألم في بطنها، كان السؤال يعود إليها كالسهم: «لماذا لا أفعل مثلها؟»

حاولت أن تطرد الفكرة، لكن الجوع كان أقوى. الجوع يقتل كل شيء: الكبرياء، الحياء، العزة، حتى الإيمان أحيانًا.

تذكرت وجه أمها وهي تبتلع الخبز اليابس بحسرة، وكيف كانت تتظاهر بالشبع كي لا تشعرها بالذنب. تذكرت يديها المرتجفتين وهي تحاول الحياكة رغم الألم. تذكرت صوتها وهي تدعو في الليل ظنًا منها أن ابنتها نائمة.

نهضت من سريرها فجأة، وجلست على حافته الخشبية. أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما، وكأنها تريد أن تتأكد أن القرار الذي يختمر داخلها هو قرارها هي، وليس قرار جوعها.

نظرت إلى المخدة التي تبللت من دموعها دون أن تشعر. همست في الظلام بصوت لا يكاد يسمعه أحد:

«سأفعلها. مرة واحدة فقط. سأجمع المال ثم أتوقف. سأشتري لأمي دواءها وطعامها، وسأصلح النافذة التي يدخل منها البرد، وسأشتري غطاءً جديدًا، ثم أبحث عن عمل نظيف بعدها».

لكنها لم تكن تعلم أن الخيط الذي تقطعه اليوم لا يعود أبدًا، وأن الخطوة الأولى في هذا الطريق هي آخر خطوة تختارها بنفسك، وما بعدها تكون خطوات القهر والإدمان.

نامت أخيرًا منهكة، لكن نومها كان مضطربًا مليئًا بالأحلام المزعجة. رأت نفسها تركض في شارع طويل لا نهاية له، وخلفها ظلال سوداء تطاردها، وأمامها أمها تناديها من بعيد، لكنها لا تستطيع الوصول إليها.

الفصل الرابع: المطاردة

في اليوم التالي، لم تذهب نسمة للبحث عن عمل. خرجت باكرًا، لكنها اتجهت مباشرة إلى موقف الحافلات في ساحة التحرير، وجلست في المكان نفسه، وأخذت تنتظر. كان قلبها يدق بسرعة غير طبيعية. كلما مرت سيارة سوداء من بعيد، كانت تمد عنقها لتتأكد إن كانت هي. لكن الفتاة لم تأتِ في ذلك اليوم.

جلست نسمة حتى المساء، عادت إلى البيت بخفي حنين، قالت لأمها إنها قضت يومًا طويلًا في البحث دون جدوى، ونامت باكرًا لتستيقظ باكرًا.

في اليوم الثاني، عادت إلى الموقف. جلست ساعات طويلة، تنظر إلى الناس، تنتظر. بدأت تفقد الأمل، وتساءلت إن كانت الفتاة ستأتي مجددًا أم أن لقاءهما كان صدفة لن تتكرر. كادت أن تغادر عند الظهر، لكنها قررت أن تنتظر حتى المساء.

في اليوم الثالث، وأخيرًا، رأتها تقترب. نفس الثياب الأنيقة، لكن هذه المرة بدرجات اللون الزهري، نفس الخطوات الواثقة، نفس النظارة الداكنة التي تخفي عينيها. جلست الفتاة في مقعدها المعتاد، وأخرجت هاتفها لترسل رسالة، دون أن تلاحظ نسمة التي كانت تراقبها من بعيد.

نسمة ترددت للحظات. خوفها من المجهول وفضولها وإصرارها كانت تتصارع داخلها. تذكرت وجه أمها وهي تنظر إلى الفراغ، تذكرت المعدة الفارغة التي أيقظتها ليلة أمس، تذكرت القرار الذي اتخذته في ظلام غرفتها. فنهضت واقتربت بخطى ثقيلة.

— مرحبًا...

توقفت بحرج واضح، وصوتها يكاد يختفي في ضجيج الشارع.

الفتاة رفعت نظارتها قليلًا ونظرت إليها باستغراب وحذر:

— نعم؟ من أنتِ؟

— أنا... اسمي نسمة. أنا التي كانت تجلس هنا قبل ثلاثة أيام، بجانبك... سمعت مكالمتكِ...

تغير وجه الفتاة فجأة. عبست وزمَّت شفتيها، ونظرت حولها بسرعة لتتأكد ألا أحد يسمع:

— وماذا تريدين؟

— أريد... أن أعمل معكِ.

صمت طويل. نظرت الفتاة إلى نسمة من رأسها إلى أخمص قدميها، وكأنها تفحص بضاعة قبل شرائها. رأت وجهها النقي الذي لم تمسه مساحيق التجميل بعد، عينيها البريئتين اللتين لا تزالان تحتفظان ببريق الطفولة، ثوبها البسيط الرث الذي يخفي جسدًا نحيلًا شفافًا من الجوع.

ثم ابتسمت ابتسامة باردة فيها شيء من الشفقة:

— أنتِ جادة؟ هل تعرفين ما الذي تقولين؟ هل تعرفين ما هذا العمل؟

— أعرف. أنا بحاجة إلى المال. أنا وأمي. ليس لدينا طعام، ولا دواء، ولا شيء. سأفعل أي شيء.

الفتاة تنهدت بعمق، وأزالت نظارتها الشمسية لتنظر إلى نسمة بعينيها المكحلتين. نظرت حولها مجددًا كي تتأكد ألا أحد يسمع، ثم قالت بصوت منخفض وحازم:

— اسمعي، لا تستعجلي. هذا الطريق ليس كما تظنين. أنا لا أنصحك به. أنتِ صغيرة، وجهك نقي، لا تضعي نفسك في هذا المستنقع.

— لكنك تفعلينه! قالت نسمة بحدة ويأس، ثم خفضت صوتها: أعني... لماذا تفعلينه إن كان سيئًا كما تقولين؟

— لأني بدأتُ ولا أستطيع التوقف. هذه هي المشكلة. أصبحت مدمنة على المال السهل، على الحياة التي يعطيني إياها. المال الحرام له طعم مختلف، يغرك ثم يبتلعك. اذهبي إلى بيتكِ وانسيني. لا تعودي إلى هنا مرة أخرى.

لكن نسمة أصرَّت. جلست بجانبها على المقعد، وأخذت تبكي وتتوسل. حكت لها عن أمها المريضة بالضغط والسكري، عن الجوع الذي لا يفارق بيتهما، عن الرفض الذي تتعرض له كل يوم في أبواب العمل. حكت لها عن أبيها الذي مات وتركهما وحيدتين، وعن السنوات السبع التي قضتها تكافح وحدها.

نظرت الفتاة إلى السماء للحظات، وكأنها تستشير أحدًا لا تراه، ثم قالت بصوت متعب:

— اسمعي... اسمي لينا. سأعطيك فرصة واحدة. تجربة واحدة. إذا نجحتِ، ستأخذين المال، وإذا أردتِ التوقف بعدها، فتوقفي. لكني أحذركِ: المال السهل يُدمن. ولن تكون هذه المرة الأخيرة، مهما أقنعتِ نفسكِ بغير ذلك.

أعطتها رقم هاتفها على قطعة صغيرة من الورق، وطلبت منها أن تأتي في المساء إلى عنوان في منطقة راقية. هناك ستقابل «زبائن» أوَّلين.

ثم نهضت دون أن تنتظر ردًا، وابتعدت بخطى سريعة، وكأنها تريد أن تبتعد عن المكان قبل أن تغير رأيها.

نسمة بقيت جالسة على المقعد، والورقة في يدها ترتجف. نظرت إلى الأرقام المدونة بخط صغير، وشعرت وكأنها تمسك ببطاقة دخول إلى عالم لا تعرف شيئًا عنه.

الفصل الخامس: أول ليلة

في المساء، ارتدت نسمة أفضل ما لديها، وهو ثوب أزرق باهت لم تلبسه إلا في المناسبات، وأهدته لها إحدى الجارات قبل سنوات.

في المساء، ارتدت نسمة أفضل ما لديها، وهو ثوب أزرق باهت لم تلبسه إلا في المناسبات

نظرت إلى المرآة المكسورة التي على الحائط، المرآة التي لا تُريها إلا جزءًا من وجهها في كل مرة. رأت وجهها: يضيء رغم الفقر والنحول، شعرها الأسود الطويل ينسدل بعفوية على كتفيها، ويداها النحيلتان ترتجفان قليلًا. حاولت أن تبتسم، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها.

كانت عيناها تحملان خليطًا من الخوف والترقب واليأس. لم تكن تعرف ماذا ترتدي لتلك الليلة. لينا لم تخبرها. هل يجب أن تكون مثلها؟ أنيقة، متبرجة، بعطر فواح؟ أم أن بساطتها وفقرها هما ما سيجذبان «الزبون»؟

قررت أن تبقى على طبيعتها. هذا ما هي عليه: فتاة فقيرة، لا تملك إلا وجهها النقي وجسدها النحيل.

ودعت أمها التي كانت قد نامت بعد يوم طويل من الألم والجوع. خرجت من البيت، والظلام يلف الشوارع. كانت المدينة تبدو مختلفة في الليل: أضواء خافتة، ظلال طويلة، أصوات غريبة.

شعرت بالوحدة والخوف يتسللان إلى قلبها. لكن صورة أمها المريضة، ومعدة الجوع التي تئن، كانت أقوى من أي خوف.

وصلت إلى العنوان الذي أعطتها إياه لينا. كان قصرًا فخمًا في منطقة راقية: بوابات حديدية ضخمة، حدائق واسعة، أضواء ساطعة.

ترددت للحظات، ثم جمعت شجاعتها وطرقت الباب.

فتحت لها خادمة ترتدي زيًا أنيقًا، ونظرت إليها باستغراب:

— ماذا تريدين؟ سألت الخادمة بصوت بارد.

— أنا... أنا نسمة. لينا طلبت مني أن آتي إلى هنا.

تغير وجه الخادمة. ابتسمت ابتسامة خبيثة، وقالت:

— أهلاً بكِ. تفضلي. لينا تنتظركِ في الداخل.

دخلت نسمة إلى القصر. كانت قاعة الاستقبال فخمة، مفروشة بسجاد فاخر، ومزينة بلوحات فنية باهظة الثمن. رأت لينا جالسة على أريكة حريرية، ترتدي ثوبًا أحمر صارخًا، وتتحدث مع رجلين في منتصف العمر.

رفعت لينا رأسها، ورأت نسمة، فأشارت إليها بالاقتراب. اقتربت نسمة بخطى مترددة. شعرت وكأن كل الأعين في القاعة تنظر إليها، تفحصها، وتقيِّمهاجلست بجانب لينا، وشعرت بالخجل يتملكها. لم تعتد على هذا العالم: عالم الأضواء، والمال، والوجوه الغريبة.

تحدثت لينا معها بصوت منخفض:

— لا تخافي. هؤلاء زبائن جيدون. فقط كوني لطيفة، وافعلي ما يطلبونه منكِ. المال يستحق كل شيء.

نظرت نسمة إلى الرجلين. كانا يبتسمان لها ابتسامة عريضة، ابتسامة لم تصل إلى أعينهما. شعرت بالاشمئزاز يتسلل إلى قلبها. لكنها تذكرت أمها، وتذكرت الجوع، وتذكرت الخمسمئة دولار.

نهضت نسمة، وتبعتهما إلى غرفة أخرى. كانت الغرفة مظلمة، لا يضيئها إلا ضوء خافت من مصباح جانبي. شعرت بالبرد يتسلل إلى عظامها، ليس برد الشتاء، بل برد الخوف واليأس.

أغلقت الباب خلفها، وشعرت وكأنها تغلق بابًا على حياتها القديمة، وعلى كل ما كانت تؤمن به. كانت هذه أول ليلة لها في عالم لا تعرف عنه شيئًا، عالم ستدفع فيه ثمنًا باهظًا، ليس بالمال، بل بالروح.

الفصل السادس: سنوات السقوط

منذ تلك الليلة السوداء، تبدلت حياة نسمة رأسًا على عقب. صار المال يتدفق بين يديها بيسرٍ مريب، وانفتحت أمامها الأبواب التي كانت موصدة في وجهها بمعجزة المال الحرام.

ابتاعت لأمها دواءً ناجعًا وطعامًا شهيًا وملابس تتقيها قرَّ الشتاء. استبدلت النافذة المكسورة بأخرى صلبة، واشترت فراشًا جديدًا وفيرًا لأمها، وغطاءً ثقيلًا يمنح الدفء.

كانت الأم ترمق ابنتها بعينين حائرتين، تتساءل في صمت عن مصدر هذا الثراء المفاجئ، فكانت نسمة تجيبها بابتسامة باهتة بأنها تعمل لدى سيدة ثرية في ساعات الليل.

لكن كذبة «السيدة الثرية» لم تكن لتصمد طويلًا أمام فيض الأموال التي باتت نسمة تجلبها. أخذت تخرج كل ليلة، تارة برفقة لينا، وتارة مع أخريات انغمسن في هذا العالم الموازي.

تنقلت بين شقق فاخرة في أحياء مخملية، وفنادق شاهقة، وسيارات سوداء تجوب الشوارع المعتمة، وحفلات صاخبة يقيمها فتية مترفون في فيلاتهم الخاصة.

مرت السنوات، ونسمة التي كانت تمني نفسها بالتوقف بعد «مرة واحدة»، وجدت نفسها غارقة في مستنقع لا قرار له. صار المال إدمانًا يسري في عروقها، وتوقفت الأسئلة، وغار خداها اللذان كانا يشرقان كالقمر، وخانت عينيها آثار السهر والقلق والمساحيق الكثيفة التي باتت تواري خلفها شحوب الليالي البيضاء.

تعددت الوجوه والرجال؛ شباب في مقتبل العمر، ورجال في خريف العمر، وعجائز يطاردون سراب شبابهم الضائع. بعضهم كان فظًا غليظًا، وبعضهم كان «سخيًا» بماله وبخيلًا بكرامته.

تعلمت نسمة كيف ترسم بسمة وهي تضمر الكره، وكيف تلمس وهي تشعر بالغثيان، وكيف تخلع جسدها كالثوب وتتركه خلف الباب، ثم تعود إليه بعد رحيل الجميع.

تعلمت لغة الرجال الجسورة، وكيف تطلب المال بصلابة، وتواري أوجاعها خلف ضحكات مصطنعة.

وفي خضم هذا السقوط المريع، كانت أمها تذبل كزهرةٍ حُرمت السقيا. كفت عن السؤال، ربما لأن الحقيقة صدمتها ولم تعد تملك من القوة ما يكفي للمواجهة.

كانت تنظر إلى ابنتها بعينين مثقلتين بالوجع، وترفع كفيها إلى السماء في جوف الليل ضارعة: «اللهم اغفر لها، اللهم ردها إليَّ ردًا جميلًا، اللهم لا تكلها إلى نفسها طرفة عين».

كانت نسمة تسمع نحيب أمها أحيانًا، فتتسلل إلى غرفتها باكية، لكنها ما إن تستيقظ حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده، وتمضي في طريقها الوعر.

الفصل السابع: رحيل الأم ومحاولة الخلاص

في ليلة شتوية قارسة، تناهى إلى مسامع نسمة أنين أمها من الغرفة المجاورة. كان صوتًا واهنًا، يختلف عن كل ما عهدته سابقًا.

هرعت إليها لتجدها شاحبة كالموت، زرقاء الشفتين، تجاهد لالتقاط أنفاسها. حاولت الأم أن تنطق، لكن الكلمات تحشرجت في صدرها.

حملتها نسمة بين ذراعيها، فصدمها جسد أمها الذي غدا نحيلًا وخفيفًا كالريشة. اتصلت بالإسعاف بيدين ترتجفان حتى كاد الهاتف يسقط منها مرارًا.

وعندما وصل المسعفون بعد دهرٍ من الانتظار، كانت روح أمها قد فاضت إلى بارئها بين يديها.

لم تذرف نسمة دمعة واحدة حينها. وقفت ترقب جسد أمها الهزيل المسجى تحت غطاء صوفي قديم، وشعرها الأبيض يداعبه الهواء المتسلل من النافذة التي أصلحتها قبل سنوات.

نظرت إلى يديها المتجعدتين؛ اليدين اللتين غزلتا الصوف، واللتين لمستا وجهها بحنان، واللتين ارتفعتا بالدعاء لها كل ليلة.

في الجنازة، وقفت نسمة وحيدة كشجرة في مهب الريح. لم يكن هناك مشيعون سواها. وُوريت أمها الثرى في مقبرة الفقراء عند أطراف المدينة، وعادت إلى بيتها الموحش.

جلست على سرير أمها، ذلك السرير الخشبي الذي شهد سنوات الجوع والضراعة والانتظار، وانفجرت بالبكاء لأول مرة منذ أمد بعيد. كان بكاءً مريرًا ينبع من أعماقٍ لم تلمسها منذ طفولتها، حتى انهارت فوق الوسادة التي لا تزال تعبق برائحة أمها.

في تلك الليلة المظلمة، اتخذت قرارها الحاسم: «سأتوقف... إلى الأبد».

اتصلت بكل من تعرفهم في ذلك العالم المظلم، وأخبرتهم بنهاية الرحلة. بعضهم سخر منها قائلًا: «ستعودين، فكلنا قلنا ذلك»، وبعضهم بارك خطوتها، بينما لم يكترث آخرون. لكنها كانت مصممة كالصخر.

عادت لارتداء ثيابها البسيطة القديمة، وبدأت رحلة البحث عن عمل شريف؛ تنظيف، طبخ، خدمة في البيوت... أي شيء يمنحها لقمة حلال.

كان ما ادَّخرته يكفيها لشهور قليلة، لكنها كانت تتوق لبداية جديدة، تنظر فيها إلى المرآة دون أن ترتعد فرائصها من وجهها.

الفصل الثامن: الرفض والعودة إلى الظلام

بعد أسبوع من قرارها، رنَّ هاتفها. كان المتصل أحد الشبان الذين اعتادوا إقامة حفلات صاخبة. قال لها بنبرة واثقة:

— نسمة، سمعنا أنكِ اعتزلتِ. لدينا حفلة كبرى الليلة، والجميع بانتظاركِ. سندفع لكِ ضعف أجركِ المعتاد.

أجابته بحزم:

— لا، لقد توقفت. لا تتصل بي ثانية.

أغلقت الخط، وشعرت براحة مؤقتة، لكن قلقًا غامضًا ساورها. كان ذلك الشاب معروفًا ببطشه وقسوته. ظنت أن رفضها سيمر بسلام، لكنها كانت واهمة.

في الليل، استلقت نسمة على سريرها الخشبي الصغير؛ سرير الطفولة والفقر والكرامة المفقودة والمستعادة. تدثرت بالغطاء الثقيل الذي ابتاعته لأمها، وأغمضت عينيها لتغرق في نوم صعبٍ أرهقته الكوابيس.

لم تمضِ ساعة حتى تسلل ضوء مريب من باب الغرفة. فتحت عينيها لتجد ظلالًا تتحرك. كان باب البيت مكسورًا منذ أيام، وقد أجلت إصلاحه للغد، لكن الغد لم يأتِ كما تمنت.

قبل أن تطلق صرخة استغاثة، كانت الأيدي الآثمة قد أطبقت عليها. مجموعة من الشبان، أربعة أو خمسة، اقتحموا خلوتها. عرفت وجوههم في العتمة؛ كان هو المتصل ومعه زمرته.

حاولت الصراخ، لكن يدًا غليظة كتمت أنفاسها. حاولت الفرار، لكنها حوصرت بين أجسادهم. ألقوها فوق السرير؛ السرير الذي حلمت فوقه بمستقبل مشرق، واحتضنت فيه أمها لآخر مرة، وشهد سنوات صبرها.

الآن، غدا السرير مسرحًا لانتهاكها مجددًا، وبمنتهى العنف. كانت تُضرَب وتُركَل وتنتحب، لكنهم لم يرعوا. صرخت باسم الله، وباسم أمها، لكن صوتها اختنق في حنجرتها.

كلما حاولت النهوض، أعادوها بقسوة. ضربوها على وجهها وبطنها حتى سال الدم من شفتها المقطوعة، لكن وجع الروح كان أشد مضاضةً من وجع الجسد.

غابت عن الوعي ثم أفاقت، ولا تدري كم انقضى من الوقت. وجدت نفسها وحيدة، ثيابها ممزقة، وجسدها حطام. حاولت الحراك، لكن جسدها خذلها.

رمقت السقف المتشقق والظلال الراقصة، وبكت في صمت مطبق. لم يكن بكاؤها من الألم فحسب، بل لأنها حاولت أن تعيش كريمة، فجاؤوا إليها في عقر دارها ليعيدوها إلى الظلام الذي فرت منه.

في لحظة يأس مطلقة، شعرت بروحها تفارق جسدها. رأت نفسها من الأعلى؛ فتاة صغيرة على سرير ضئيل، تئن بين براثن الوحوش. ثم غمرها ظلام دامس... وفجأة، تناهى إليها صوت بعيد، كأنه آتٍ من وراء الغمام:

— نسمة.. نسمة.. ما بكِ يا ابنتي؟

الفصل التاسع: اليقظة

انتفضت نسمة من نومها فجأة، تلهث بشدة، والعرق يتصبب من جبينها كأنها خرجت من لُجَّة ماء. تطلعت حولها بذعر: الغرفة ذاتها، الجدران المتشققة، السرير الخشبي الصغير... لكنها كانت وحيدة.

ثم سمعت الصوت مجددًا؛ صوت أمها الحنون.

— نسمة، ما بكِ؟ لقد كنتِ تصرخين في نومكِ.

انفتح الباب، ودخلت أمها. أمها! حية تُرزق! تقف على قدميها رغم وهنها، وترمقها بقلق بالغ. كانت ترتدي ثوبها القديم، وشعرها الأبيض ينسدل على كتفيها.

نظرت نسمة إلى وجهها المتجعد، وإلى يديها اللتين تغزلان الصوف، ثم إلى الغرفة: النافذة المكسورة، الرف الخالي، الأرضية الباردة. لم تكن ثمة أموال، ولا حرير، ولا قصور، ولا سيارات سوداء.

لم يكن ثمة وجودٌ لِلينا، ولا سنواتُ من السقوط، ولا موتٌ للأم. كان كل ذلك كابوسًا طويلًا مزق روحها في عالم الأحلام، لكنه في الحقيقة لم يتجاوز ليلة واحدة.

انفجرت نسمة بالبكاء، وارتمت في أحضان أمها، تتشبث بها بقوة كأنها تخشى ضياعها.

— أمي.. أمي.. لقد رأيتكِ ميتة.. كنت أحلم.. كان كابوسًا مرعبًا.

احتضنتها الأم وربتت على ظهرها، وهي لا تفهم سر هذا الانهيار، لكنها شعرت بعمق ما تمر به ابنتها.

— أنا هنا يا ابنتي، لم أمت... نحن معًا، لا تخافي.

استمر بكاء نسمة لساعات؛ بكت الجوع الذي ذاقته في الحلم، والقرار الذي كادت تتردى فيه، والرعب الذي عاينته. لكنها بكت أيضًا شكرًا لله؛ لأنها استيقظت قبل فوات الأوان، ولأن الفرصة لا تزال سانحة لتعيش بكرامة.

الفصل العاشر: فجر جديد

مع خيوط الفجر الأولى، جلست نسمة بجوار أمها، تمسك يديها المتعبتين وتتأمل الغرفة بنظرة جديدة. كل ما كان يبدو مظلمًا بالأمس، صار اليوم يشرق بنور الأمل.

لم تكن تدري كيف ستواجه الحياة، لكنها أيقنت شيئًا واحدًا: لن تبيع نفسها، ولن تسمح للجوع أن يسرق كرامتها.

نهضت وفتحت النافذة على مصراعيها، واستنشقت هواء الفجر النقي، ثم التفتت لأمها قائلة:

— أمي، سأخرج اليوم للبحث عن عمل شريف. سأعمل في التنظيف، أو الخبز، أو رعاية الأطفال... سأقبل بأي أجر زهيد، لكني سأعود إليكِ كل مساء وأنا راضية عن نفسي، فخورة بأنني لم أتنازل عن كرامتي، وبأنني نمت على سريري وأنا أعرف قدري.

ابتسمت الأم ابتسامة صافية، وقالت:

— الله معكِ يا ابنتي، هو فتاح الأبواب. الفقر ليس عارًا، العار هو أن نفقد أنفسنا.

خرجت نسمة، ولم تتجه إلى موقف الحافلات، بل قصدت الأسواق الشعبية والمحلات الصغيرة. لم تجد عملًا في يومها الأول ولا الثاني، لكنها لم تيأس.

وبعد أسبوع، وجدت ضالتها في مخبز صغير، إذ عرضت عليها امرأة طيبة عملًا في العجن والتوزيع مقابل أجر بسيط ولقمة حلال. قبلت نسمة بلهفة، واشترت لأمها أول رغيف خبز من كد يمينها.

الخاتمة: سرير الكرامة

في المساء، عادت نسمة متعبة الجسد، لكن قلبها كان خفيفًا كالريشة. جلست بجانب أمها على السرير الخشبي، ووضعت رأسها على كتفها.

قالت الأم بدفء:

— نسمة، لقد رأيتكِ تبتسمين في نومكِ الليلة الماضية... منذ زمن لم أرَ هذه الابتسامة.

أجابتها نسمة بصدق:

— أحلم يا أمي بعمل أكبر، وبمخبز صغير نعيش منه بكرامة. ليس بالمال الكثير، بل بالرزق الحلال.

نامت نسمة تلك الليلة على سريرها الخشبي بأمان لم تعهده من قبل. أيقنت أن الكرامة لا تُثمن، وأن الجوع يزول، أما العار فيبقى.

نامت وهي تعلم أن غدًا سيكون شاقًا، لكنها ستواجهه برأس مرفوعة وقلب نقي. لقد اختارت نسمة أن تغير ما بنفسها؛ ليس بالمال، بل بالكرامة. ليس بالجسد، بل بالروح.

واجهت فقرها بعزة لا تُشترى ولا تُباع.

النهاية.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة