قصة "ندبة في القلب".. قصص قصيرة ج15

فاروق: جميل.. سأذهب الآن.

والتقطت سكين فيروز، وخرجتُ ورأسي مفعم بتلك الأفكار السوداء للتخلص من الاثنين معاً بضربة واحدة..

كانت أفكاراً متلاحقة ولا أعرف كيف حاصرتني.. فلم أكد أشعر بتدفقها حتى انتهت الفكرة كلها أمامي وتخيلتها تحدث بالفعل..

ذهبت إلى المطبعة وانتهيت من كل الأعمال المتعلقة بها وعدت ثانية لبيت العوسجي..

كانت له عادة غريبة حينما يجلس وحده في أثناء انشغاله، فإن قاطعه أحدهما وأفسد عليه خلوته بالقلم والورقة يفتح له الباب حينما يستقبله ويصطحبه لغرفة المكتب ثم يدس أنفه وسط تلك الكومة من الكتب والأوراق وينغمس في كتابة كل ما يدور برأسه على لوحة المفاتيح لحاسوبه المحمول..

كل ذلك يحدث وهو لا يكاد يسمع أو يرى من ضيفه أي شيء، وأحياناً ما ينسى اصطحابه في أثناء خروجه من المنزل.. كان لا يستقبل إلا من يعرفهم وفي يوم إجازة عثمان يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه

لا أعرف أبداً ما سر إحساسه بالأمان وسط كل ذلك الواقع المرير والذي نحياه جميعاً..

أحياناً أظن أنه ينفصل عن الواقع تماماً حينما يغوص في الكتابة..

أخبرني أنه سينتهي من روايته الأخيرة في تلك الليلة على أكثر تقدير ولم يتبقَ له سوى تمثيل مشهد الموت أمام فيروز والتي ينتظر اتصالها به.. 

ما يهم أنني عدت لأخبره بأمر انتهائي من الطباعة واستأذنت في الخروج، لكنني لم أفعل بل تركت سكين فيروز بالقرب من تفاحته الخضراء، حركت منضدته القريبة قليلاً عن مكانها المعتاد وهممت بالخروج.. فور ذهابي ناحية الباب أغلقته وعدت أدراجي ثانية لأتحين الفرصة المناسبة للتخلص منه.. وجدته يحادث فيروز.. وتعثر في أثناء حديثهما سوياً.. كانت الفرصة مميزة لأُجهز عليه خاصة بعد انقطاع النور فور ضغطي على ذلك المفتاح..

اقتربت منه بسرعة ووجدته ينزف وحينما سمعته يطلب مني النجدة سحبت ذلك السكين بسرعة وطعنته به مجدداً.. خفت من آثار بصمتي عليه فسحبته مجدداً وجرحني دون أن أشعر.. لم أتخلص من بصماتي في بيته لأنني من المترددين عليه بين الفينة والأخرى ولن يشك أحد إطلاقاً في قتلى له.. وعدت لبيتي مرتعد الفرائص، مرتعش اليد ، وخائفاً من كشف الحقيقة.. لكنني قررتُ عيش الواقع بأنني سأصبح الكاتب الجديد لدار النشر.. وسأحيا مستقبلي والذي سلبه مني العوسجي.

حامد: لكنه لم يقصد أن يسلبك إياه.. بل لقد أوصى لك بنصف نصيبه في دار النشر والنصف الآخر لفيروز في حال موته.

فاروق: أنا لا أستحق نص الدار، بل استحقها كلها.. كلها.. لقد صبرت كثيرا لأصبح ما أنا عليه الآن.. لقد تعبتُ كثيراً للحفاظ على وجودي في ظل الكاتب.. لقد مِت آلاف المرات وأنا أضحك على فشلي ككاتب.

رفعت: حسناً.. ستضحك الآن أكثر حينما يتدلى عنقك من حبل المشنقة.

سليم: الآن وقد عرفنا كل تفاصيل الجريمة، نستطيع إغلاقها للبدء في التحقيق بجريمة أخرى.

فاروق: بل سأحصل على الشهرة التي أستحقها.. سأحصل عليها ولو لمرة واحدة في حياتي.. سأسترد حقي في الفوز بتلك المسابقة.. كان من المفترض فوزي فيها لا العوسجي.

حامد: مسكين.. لا يستحق الشفقة.

رفعت: بل مجنون بالشفقة على نفسه.. إنها حقاً جريمة العام..

ولكن عن أي جريمة أتحدث.. عن جريمة الحقد الذي أثمر عن قتل الصديق لصديقه بعد عقود من علاقتهما المزيفة من طرف واحد.. عن جريمة قتل الموهبة والذي نتج عنه رغبة في الحياة بما لا يرتضيه الموهوب.. عن جريمة الإخلاص من طرف والخبث من طرف آخر.. أم عن ندبة في القلب لم تسمح لحاملها بالشفاء منها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة