قصة "ندبة في القلب".. قصص قصيرة ج13

فاروق: هو السبب.. كان العوسجي يعتبرني ظله الخفي.. مجرد كيان وهمي يستند إليه في أوقات فراغه وقتما يحلو له، لكن علاقتنا كانت أقوى من ذلك، كانت أهم من مجرد مدير تنفيذي يفعل ما يؤمر به، بل كنت أنا من يستحق شهرة العوسجي الساحقة..

كنتُ أنا سبب تألقه المميز، كنا صغاراً في سن العشرين أو يزيد، كنا نهتم بالكتابة، ولدينا نهم شديد لكل كتاب تلتقطه أيدينا، وكان ذلك اليوم له أثر كبير في علاقتنا وتحديد مستقبلنا فيما بعد..

فاروق: هي مجرد مسابقة، سنكتب ما يطلبونه منا وننتظر.

هيثم: لقد مللت الانتظار يا صديقي، بل مللت من وجودي اللاموجود، فأنا أكتب لنفسي فقط، تلك هي الحقيقة وذلك هو الواقع الذي أحياه لا أنكر ذلك..

فاروق: كفاك إحباطاً يا صديقي، تعلم جيداً أنك مبدع.

هيثم: وما أهمية ذلك الإبداع إن لم يلق النتيجة المنشودة، لا تخبرني أن أكتب مجدداً، فأنا أكتب منذ سنون طوال.. ومذ بدأت الكتابة وأنا أحاول مراسلة دور النشر، وأبحث عن أي مسابقة، لكن لا توجد فائدة ملموسة، أعلم أنني مميز في الكتابة، ولا أقلد غيري، كما أنني لست متأثراً بكبار الأدباء.. لكنني.. لكنني لا أسمع إلا المجاملات على طول الخط.. وعود بأنني سأصبح كاتباً مشهوراً.. نفاق بأنني ولدت نجماً، وحينما أقرأ أي من كتاباتي على آذانهم الصماء لا ينصتون، بل يملون من الاستماع بعد أول فقرة أنتهي منها، فالبعض يقول كتاباتك طويلة.. البعض يخبرني بأنني أكتب تفاصيل خاصة جداً، ونحن في مجتمع شرقي ومحافظ..

البعض يأمرني بالكتابة في موضوعات قُتلت بحثاً.. البعض يؤنبني على الكتابة نفسها وبأنها لا تجدي نفعاً، البعض يحثني على نسيان الكتابة، وكأننا نتحكم فيما رزقنا الله من موهبة، البعض يضحك حينما يعلم بأنني أتنفس بالكتابة والبعض يشعرني بأنني بهلوان أو ذو خيال واسع وهذا أمر لا يحتمله الواقع.

فاروق: دعك من كل تلك الأمور.. سنتقدم للمسابقة سويا.. ولدي الفكرة المطلوبة، كل منا سيكتبها بطريقته، وسنرى النتيجة على الفور.. لن تخسر شيئاً من التجربة.. صدقني.

هيثم: بلى سأخسر، فالوعد بالنجاة له مذاق خاص من يفقده يُقتل رغماً عنه، وأنا أخشى الانتحار بشكل متعمد.

فاروق: إذن فلتفعلها، اكتب تلك القصة، واقذف بها في جعبة لجنة التحكيم، ولتنسها فوراً كي لا تنتحر.

ولكن القدر كان له رأي مغاير، فقد فازت قصته بينما قصتي لم تُعر انتباه أي شخص ضمن لجنة التحكيم، وسطع نجم العوسجي منذ ذلك الوقت..

وأصبحت رفيق كتاباته قبل لقائه بفيروز.. كان يقص عليّ الفكرة فور كتابته لها، أما فيروز فيخبرها بما يتخلج به نفسه، وتنحيت جانباً، وآثرت الجلوس في مكتبي لأهتم بتنفيذ كتب العوسجي.

رفعت: أخبرنا عن تفاصيل تلك الجريمة؟

فاروق: لقد مررت عليه في يوم الجريمة.

سليم: لا.. فلنبدأ منذ سرقتك للسكين المزيف.

فاروق: أنا لست بسارق.. أنا مدير دار نشر و..

رفعت: وقاتل أيضاً.. أليس كذلك؟ أخبرنا كيف فعلتها.. كيف قتلت صديقك؟

فاروق: كان من الطبيعي وجودي مع العوسجي سواء في دار النشر، في بيته أو في لقاءاته الصحفية.. فقد كان يقدمني للجميع بأنني ذراعه الأيمن، وفي ذلك اليوم قبل الجريمة بيومين، كنتُ أطالبه بكتابة الفصل الأخير في رواية "ندبة في القلب".

هيثم: صدقني يا صديقي.. لقد توقفت الأفكار في رأسي تماماً.. حقاً لا أستطيع الانتهاء منها تلك الرواية.

فاروق: المبدع الكبير يتعطل.. أشك في ذلك.. لقد رأيتك تكتب قصة جديدة تماماً.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة