حوّل مارك زوكربيرغ فكرة جامعية بسيطة إلى فيسبوك، أكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم، بعدما غادر جامعة هارفارد عام 2004 ليتفرغ للمشروع، متجاوزًا التحديات القانونية والانتقادات ليبني واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا تأثيرًا وثروة في العصر الحديث.
هل كان يعلم ذلك المراهق الذي يجلس خلف شاشته الصغيرة أنه على وشك تغيير وجه التواصل البشري إلى الأبد؟ عندما أطلق مارك زوكربيرغ موقعه المتواضع من داخل غرفته في سكن جامعة هارفارد، لم يكن الأمر مجرد تجربة رقمية عابرة، بل كان النواة الأولى لأكبر إمبراطورية تواصل اجتماعي عرفها التاريخ الحديث.
بين الشغف المبكر بالبرمجة والريادة التي تخطت حدود الخيال، تحولت فكرة فيسبوك من منصة تواصل محلية للطلاب إلى شبكة عالمية تربط مليارات البشر، وتجعل من صاحبها أحد أصغر المليارديرات وأكثر الشخصيات تأثيرًا على وجه الأرض. في هذا المقال، نأخذكم في جولة سريعة ومثيرة لاستكشاف قصة نجاح مارك زوكربيرغ، ونمر على أهم محطاته الشخصية، وأسرار ثروته، والنزاعات والقرارات الأغرب التي شكلت رحلته الملهمة.
المولد والنشأة
وُلِد مخترع الفيس بوك مارك زوكربيرغ في مدينة وايت بلينس في ولاية نيويورك الأميركية، يوم 14 مايو عام 1984، لذا فإن إجابة سؤال: كم عمر مارك زوكربيرج؟ هي 42 عامًا.
وقد ولد زوكربيرغ لأسرة ذات مناخ تعليمي جيد، إذ كان والده يعمل طبيب أسنان، في حين كانت أمه تمارس الطب النفسي. وكان الفتى الصغير مهتمًا بالتقنية والتكنولوجيا وعلوم الحاسب، خصوصًا بما يتعلق بالبرامج والألعاب الإلكترونية، وهو ما جعل والده يستعين بأحد برامجه التي طوّرها وهو في سن الـ12 من عمره، إذ كان البرنامج يسهل عملية التواصل مع المرضى داخل العيادة ومع أفراد المنزل الواحد.
بعد ملاحظة موهبة مارك زوكربيرغ من قبل والده، قرر أن يمنحه الفرصة للتطور عن طريق جلب أستاذ متخصص في علوم الحاسب، كان يأتي لمرة واحدة في الأسبوع من أجل تطوير الفتى وإكسابه عدة مهارات، إلا أن الفتى كان دائمًا سبّاقًا بالمعرفة والمهارة التي أدهشت المعلم كثيرًا.
تعلّم مارك زوكربيرغ في أكاديمية «فيليبس إكستر» حتى عام 2002، وفي تلك المدة كان يعمل على تطوير عددٍ من البرامج التي كانت تحظى باهتمام الشركات المختلفة، إلا أنه كان يرفض بيع البرامج نظرًا لعدم حاجته للمال. ثم التحق بعد ذلك بجامعة هارفرد، وطوّر عددًا من البرامج التي استخدمها الطلاب في التصويت واختيار الصفوف.

موقع فيسبوك
بدأت قصة موقع فيسبوك الشهير في جامعة هارفرد، إذ طلب ثلاثة من زملاء مارك زوكربيرغ في الجامعة عمل شبكة للتواصل الاجتماعي بين طلاب الجامعة من أجل تسهيل فكرة التعارف بين الطلاب النخبة. ومن هنا جاءت فكرة موقع فيسبوك، إذ صمّم مارك زوكربيرغ موقعًا للتواصل الاجتماعي يحصل من خلاله كل مشترك على صفحة خاصة به يحمّل معلوماته وصوره الشخصية، وأطلق اسم فيسبوك على الموقع الذي بدأ داخل نطاق سكن جامعة هارفرد الطلابي.
بدأ الموقع يحقق نجاحًا كبيرًا، وانتقل من الجامعات إلى جامعات أخرى، وهو النجاح الذي دفع مارك زوكربيرغ إلى مغادرة الجامعة عام 2004 مع مجموعة من أصدقائه، إذ استأجروا منزلًا صغيرًا وعملوا من خلاله كشركة بادئة لاستغلال نجاح فيسبوك، وانتقل منه إلى مكتب آخر في شارع الجامعة بسبب النجاح المتزايد للموقع، حتى تلقى مشاركة استثمارية كبيرة في عام 2005 وصلت إلى 12 مليون دولار من إحدى الشركات، التي ساعدت المشروع على التوسّع من نطاق طلاب الجامعة إلى المدارس الثانوية، حتى وصل عدد المشتركين في العام التالي إلى أكثر من 55 مليون مشترك.
في عام 2006، بدأ موقع فيسبوك يقدم خدمات جديدة زادت من شعبية الموقع ونجاحه أكثر فأكثر، ومنها خدمة الأخبار التي تسمح بالتعرف على أخبار الأصدقاء داخل الموقع. ثم تطور الأمر، إذ انتقل الموقع إلى كونه منصة تحت اسم «فيسبوك بلاتفورم»، وسمح مارك زوكربيرغ للمطورين والمبرمجين باستخدام فيسبوك لإنشاء التطبيقات الاجتماعية، وهو ما زاد من قيمة الموقع وانتشاره في مدة قصيرة. ثم انتقل إلى خطوة أخرى، وهي السماح بالبيع والشراء والإعلان عن المنتجات على تطبيق فيسبوك في عام 2007.
وفي عام 2010، باع مارك زوكربيرغ جزءًا من حصة فيسبوك لشركة ميكروسوفت، وقد دفعت الشركة العملاقة ما يقرب من 240 مليون دولار أمريكي مقابل الحصول على 1.6% فقط من أسهم موقع فيسبوك، وهو ما يشير إلى القيمة السوقية الكبيرة للموقع، التي قد تتجاوز 15 مليار دولار وقت إتمام الصفقة.
النزاع حول فيسبوك
مع هذا النجاح الكبير والأرباح الضخمة والانتشار الهائل لموقع فيسبوك يومًا بعد يوم، واجه مارك زوكربيرغ دعوى قضائية في عام 2006 من زملائه في جامعة هارفرد، الذين قالوا إنهم أصحاب فكرة إنشاء منصة للتواصل الاجتماعي. وتضمنت الدعوى اتهامات بسرقة الفكرة، إذ كان الأصدقاء الثلاثة قد كلّفوا مارك زوكربيرغ بتصميم الموقع وتحويل الفكرة إلى واقع، إلا أنه استولى على الفكرة ونفذها لمصلحته الخاصة، وهو الأمر الذي أنكره مارك زوكربيرغ، إلا أنه اضطر لدفع تعويض وصل إلى 65 مليون دولار. ورغم ذلك، فإن القضية ما زالت مستمرة رغم التوافق الذي حدث بين الأطراف ودفع مبلغ التعويض.
والجدير بالذكر أنه تم إنتاج فيلم سينمائي عن موقع فيسبوك ومؤسسه مارك زوكربيرغ، وتضمن الفيلم عددًا من الوقائع الخاصة بالنزاع على فكرة تأسيس الموقع والمبالغ المالية التي تم دفعها للتسوية. وقام الفيلم، الذي حقق نجاحًا كبيرًا، على كتاب نشره الكاتب الأميركي «بن ميزريتش» عام 2009 تحت عنوان «بليونير بالصدفة»، الذي تناول من خلاله نشأة موقع فيسبوك.
وحمل الكتاب انتقادًا هائلًا لمارك زوكربيرغ، واتهمه بسرقة فكرة الموقع الأشهر، وهو ما ساعد في نجاح الفيلم وترشيحه لثماني جوائز أوسكار. ورغم أن الكتاب كان يمثل معضلة كبيرة لمارك زوكربيرغ، فإنه أسهم بشكل من الأشكال في زيادة شهرته وشعبيته، وبالتالي زيادة قيمة موقع فيسبوك المادية والمعنوية.
ورغم النجاح الهائل الذي يحققه موقع فيس بوك يومًا بعد يوم، فإن مارك زوكربيرغ سرّح في عام 2022 نحو 11 ألف عامل، بسبب هبوط في أسهم الشركة التي تمتلك أكبر مقر عمل في العالم، والذي يضم نحو 3000 مهندس يعملون على خدمة الموقع.
حياة مارك زوكربيرغ الشخصية
رغم هذه الشهرة الكبيرة التي حصل عليها مؤسس موقع فيسبوك، فإنه على الصعيد الشخصي لا يحب الأضواء كثيرًا، ويبدو شخصًا خجولًا وغير مهتم بالظهور في الأحداث العامة واعتلاء المسارح، كما يفعل عدد من المشاهير والمليارديرات، خصوصًا الذين يعملون في مجالات التقنية مثل إيلون ماسك، الملياردير الأشهر.
كما أن مارك زوكربيرغ له عدد من براءات الاختراع التي وصلت إلى نحو 50 براءة، وهو ما يوضح أنه شخصية ذات قدرات إبداعية كبيرة خارج فيس بوك. أما عن ثروة مارك زوكربيرج فقد بلغت في عام 2020 ما يقرب من 100 مليار دولار، وهو ما جعله في المرتبة الثالثة على قائمة أغنى رجال في العالم، خلف رائدي الأعمال جيف بيزوس وبيل غيتس، مؤسس شركة ميكروسوفت في ذلك الوقت.
وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فإن مارك زوكربيرغ قد تزوج عام 2011 من صديقته بريسلا تشان، التي كان يواعدها منذ نحو 9 سنوات، إذ كانت زميلته في جامعة هارفرد. وكان ذلك مفاجأة كبيرة لأصدقائه ومعارفه، إذ لم يُعلَن هو عن موعد زواجه، واقتصر الأمر على حفل صغير في منزله بولاية كاليفورنيا، ولم يَدْعُ أكثر من 100 شخص من المقربين، الذين حضر معظمهم وهم لا يعلمون أنهم مدعوون لحفل زفاف، وإنما كانت الدعوة للاحتفال بتخرج صديقتهم بريسلا تشان، وحصولها على شهادة من كلية الطب، وكانت المفاجأة هي الزواج.
يُذكر أيضًا أن مارك زوكربيرغ يتمتع بثقافة عالية، ويُجيد عددًا من اللغات قراءة وكتابة؛ فبالإضافة إلى الإنجليزية، يتحدث الملياردير الشاب بالفرنسية والعبرية واليونانية واللاتينية. كما أعلن من قبل أنه قرر منذ عام 2011 أن يكون نباتيًّا، متوقفًا بذلك القرار عن أكل اللحوم، وهو الأمر الذي كان مثار حديث طويل على وسائل التواصل الاجتماعي.
القرار الأغرب في حياته
من أكثر الأمور غرابة في حياة مارك زوكربيرغ، إلى جانب النجاح الكبير الذي حققه موقع فيسبوك، والثروة الهائلة التي جمعها في سنوات قليلة، هو القرار الذي أعلنه بجانب زوجته بريسلا تشان في ديسمبر عام 2015، ويتضمن التنازل عن 99% من ثروته، التي كانت في ذلك الوقت تبلغ نحو 45 مليار دولار، وذلك بعد ولادة طفلتهما التي أطلقا عليها اسم «ماكس».
وبقدر غرابة هذا القرار، فقد لاقى ترحيبًا كبيرًا من المجتمع الأميركي، وصدى عالميًا واسعًا، إضافة إلى أنه دفع ملايين الأشخاص لإعادة التفكير في مفاهيم مثل النجاح والثروة والقيمة والسعادة، وغيرها من القيم التي أثارها قرار مارك زوكربيرغ المفاجئ.

الجوائز والتكريمات في حياة مارك زوكربيرغ
مع هذا النجاح الكبير، والصعود السريع للشاب الذي أصبح ضمن قائمة أغنى رجل في العالم، حَظِي مارك زوكربيرغ بالعديد من الجوائز والتكريمات، ومنها على سبيل المثال:
- اختير شخصية العام في استفتاء مجلة «تايم» بسبب تأثير موقع فيس بوك في حياة الناس على مستوى العالم، بعد أن وصل عدد المشتركين في موقعه إلى أكثر من نصف مليار شخص.
- اختير أكثر من مرة ضمن قائمة أفضل 100 شخصية تأثيرًا على العالم منذ عام 2008، وفي عام 2010 نال المركز العاشر في قائمة «فوربس» التي تضم الرجال الأكثر ثراءً وتأثيرًا ونفوذًا في العالم.
- حصل على جائزة «أكسل سبرينجر» من ألمانيا لجهوده في عالم التكنولوجيا.
- حصل على جائزة «هوراشيو ألجر» عام 2017.
- حصل على الدكتوراة الفخرية من جامعة هارفرد عام 2017.
- حصل على جائزة «الأخ الكبير» عام 2011.
- نال عضوية قاعة مشاهير كاليفورنيا عام 2010.
أقوال واقتباسات مارك زوكربيرغ
- «بناء الرؤية وبناء الشركة يسيران جنبًا إلى جنب. صحيح أن الشيء الأساسي الذي يجعلني متحمسًا هو الرؤية، ولكن يجب أن يكون لدينا الفهم السليم للرؤية، والعمل على الرؤية، وتأسيس الشركة على حد سواء».
- «أنا لا أريد أن يكون فيسبوك شركة أميركية، لا أريد أن تنشر هذه الشركة القيم الأميركية فقط في أنحاء العالم. وجهة نظري أن لديكم حساسية ثقافية تجاه فيسبوك، وأنا أتفهم الطريقة التي يفكر بها الناس».
- «الخطر الأكبر ألا نأخذ بالاعتبار أي مخاطر محتملة. في عالم يتغير بسرعة كبيرة، الاستراتيجية الوحيدة التي تضمن لك الفشل هي عدم الأخذ بالاعتبار أي مخاطر».
- «أنا أتذكر ليلة من الليالي بعد فترة قصيرة من تأسيس فيسبوك، ذهبت أنا وأصدقائي في الكلية لتناول البيتزا، وأخبرتهم أنني متحمس لربط المجتمع في الكلية، ولكن يومًا ما، شخص ما بحاجة إلى ربط العالم كله».
- «تحرك بسرعة وحطّم الأشياء. إن لم تحطم الأشياء، فهذا يعني أنك لا تتحرك بسرعة كافية».
- «ليس السؤال ماذا نريد أن نعرف عن الناس، بل السؤال ماذا يريد الناس أن يقولوا عن أنفسهم».
في النهاية، تظل قصة نجاح مارك زوكربيرغ وتأسيسه موقع فيسبوك نموذجًا حيًا وباهرًا على أن الأفكار العظيمة لا تحتاج إلى إمكانيات ضخمة لتبدأ، بل تحتاج إلى رؤية واضحة وشجاعة للتحرك السريع والمخاطرة. فرغم التحديات القضائية، والانتقادات، والمنعطفات الصعبة التي مرت بها شركته، استطاع هذا الشاب الخجول أن يبني إمبراطورية رقمية غيرت سلوك المجتمعات وطريقة تفاعلها اليومي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.