عليكِ بإحضار شيء من ملابس نايا ليتم السحر، وكلما كان اللباس كبيرًا كان أفضل.. يمكن التحكم بالسحر أكثر.
هذا كان اتفاقًا بين دجال يُدعى ضرغام وبين خالتي التي أعماها حسدها لأختها.. باعت روحها للشيطان... ورسخت طلاسم على فستاني.. أنا نايا.
نعمان: ألا تعفيني من الذهاب معك إلى الشيخ ضرغام؟ والله لم أحبها يومًا، ولن أحبها، ولا أريد الزواج بها. هي لا تناسبني أصلًا.
سعدية: الشيخ أشار لي أن تحضر بنفسك؛ لأن الربط لا يمكن أن يحدث إلا بوجودك.
نعمان: أجل، أنا لا أهتم بأمرهم جميعًا.
سعدية: أنا أهتم، وأنت أيضًا ستهتم رغمًا عن أنفك. أتود أن نترك ثروة زوج خالتك تؤول لصهر غريب؟ أأنت أحمق؟ هذا حقي أنا... أختي تزوجت مهندسًا غنيًا لديه سيارة ومزارع وأموال وأطيان... لم يتسنَّ لي يومًا أن أحلم بالحياة التي عاشتها أختي: سفر، وأطعمة، ومشروبات، والكثير من الرحلات، وملابس بأغلى الأسعار، وابنتها... حكاية لوحدها...
صمتت سعدية، وأكملت بصوت خافت وهي تعود بالذاكرة لسنين مضت:
سعدية: لقد عشنا الجوع والفاقة، وتجرعنا الفقر بصمت، وعملت خادمة للناس أصنع لهم طعامهم وشرابهم، ولم يكن في بيتي لقمة خبز واحدة...
نعمان: ما ذنبهم؟ والدنا وقدرنا سبب فقرنا... إنه امتحان من ربنا. كان لدينا والد سيئ بكل المقاييس، تركك تعانين، وتركنا نتجرع الفاقة ونمد يد العوز للناس.
سعدية: نايا فرصتنا لتغيير حياتنا للأفضل، إنها صندوق كنز يسير على قدمين...
قاطعها نعمان: خالتي كانت تأتي إلينا لتحفظنا دروسنا، وكانت تشتري منك كل شيء، مع أنها قادرة على أن تشتريه من غيرك بأرخص من ذلك، وكانت تدفع لك مالًا كثيرًا. كنت أراها تعطيك الكثير من وراء زوجها، وتدفع لك كغريبة أو أي جارة أحيانًا. كانت تحضر أطعمة لنا بحجة أن ابنتها تحب أن تأكل معنا، وتحضر ألعابًا لم نكن لنحظى بها بسبب قلة حيلتنا.
سعدية: صه يا أحمق... أموت وأذل ابنتها.
نعمان: حرام يا ماما، البنت لا ذنب لها، أرجوكِ... إنني أحب امرأة أخرى... أريد الزواج بها.
سعدية: من؟ أم سلمى؟ إنها سيئة السمعة، كبيرة السن... بنت مراقص، لا تصلح أن تكون زوجة... هي لا تريدك أصلًا. أما نايا فغير.
نعمان: نايا فتاة لا تصلح لي، لا تعرف الغنج والدلع، لا تلبس الزاهي من الثياب... كعشيقة، لا ترقص، لا تعرف شيئًا مما تعرفه الزوجات... لا أريدها... أرجوكِ.
سعدية: تزوجها فحسب، ثم افعل ما شئت، لا يهم. ما يهمني أن أعمل سحرًا لها لا يحول ولا يزول، تلك المغرورة... أريد أن أمرغ أنفها بالتراب... تلك الحقيرة صاحبة الشهادات.
نعمان: حسنًا، افعلي ما شئتِ، المهم أن أبقى مع حبيبتي أم سلمى في الأيام المقبلة.
في الطريق إلى الشيخ ضرغام: الدجال
نعمان: ما زلت غير مقتنع بذهابنا إلى الشيخ ضرغام.
سعدية: فاشل! صايع! وغير مقتنع! ستدعو لي فيما بعد... سترثها رغمًا عنها. على الأقل نايا تصوم وتصلي... سيصبح لديك أولاد ذوو دين... ستصلح من شأنك، وتخرجك مما أنت فيه... ستصبح متدينًا، تعرف الله، ستبعدك عن أولاد الحرام، وعن الشيطانة الوسخة أم سلمى... أهم شيء الورث، وبعدها يحلها الحلال... ها قد وصلنا.
بضعة درجات إلى الأسفل... صرخت سعدية... خرج ضرغام.
سعدية: جرذ... كاد يعضني!
ضحك نعمان.
ضرغام بضحكة مكبوتة: ست سعدية؟ نورتينا... تفضلوا، تفضلوا.
ضرغام (يحدث نفسه): الحمد لله... ارتزقنا اليوم.
يدخل الجميع إلى الغرفة الصغيرة.
روائح بشعة تملأ الغرفة... أشياء مشوية ومحترقة في أرضية المكان.
ضرغام: حسنًا يا ست سعدية، احكي لي مشكلتك، لعلنا نجد لها حلًا.
جلست سعدية، وبدأت بالكلام... الجميع ينصت.
ضرغام: بسيطة... ادفعي مئتي ألف مبدئيًا، سنشتري عدة الربط، ولا تهتمي... الأمور لصالحك. لم أطلب مبلغًا كبيرًا، فبالعادة أنا أطلب مبالغ أكبر.
سعدية: لك ما تريد، تفضل.
تدفع وتخرج.
ضرغام: موعدنا بعد يومين أو ثلاثة.
يودع ضرغام ضيفيه.
مرت الساعات ببطء، وسعدية تعدها بفارغ الصبر، وأخيرًا حان الوقت المناسب، ارتدت سعدية ملابسها ومضت إلى القبو، حيث يقبع ضرغام مع جرذانه والحشرات.

سعدية: هل الأمور بخير؟
ضرغام: حسنًا، أحضرت الديك الأخضر، ونسيج العنكبوت، والخفاش، بقي أهم شيء... حان دورك الآن.
وماذا علي أن أفعل؟ قالت خالتي وهي تكتم أنفاسها بمنديل في يدها، كادت أن تختنق سعدية من الروائح النتنة حولها.
ضرغام: عليكِ بإحضار شيء من ملابس نايا ليتم السحر، وكلما كان اللباس كبيرًا كلما كان أفضل.
هزت سعدية رأسها.
سرقة «الثوب»: خديعة الأخت تحت قناع الحاجة
لم تمض ساعات إلا وكانت سعدية عند أختها.
سعدية: بصراحة... تتلعثم... أحتاج بعض الملابس المستوردة لوضعها في دكاني، عليَّ أن أبيع منها شيئًا، فوضعنا المادي سيئ، ومردود الدكان قليل لا يكاد يكفينا خبزنا... تحتسي قهوتها ويدها ترتجف.
رحاب لم تشك بنوايا أختها، صارت تبرر لها كل شيء في عقلها.
رحاب: راضي جاء للتو من عمله وهو نائم، لا أستطيع فتح موضوع كهذا معه... أنتِ تعرفين... ماذا سأقول له؟ أأشتغل بالتهريب لأن أختي معوزة؟ حسنًا، دعيني أفكر بأمر ما لأساعدك. أنتِ كنتِ لي يومًا ما أمًّا وليس أختًا كبرى، وفضلك لا أنساه طيلة حياتي، حبيبتي يا أختي.
رحاب تضم أختها إلى صدرها، وأختها تختلج وتطلب كوبًا من الماء. تدخل رحاب المطبخ لتحضر ماءً وكعكًا وبعض الفواكه احتفاءً بأختها.
سعدية تختلس النظر، وتندفع إلى خزانة ملابس نايا، تضع أحد أثوابها في كيس أخرجته توًّا من جيبها، وبسرعة تعود إلى كرسيها، تتنفس الصعداء. تدخل رحاب بابتسامة عريضة إلى غرفة الجلوس، وبيدها ماء وكثير من الطعام في صينية.
رحاب: الغداء قد نضج، وحسبت حسابكم بشيء منه، عسى أن يعجبكم.
أما سعدية فكانت تتأمل اللوحات النفيسة على جدران الغرفة، والتلفاز الكبير، والمروحة السقفية التي أحضرها صهرها من روسيا، والمكتبة التي تزخر بالكتب النادرة، ومجموعة البازل هدية من عم نايا في ألمانيا.
في اليوم التالي، نهضت سعدية واستعدت للقاء الشيخ، كانت تهرول وفستان نايا بحوزتها، وكانت تتعثر ببعض الحصى دون أن تكترث. مضى أسبوع وسعدية تنتظر أن يزف لها الشيخ الخبر السعيد.
استعدت للخروج، وما إن دنت من باب بيتها حتى رن الهاتف.
سعدية: ألو؟
رحاب: مرحبًا يا أختي، كيف صحتك؟ أين الجميع؟
سعدية: الحمد لله، كلنا بخير، والحمد لله، وأنتم؟ كيف كانت الحلوة نايا؟
رحاب: حبيبة قلبي يا سعدية، أما آن لكِ أن تنسي موضوع نايا؟ أصلًا أنا اتصلت لأعزمكم على خطوبتها... ألو؟ ألو؟
سعدية تنهار.
بعد أربعة أيام في القبو
ضرغام: يا سعدية، أعطني باقي أجري، فقد عملت ما يجب علي فعله، العمل جاهز.
سعدية: أجر ماذا؟ البنت انخطبت، وابني ضاع، وثأري أنا... ثأري!
نواح سعدية يُسمع في الأرجاء.
ضرغام: انظري كيف تأذيت من السحر، يدي وعيني، ألا يكفيكِ ذلك؟ للبنت حارس يمنع عنها الأذى والحسد والعين... ألا ترين؟ لقد انقلب السحر على الساحر... أنا تبت لله، لن أعيدها مرة أخرى. الحمد لله جاءت سليمة، وأخاف أن تميتني محاولة أخرى أو تتسبب لي بعاهة دائمة. حارسها أقوى من أسحاري وشياطيني، لن يسمح لنا بإيذائها.
خرجت سعدية تجرجر أذيال الخيبة.
ضرغام (يحدث نفسه): حسنًا، لا تدفعي... والله لأخبرهم بفعلتك.
ثم انصرف.
لم تحضر سعدية وبناتها وولدها خطوبة نايا، ادعت المرض لعلهم يؤجلون الحفلة ويحضرون إليها، فتفشل الخطوبة وتحقق الخالة غايتها.
لم تكن تدرك أن أخبار العمل قد وصلتهم قبل الحفلة بساعات، لم تكن تدرك كم بكت أختها رحاب، وكم كانت خيبة نايا كبيرة يوم بحثت عن فستانها الضائع، وعرفت أنه تحول إلى حقل تجارب من طلاسم وأسحار... ومن قبل من؟ من قبل خالتها سعدية، ودجال اسمه ضرغام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.