قصة "ميسرة".. قصص قصيرة

دقَّت الساعة الثانية ظهرًا، وانتهى يوم من العمل الشاق في المصلحة الحكومية التي تعمل بها الآنسة ميسرة، تلك الفتاة الجميلة البالغة من العمر (25) عامًا، فهي شعلة من النشاط في عملها كما يقول عنها زملاؤها، كما أنها الوحيدة في الموظفين الملتزمة بالحضور إلى العمل يوميًا في الساعة السابعة صباحًا قبل مواعيد العمل الرسمية؛ لإنهاء وتخليص العشرات من الملفات للعملاء المترددين على المصلحة.

كمٌ من شهادات التقدير التي حصلت عليها خلال الخمس سنوات من المدير ورئيسها المباشر، وكذلك إدارة التفتيش؛ لدقة عملها وأمانتها منذ أن استلمت العمل بهذه المصلحة من خلال مسابقة تقدمت إليها كفتاة شابة تبحث عن عمل مع عشرات من الفتيات، لتفوز بهذه الوظيفة الشاقة مقابل راتب شهري بسيط.

ومع ذلك تشعر ميسرة دائمًا بالرضا وراحة البال، فمقياس النجاح هو أهم مؤشر بالنسبة لها عن المادة، لذا تجدها تتحدث مع أسرتها المكونة من والدها ووالدتها وشقيقتها الصغرى سارة الطالبة بالفرقة الأولى بكلية التجارة الحاصلة على شهادات التقدير في العمل، التي تزين بها حجرتها الصغيرة في المنزل.

انتهي يوم من العمل الشاق كالعادة لتستعد ميسرة لتجهيز حقيبتها للخروج من المصلحة عودة إلى المنزل، فأسرتها الصغيرة تنتظرها على الغذاء، فلا يمكن أن يتذوقوا الطعام دونها.

خرجت ميسرة من العمل لتمشي بالشارع لتتفاجأ بأن الطريق المؤدي إلى المنزل مسدود وبه بركة من المياه، حيث يقوم العمال بأعمال حفر في الأرض لإصلاح مواسير المياه... ماذا تفعل؟

لقد طلب منها العمال المرور من شارع جانبي، وفعلًا رجعت ميسرة الطريق لتمر من الشارع الجانبي ولكنه طويل، ظلت تمشي فيه لم تجد نهاية لهذا الشارع وهي تنظر إلى الساعة التي دقت الثالثة ظهرًا وهي تردد وتقول: "ستقلق والدتي.. كم تأخرت عليها ساعة منذ خروجي من العمل.. لم أجد شخصًا أسأله عن طريق مختصر.. الشارع طويل جدًا ليس له نهاية".

وأخيرًا وجدت سيدة عجوز ترتدي ملابس سوداء وتتكئ على عصا فسألتها ميسرة:

- "ألا يوجد طريق للخروج من هذا الشارع؟"

السيدة العجوز:

- "نعم.. يوجد"

ميسرة:

- "أين هذا الطريق؟ أريد أن أخرج من هذا الشارع"

أشارت السيدة العجوز على شجرة بجوار منزل بالشارع، قائلة:

- "يوجد تحتها نفق صغير تحت الأرض.. ادخلي منه لتخرجي من هذا الشارع".

توجهت ميسرة بالشكر للسيدة العجوز ثم اتجهت للشجرة وظلت تبحث عن النفق فوجدت بلاعة، خلعت الغطاء لتجد تحته سلالم توصل للنفق، فنزلت ميسرة النفق، وظلت تمشي به حتى خرجت منه، لتجد نفسها في مدينة جديدة مملوءة بالعمارات والمباني الشاهقة، مدينة مختلفة لم تعرفها، خالية من الناس، شوارع نظيفة وحدائق جميلة، لا يوجد بها أحد.

ظلت ميسرة تتجول بشوارع هذه المدينة حتى حل الليل والظلام وهي تبحث عن وسيلة مواصلات، أو أي شخص تسأله عن طريق العودة لمدينتها ومنزلها، ولكن لم تجد!

وفجأة وجدت رجلًا يرتدي بدلة ونظارة سوداء، فاقتربت منه لتسأله، لكنه لم يجبها. شعرت ميسرة بالخوف وقالت:

- "سأظل أمشي إلى أن أصل لأحد يدلني علي الطريق الصحيح".

وكانت تدخل شارع ثم تخرج منه إلى شارع آخر، ولكن لاحظت أن الرجل الذي سألته كان يمشي وراءها في كل مكان تدخل إليه.

قررت أن تسرع في خطواتها ولكنه ظل وراءها، ولكنها نجحت في الهروب منه والاختباء خلف الأشجار، وحاولت فتح الحقيبة للاتصال بوالدتها وطلب النجدة، وبحثت عن الهاتف لكن لم تجده!

لقد نسيت الهاتف على المكتب في العمل، ظلت تردد: "يا رب.. ماذا فعلت.. أريد أن أذهب لمنزلي.. لم أستطيع الوصول".

وفكرت أن تكمل المشي لعل يكون هناك أمل في الخروج من هذه المدينة، ولكن وجدت الرجل الذي كان يطاردها أمامها وقال لها: - "ميسرة سأقتلك".

ثم أخرج السكينة من جيبه، وصرخت ميسرة "أغيثوني... أغيثوني..."، ولكن لا يوجد أحد يسمعها، وظلت تجري في الشوارع وهو يلاحقها، كانت دقات قلبها تخفق بسرعة وتتصبب عرقًا وهي تردد: "سأموت... سأموت".

ظلت تجري في الشوارع وهي تصرخ، ولكن دون فائدة، توقفت سيارة مرسيدس تقودها سيدة رأت ميسرة وهي خائفة، فطلبت الركوب معها لأن هناك رجل يحاول قتلها وهي لا تعرفه.

حاولت هذه السيدة تهدئة ميسرة من حالة الخوف وأخذتها إلى فيلاتها الفاخرة للعشاء معهاوهناك على مائدة العشاء عرَّفتها على ابنها الصغير البالغ من العمر عشر سنوات، أما عن زوجها فقالت لها: "سوف يأتي بعد ربع ساعة فلننتظره حتى نأكل جميعًا".

ومرت الربع ساعة ثم دخل زوجها، ونظر لهم جميعًا، وتوقفت نظراته عند ميسرة.
قالت ميسرة: - "مازن بيه!"
مازن بيه: - "ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"
ميسرة: "يوجد رجل يحاول قتلي وزوجتك أنقذتني".
مازن بيه: "أنا الذي أمرته بقتلك لكنه فشل، وأنا الذي سأقتلك الآن".
ميسرة: "لكني لم أفعل لك شيئًا".
مازن بية: "نسيتِي الملف الخاص بي، وطلبت منكِ أن تعطيني هذا الملف قبل أن تتصاعد الأمور ورفضتي، فأنا مطالب بسداد (20) مليون للدولة ومهدد بالإفلاس".
ميسرة: - "لقد فعلت ما يرضي ضميري".
مازن بيه: "هل سينفعكِ الضمير؟ ستموتين الآن.. ولكن على طريقتي الخاصة".

ثم أحضر حقنة بها مخدر زيادة، وطلب من زوجته أن تكتفها بالحبال علي الكرسي.
ميسرة: - "وهي تصرخ.. أتركوني.. أتركوني.. لن أموت.. لن أموت".

مدَّت سارة -شقيقة ميسرة الصغرى يدها على وجه ميسرة لإيقاظها من النوم وهي تقول: "ميسرة.. ميسرة.. لقد دق المنبه.. استيقظي موعد العمل".
نهضت ميسرة من النوم وطلبت كوب ماء هي تقول: - "حلم.. لا.. لا.. كابوس!"
سارة: - "لا تنسي أن تأخذي ملف مازن بيه الذي وضعتيه تحت المخدة أمس".
أخذت ميسرة الملف وهي تتصفح كل ورقة به؛ لأن المدير أكد لها أنه أهم ملف، ولا بد أن تحافظ عليه حتى لا يسرق قبل انعقاد اللجنة صباح اليوم، للمطالبة بسداد المبلغ كاملًا للحكومة.

وضعت الملف في الحقيبة وارتدت ملابسها ذاهبة للعمل كالمعتاد لتسليم الملف للمدير شخصيًّا في اجتماع اللجنة للبت في ملف مازن بيه.

تمت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

قصة جميلة.. في إنتظار الجديد
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة