قصة "موقف انتظار الحافلة".. قصص قصيرة

أدعى جايك، أنا في بداية الثامنة عشرة من عمري، صغير أليس كذلك؟ من هم في سني أراهم يذهبون للجامعة أو يلتحقون بفريق كرة القدم أو ما شابه ذلك.

كنت أخطط لإيجاد عملٍ لأساعد أبي بجانب دراستي، أيضاً كنت أحاول الانضمام إلى فريق كرة السلة في الجامعة، مهاراتي عالية بها، أحب تلك الكرة ذات اللون البرتقالي مع تلك الخطوط السوداء.

كنت ألعبها مع أصدقائي كثيراً، خاصة في سنتي الأخيرة في ثانوية ميلان، كنا نشكل أقوى فريق في المقاطعة. 

لقد فزنا ثلاث مرات بنهائي كأس دوري القطاعات الخاص بالفرق المدرسية أي في مراحل الثانوية خاصتنا جميعها.

وجدت العمل منذ شهر تقريباً، كان يناسبني، خمس ساعات بعد انتهاء دوامي في الجامعة، ويوم واحد عطلة.

إنه مطعم راق، توسط لي للعمل به أحد أصدقائي، فالمطعم لذوي الطبقة المخملية، وكون والده مالك المطعم سهل ذلك عليّ الكثير. 

أذكر سعادة والديّ حينما أخبرتهما كم أتقاضى، فراتبي زاد عن راتب أبي بـ 500 دولارٍ، مما يعني أننا لن نضطر للمبيت جوعاً مجدداً لتوفير مال دراستي، أو تأخير موعد أمي مع الطبيب مجدداً، هي حامل الآن، لكنها تتألم كثيراً، ولم نملك نقوداً لفحصها.

أيضاً أختي الصغيرة إيفال قالت لي حينها إنها تريد دمية باربي فأصدقاؤها يملكون منها، ويغيظونها بذلك. 

اليوم تقاضيت راتبي، واشتريت دمية باربي، وبدلة جديدة لأبي وفستاناً باللون المفضل لأمي، كنت أنتظر الحافلة المتجهة للحي الذي يقبع به بيتي، حتى أتاني اتصال من والدي قبل ست ساعات، كنت سعيداً بشكل لا يوصف، صحت بصوتي السعيد أبشره بكوني حصلت على راتبي. 

انتظرت بعدها لحظات أن يجيبني، لكن لا صوت، فأبعدت الهاتف لأرى إن كان لا زال متصلاً أم لا، وعندما تأكدت أرجعت الهاتف على أذني.

أحادثه لكن لا يجيبني حتى سمعت صوت شهقة هربت منه، لأجد الخوف يتسلل إلى صدري وأشعر بانقباض قلبي.

رجوته ألا يبقى صامتاً فالخوف يبتلعني هنا، حتى سمعت تنهيدة طويلة خرجت من ثغره، شعرت بثقل الجبال بها.

فقال لي والدي ما أسقط قلبي، وجعل الصمت يداهمني ليجعلني كالصنم بلا حراك.

يقول إن أمي في غرفة العمليات بعد نزيف حاد تعرضت له، ولا يعلم إذا كانت ستنجو أم لا؟

- "لا تقلق يا أبي، كل شيء سيكون بخير، أمي قوية، ادع لها فقط أن تخرج سالمة، سآتي إليكم"

هذا ما خرج مني منذ دقائق مضت.

لم أستطع سماع كلمة أخرى من والدي، فأغلقت الهاتف فور إخباري بمكانهم، ومن فوري أجهشت بالبكاء بعدها، ولم أجد سوى قدميّ تهرع بي إلى مكان أمي.

- أنا خائف.

لا أعلم كم أخذت من الوقت لكي أصل، لكن ها أنا أجدني هنا، وأبي بحال يرثى لها، وأنا من يسند سندي القويم.

أقف مواجهاً للغرفة التي بداخلها أمي، ودموع أبي تسيل على كتفي، وإيفال تمسك بدميتها التي أحضرتها وتدفن رأسها في فخذي، وهي أيضاً تبكي، أجدني أكثرهم خوفاً وأنا من يربت على ظهريهما.

أجد من يقول إنها ستكون بخير، صغير أنا، وأنا من يواسي، وأقسم إنني على حافة الجهر بالبكاء، وخوفي الذي بداخلي يزحزح تماسكي، لكن على أحدنا التماسك.

تمر الدقائق في ثناياها السنين، والقلق يتمكن مني أكثر، طلبت من إحدى الممرضات أن تعطي أبي حقنة مهدئة، فارتجاف جسده ليس مبشراً، وضعته بروية على السرير، فقد زاره النعاس بعد أن استجابت الممرضة لي، وحقنته ليرتاح بعض الوقت.

اقتربت من إيفال، وكانت تمسك بطرف قميصي من الخلف، وتتبع خطاي أين ما ذهبت.

جلست على المقاعد المقابلة لغرفة العمليات، وحملت تلك الصغيرة لأمسح دموعها، وأقبل جبهتها برفق لأقول بصوت قطعته غصتي:

- ما بال أميرتي تبكي؟ ألم تحبي باربي؟

نفت لي برأسها وقالت بصوتها الضعيف من البكاء:

- إنها جميلة أحببتها، لكن أمي كانت تتألم قبل أن نأتي إلى هنا، وأبي يبكي، وأنت لا تبدو بخير، لهذا أنا أبكي.

 كنت أستمع لعذب صوتها الشبيه بصوت أمي، لأبتسم بوهن وأضمها إليّ أخبئ عنها دموعي، قلت وأنا أمسح على خصلاتها الناعمة:

- ماما بخير عزيزتي، هم فقط يطمئنون على أخينا الصغير، وبابا فقط حزين عليها لأنها لم تحدثه، ولم توافق أن يدخل معها، تعلمين أنه يحزن عندما تخاصمه، صحيح؟ 

أومأت مصدقة كلامي الذي حاولت أن أخفف به عنها، لأبتسم فور توقف عبراتها وظهور عبوسها.

- صغيرتي جائعة؟

أومأت له وهي تتثاءب لتهرب مني ضحكة صغيرة على لطافة كتلة القطن هذه.

- حسناً، سأذهب لإحضار بعض الطعام لك ولأبي، أريدك الآن أن تنامي بجانب ابينا ريثما آتى بالطعام، إياكِ وترك جانبه إيفال، حسناً؟ 

قلت لتعطيني تحية الجيش الذي عهدت امي فعلها وأومأت بقوة، لأضحك هذه المرة بصوت، وأقبل وجنتها لأضعها جانب والدي مقبلاً جبهته، وأبعثر شعر إيفال قبل خروجي لأرى صف اللؤلؤ خاصتها بابتسامتها، وطلبت من إحدى الممرضات أن تعتني بهم لحين قدومي، وقد أعطيتها رقمي لتخبرني أن هناك ما حدث لأمي، سأنتظر يا أمي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة