كانت مسرحية الاستفتاء على مقعد رئاسة الجمهورية للمرة الخامسة على التوالي قد بدأت مع أن الدستور الذي كتبه بيده السيد الرئيس يقول إن منصب الرئاسة لا يجوز أن يترشح له المواطن لأكثر من دورتين متتاليتين أو متقطعتين لا غير..
لكن من كتب الدستور هو نفسه من يلعب به كيفما يشاء ربما ألغاه أو غيره كله، هكذا هو الحال في دول الحكم المطلق والحاكم الفرد والديموقراطية الإلكترونية.
ومن هذا الذي يستطيع أن يتأخر أو يتباطأ في الحضور إلى مركز الاقتراع أو يجرؤ على ألا ينتخب السيد الرئيس، ومن هذا الذي يستطيع أن يتحمل مسؤولية جلوسه في البيت ولا يذهب للاقتراع والتعبير عن رأيه بشفافية البعث العظيم وقائده الملهم الأعظم..
بينما كنتُ أجلس في متجري الصغير في حين الأهلي، وإذ بقافلة من أبناء عمومتي يحملون أحد الرجال الكبار المقعدين وقد أجلسوه على فرشة إسفنج وحملوه من الجهات كلها، كانت الضحكات تتعالى من كل جانب وهم يسيرون به..
كان الرجل المقعد يلوح بيديه مسلمًا على من يمر بهم، تحرَّك بي الفضول لأعرف من ذاك الرجل المحمول، فخرجتُ مسرعًا من المتجر وإذا بأحد أعمامنا هو العم خليل..
قلتُ: ما الخبر، وإلى أين تذهبون به، قال مجموعة الشباب: والله يا ابن العم عمك أبو أيمن مع أنه مريض ومتعب وكما تراه يرقد على فراش المرض، لكنه أبى إلا أن يشارك في عرس الوطن الديموقراطي، وطلب منا أن نحمله إلى مركز الاقتراع وهو على فراشه كما ترى ليدلي بصوته ويعبّر عن مكنون نفسه بتأييد قائد الوطن وحامي حماه.
دنوت من العم أبو أيمن، وقلت: لو خففت عنك يا عم ولم تحضر فأنت معذور، فقد جاء في الأثر الشريف للحديث النبوي أن ليس على المريض حرج فأنت في حل من هذا.
قال وقد أظهر ضحكته التي تخفي خلفها كل صور التهكم: كيف لي أن تهدأ نفسي وأنا أرى جموع الناخبين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع يعبّرون عن فرحتهم بعرس الوطن الديمقراطي، وأنا أجلس في بيتي أيعقل هذا يا ابن أخي..
هل أضيّع من يديّ هذه الفرحة الوطنية الكبرى، لذلك أبيت إلا أن يحملوني ولو أنا على فراش المرض لأعبر عن رأيي، ثم ردَّد ضاحكًا (نحن مع القائد الفرد من المهد إلى اللحد)؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.