قصة "معلمي يوسف".. قصص قصيرة

كنتُ طالبًا في الصف الأول الابتدائي، وكان مدير المدرسة والدي، ومعلمي الأستاذ يوسف رحمهما الله تعالى، فقد أصبحا في ديار الحق. كنتُ مدللًا عند الأستاذ يوسف، وقد وضعني في المقعد الأول، وغالبًا ما كان يقف بجانب مقعدي وهو يشرح لنا الدرس، وكثيرًا ما كان يقول وهو يشرح فكرة ما "أليس كذلك يا محمد".

كان لطيفا جدًا مع أن جسده ضخم وكفاه كبيران، لكن فيهما نعومة عجيبة. ذات مرة سألني بعد أن شرح الدرس يريد أن يعرف هل فهم التلاميذ ما قاله؟ كنتُ في لحظتها شارد الذهن، ولم أستطع الإجابة، فمسك شحمة أذني وراح يفركها، أحسستُ بالألم وقد تحركت في نفسي تجاهه نوازع الغضب والكره وقتها، لكنني ما زلت أذكر نعومة كفه على خدي..

وبعد ردح من الزمن وحين كبرت علمت أن الأستاذ يوسف -طيب الله ثراه- لم يكن يقصد إيذائي بقدر ما كان يريد تحفيز الانتباه عندي من خلال فرك أذني ولأستعيد وعيي وحضوري، هكذا قرأت فيما بعد أن فرك شحمة الأذن تثير الانتباه لدى الخامل أو الشارد فكريًّا. وسألني مرة "هل كيلو القطن أثقل أم كيلو الحديد".. فقلت القطن؛ لأن غالبية التلاميذ أجابوا (الحديد)، وكنتُ ألحظ على ملامحه عدم الإقرار لهم، لكن الأستاذ يوسف أيضًا لم يقر لي بإجابتي فقلت فورًا: "متساويان".. فلم يعلق وبقي ذاك السؤال يشغلني بعض الوقت أيهما أكبر ثم عرفت أنهما متساويان فعلًا.

كنت وقتها متوجسًا من الإجابة؛ بسبب صيغة السؤال، الذي يوحي بأن الحديد أثقل نظرًا لكونه حديدًا، ثم يأخذك التساؤل نحو حجم القطن كونه أكبر مع أن كلاهما نفس الوزن.

كبرت وانتقلت بعدها إلى المدرسة الإعدادية والثانوية، ثم غادرنا البلدة التي كنا نقطن فيها إلى بلد آخر.

ومضت سنوات طوال لعلها ثلاثون عامًا أو أكثر. تعرَّفت بعدها بالصدفة على قريب للأستاذ يوسف في ذاك البلد الجديد، وذات يوم جميل أرجعني لطفولتي، هاتفني ذاك الصديق ليقول لي إن الأستاذ يوسف زائر عندنا، فقد قدم إلى المدينة لزيارة أصدقاء له بقصد تأدية واجب العزاء. 

قلت على الفور سأحضر، وفعلًا بعد بعض الوقت غدوت نحو بيت صديقي ذاك، وفور دخولي شاهدت الأستاذ يوسف في صدر المجلس بهيئته التي عرفتها دومًا ضخامة جثته وأناقة ملبسه وبسمته التي لا أنساها، تقدَّمت مسلمًا عليه في حين صديقي ذاك قدمني له قائلًا هذا تلميذك محمد.. أمسك بيدي وهو يقول: حمودي هذا أنت أصبحت رجلًا يا ولد كم مضى من الزمن لألقاك اليوم يا بني.. 

قلت: الحمد لله على السلامة يا أستاذي العزيز، وهذا أنت لم تتغير عليَّ أبدًا، أنا ذلك التلميذ الصغير في الصف الأول لا تزال، صورتك مطبوعة في خيالي، ولا يزال السؤال يقبع في فكري عن وزن كيلو الحديد وكيلو القطن؟ 

ضحك الأستاذ يوسف مطولًا ثم قال: وهل وجدت الإجابة؟ قلت: أجل وجدتها متأخرًا.

كاتب قصة قصيرة ومقاله منوعة ودراسات . له عدة مقالات وقصص في العديد من الدوريات العربية والمجلات .

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب قصة قصيرة ومقاله منوعة ودراسات . له عدة مقالات وقصص في العديد من الدوريات العربية والمجلات .