في تمام الساعة السادسة صباحًا كنت متجهًا من مدينة المنصورة إلى مدينة طنطا بلد العراب والسيد البدوي وميدان الساعة، حيث أوقفتني سيدة ترتدي فستانًا أسود براقًا ونظارة شمسية غالية الثمن، لتخبرني أنها من مدينة طنطا، وتريد فقط خمسة جنيهات ترجع بها إلى منزلها، وبين أحضان أبنائها الصغار، هذه المسكينة قد ضاعت نقودها، ولا تستطيع الرجوع إلى منزلها.
أفرغت جيبي بما فيه من نقود لأعطيها خمسة جنيهات بكل فخر إنني من يساعد المحتاجين في كل بقاع الأرض والخمسة جنيهات تشهد، ثم تركتها وذهبت لأركب القطار بجنيه ونص.
وقابلت حينها صديقي المستشار محمود الكوري على غرار أننا كنا من طلاب كلية الشريعة والقانون الفرقة الأولى ومنذ أن قبلنا فيها ونحن ننادي بعضنا البعض سيادة المستشار، لنتحدث كم أننا متحمسون جدًا لأداء أمتحان مادة "إجرام وعقاب"، وكان دائمًا أصدقائي يشهدون أنني سوف أكون متفوقًا في هذه الكلية الرائعة طبعًا التي لم ينجح فيها أحد أصلًا غير من تدعو له أمه ليل نهار.
بعدها قابلت ابن عمتي محمد "البحتري"، والذي كان يدرس في كلية القرآن الكريم وعلومها، يا له من ثرثار صدقوني إن الإنسان يصبح ثرثارًا حينما يأنس ويؤنس مع من يحبهم، كان دائمًا يشتكي من أنه لا يحب الكلية، وهذه كانت رغبة والده وجده.
أما هو فكان يريد أن يصبح رياضيًا معروفًا مثل محمد صلاح ليكون محمد البحتري الذي خرج من قرى الريف إلى العالمية؛ لينافس ميسي وكرستيانو على ما أعتقد على لقب "أفضل لاعب في العالم"، كان يخطط أنه لن ينجح مهما حصل ومهما كان الدافع وراء ذلك حتى ولو كانت وليمة عشاء من يدي عمتي التي كنت أضعف أمامها دائمًا.
أما أنا فكنت أرى درجات الامتياز حولي في كل مكان، وفي النهاية الحمد لله طبعًا حصلت على الامتياز لكن في مادتين فقط وباقي المواد كلها لا أعلم، كان مكتوب بجوارهما ض.ج لا أعرف ما كانت تعنيه هذه الكلمات أظن أنها تعني ضليع جدًا.
وفي نهاية الأمر رسب هو في كليته وأنا أيضًا كما عرفت، ورجعنا خائبي الظن إلى المنصورة، ونغني "أنا بلدي طنطا وأنا أحب أعيش أونطة".
لأجد سيدة ترتدي ثيابًا غالية الثمن وتطلب مني خمسة جنيهات فقط حتى تعود إلى أحضان أبنائها، لأخبرها أن تعطيني خمسة جنيهات (عشان مفيش فكة)، وجدتها تفرغ ما في جيبها من نقود سرًا حتى لا أراها، لتعطيني خمسة جنيهات والدموع في عينيها تخبرني أنها من مساكين شيراتون، ثم دسستها في جيبي لأخبرها أن المال الحلال لا يضيع أبدًا.
وفي نهاية المطاف لم يكن البحتري لاعبًا معروفًا حتى في بلدته بل تخرج للتو من كلية أصول الدين ليصبح في النهاية إمامًا وخطيبًا، أما أنا فأعمل أخصائي تحاليل طبية في إحدى العيادات الخارجية.
وبعدما تدهور الوضع المالي حاليًا ارتديت بذلتي التي اشتريتها من العتبة لأقف على كوبري طلخا طالبًا المساعدة.
"معاك خمسة جنيه لو سمحت أروح طنطا؟ يا أستاذ يا مدام خمسة جنيه أروح طنطا، وأنا بلدي طنطا وأنا أحب أعيش أونطة".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.