(يا مرحبًا بسطل اللبن)
كان يعمل مديرًا لإحدى المؤسسات، وبحكم وظيفته المرموقة تلك كَثُر أصدقاؤه ومعارفه حتى غدا لا يحب اللقاء بأكثرهم، بل إن بعضهم أصبح من طول العشرة يزوره في منزله. لقد ضاق ذرعًا بهم حتى أصبح يعتذر عن كثير من الزيارات واللقاءات بهؤلاء.
ولما كان البعض منهم فارغًا من أي عمل خاصة من أبناء الريف القريب حيث وقت الفراغ عندهم طويل؛ فغالبية أهل الريف تجدهم يتسكعون في المقاهي أو عند أصدقائهم من أصحاب المحال والورش والأعمال في المدينة، على عكس أهل المدن فوقتهم لا يكاد يكفي، وساعات اليوم تجدها تضيق بهم لإنجاز أعمالهم.
فهذا ابن الريف لديه كثير من الفراغ، فيذهب لتضييع أوقاته، في حين أن ابن المدينة لا وقت لديه يكفيه؛ فتراه يركض بالليل والنهار ليؤمِّن حاجياته الضرورية.
صاحبنا هذا المدير كان ذات يوم صيفي في يوم جمعة، وكان مستلقيًا على أريكته في بيته متمتعًا بيوم العطلة مع زوجته وأولاده بعد أن عاد من صلاة الجمعة بساعة. قُرع الباب وقبل أن يعرف من الطارق تبرم بانزعاج وقال: من هذا الذي يريد أن يفسد عليه يوم عطلته، اليوم الوحيد الذي يتفرغ فيه للعائلة ويقضي وقته مستمتعًا بتلك الساعات القليلة مروِّحًا عن النفس ضغوط العمل اليومية.
همس بأذن ابنه قائلًا: اذهب نحو الباب بهدوء، وانظر مَن الطارق ولا تفتحه، ثم تعالَ قل لي من بالباب. ذهب الصبي ثم عاد قائلًا: يا أبي هذا عمي أبو نايف يقف خلف الباب بعباءته ولباسه الريفي، فهو من الريف القريب وقد اعتاد أن يزوره بين الحين والآخر.
أبو نايف رجل لطيف المعشر خفيف الظل لا يمكث طويلًا، ولقاؤه جميل وحديثه فيه من الطرافة الكثير، كل يوم يحمل لك قصة أو طرفة. لكن السيد المدير اليوم متعب ولا يريد اللقاء بأحد البتة حتى لو كان أبا نايف الغالي على قلبه. قال لولده: اجلس ولا تفتح الباب.
قُرع الباب ثانية ثم عمَّ الهدوء فعرف أن أبا نايف قد غادر؛ فهو ليس بالرجل الملحاح كما عرفه.. لكن بقي في نفسه أن يعرف ماذا يريد من تلك الزيارة. أطلَّ من نافذة شقته التي تقع في الطابق الثالث فرأى أبا نايف وقد خرج من العمارة يمشي بهدوء وهو يحمل بيده شيئًا ما لم يتبينه تمامًا. قال لابنه: انظر ما الذي يحمله عمك أبو نايف؟ قال الصبي: يبدو لي (سطل لبن). صاح بابنه: انزل بسرعة يا بني وقل له أن يرجع لأننا لم نسمع صوت قرعك للباب!
لحق الولد بأبي نايف وطلب منه الرجوع قائلًا: إننا لم نسمع قرع الباب يا عم. صعد أبو نايف من جديد إلى العمارة ليستقبله السيد المدير ببشاشة بادية وسعادة غامرة وهو يرمق سطل اللبن؛ فهو يحب لبن الريف ولا سيما من صنع أيادي أم نايف النظيفة. وكأن حاله يقول: أهلًا بسطل اللبن. وقد نسي أبا نايف الضيف الذي أحضر له اللبن!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.