فتحت عيني للمرة الأولى، اختلطت الأصوات من حولي، شعور الوحدة أصابني على حين غرة، لا أعرف أحدًا هنا، نظرت بعيدًا، فوجدت ضجة تملأ المكان، انتفضت حين وضع أحدهم يديه على كتفي، التفت فوجده شخصاً يرتدي الأحمر من الثياب، يتوسطها مثلث أبيض، نظر إليَّ من رأسي لأخمص قدمي، تحدث بعد برهة
-من أنت؟
أجبته بصوتٍ يكاد يخرج، لوهلة شعرت أني لا أستطيع الكلام.
-أنا جديد هنا، هذه المرة الأولى لإصداري
نظر إليَّ بازدراء ثم تفوه ببضع كلماتٍ، بل بسكاكين مزقتني.
-لا أستطيع الوقوف مع من مثلك، فمثلي ليس لديه وقت لينفقه عليك.
تركني محطماً ورحل، انطويتُ على نفسي بأحد الأركان، قبل أن يرتجف قلبي بسبب أحدهم، سرتُ وراء الصوت الآتي من خلف أحد الجدران، فوجدت سيدًا ربما في عقده الثالث، قد أضفى الأزرق عليه سحرٌ خاص، شعرت براحة تجتاح صدري فور رؤية ابتسامته، وجدته يصافحني ويسأل
-أأنت الجديد هنا؟
رددت بهدوء ممزوج بالحرج من كوني الجديد.
-نعم، الجديد للأسف.
وجدت ابتسامته اتسعت وعيناه تلمعان.
-لِمَ للأسف، بل من حظك الجميل، ما رأيك بنزهة للتعرف على المكان؟
فكرت للحظات، ثم أجبت بامتنان.
-سيكون من دواعي سروري مرافقتك سيدي.
سرنا بين البنايات الشاهقة، كانت متشابهة البناء مختلفة الألوان، إحداهن صُبغت بالأصفر ويعلوها جرس فضي، يخرج منها ضجة الكاميرا، ويعلوها صور بشر بآذان قطط وأرانب، ابتسمت فور رؤيتي لأشكالهم، والتفت إلى مرافقي، وقبل سؤالي وجده يقول:
-هذا "سناب شات"، حاز على شهرةٍ واسعة بالآونة الأخيرة، يستخدمه ما يقرب من مائتين وثلاثين مليون شخصًا تقريبًا.
صُدمت من العدد الذي تفوه به، حقًا هناك بشر فارغون لهذه الدرجة! يتركون مهامهم للتصوير بأشكال الحيوانات! وقبل تعليقي على قوله، وجدت طيورًا زرقاء تحلق في السماء، تزداد بين الفانية وأختها، وكأنها تنبع من نهر فياض، نظرت إليه وقُلت:
-ومن هؤلاء؟ ولِمَ أعدادهم كبيرة جدًا بهذا الشكل؟ أهم فرقة إنقاذ؟
صوت ضحكته تردد في المكان، وكأني قُلت مزحة مضحكة، ثم أردف بعد مدة وهو يشير لأحد المباني.
-ليسوا فرقة إنقاذ، بل فرقة إشهار، ببساطة سيدي هذه تسمى "تغريدات"، تأتي من ذلك المبنى، والذي يدعى "تويتر"، كل يوم يوجد مشهور جديد عليه، يقولون عنه "تريند"، ولا يعتمد على مدى نفع المحتوى الخاص به، ولكن على مدى تفاعل الأشخاص، وكمية اللغط الدائر حول هذا الشخص.
فتحت عيني عدة مرات في صدمة أكبر من ذي قبل.
-وهل يحظى بشهرة "سناب"؟
-بل مشهور أكثر منه، فهو أُصدر منذ ستة عشر عامًا.
تابعنا سيرنا وحيرتي تتفاقم، كيف لهؤلاء البشر أن يكونوا بهذا الفراغ؟ هل أنجزوا كل المهام والأعمال لدرجة توغلهم في هذا العالم لحد الثمالة؟ قطع أفكاري ضجة عارمة آتية من إحدى البنايات، كانت تشبه كثيرًا ذلك الشاب الفظ، الذي قابلني فور وصولي، قادني فضولي لسؤال مرافقي
-وماذا عن هذا المبنى؟
نظر إليه بتمعن، ثم قال بأسى:
-هذا "يوتيوب"، الأكثر غطرسة هنا، والأكثر شهرة أيضًا.
سألت ببعض الحرج:
-هل تعرفه معرفة شخصية؟
نظر لبعيد وقال وقد صُبغ صوته بالأسى:
-كنا أكثر من رفقاء، أُصدر بعدي بعام، كان خجولًا جدًا في بداية الأمر، حتى دقت الشهرة بابه، وأصبح الثاني عالميًا بعد سيد "جوجل"، قطع علاقته بي، وقال: "إنه ليس لديه وقت للتنزه معي كالسابق، ولا يوجد مكان لصداقتنا وسط علاقاته".
سقطت دموعه فأزالها بسرعة، ثم تطلع إلى الأمام، وأشار إلى أحد البنايات، والتي لا تختلف كثيرًا عن ثيابه، وقال:
-هذا منزلي، ما رأيك باحتساء بعض من الشاي؟
فكرت لثوانٍ وأجبت:
-لا أُمانع سيدي، حقًا أنا مدين إليك على هذا اللطف سيد…
رد بابتسامة ودودة:
-"فيسبوك"، أرجو أن تظل هكذا يا… بالمناسبة ما اسمك؟
-أدعى "عقاقير".
تساءل في ذهول:
-أنت خاص بالطب والصيدلة؟
-نعم، أتحدث عن الأدوية وبعض المصطلحات الطبية.
نظر إليَّ بأسى، ولكن لم أكترث لهذا، صعدنا إلى سطح البناية، فسمعت صوت ضحكات عالية تأتي من أحد الأركان، وبعض أصوات الطلقات النارية والصور لضحايا ومصابين، ولكنها تُوضع في مكان مظلم، شعرت بقلبي ينخلع من رؤية هؤلاء، نظرت إليه بصدمة وصوت متقطع
_من…من هؤلاء؟
رد بلا مبالاة:
_هؤلاء أطفال من فلسطين، فهناك حرب قائمة الآن.
_ولماذا كل هذه الصور توضع بالظلام!
_لأنها مُخالفة للمعايير المجتمعية، على حسب ما قاله المطورون.
نظرت بأسى ممزوج بالغضب:
_وهل ما يحدث ليس مخالفة للمعايير الأدمية؟ تبًا لهذا!
كدت أغادر قبل أن أسمع صوته الضعيف.
_ما باليد حيلة، أنا مجرد أداة فقط، يُفعل بي ما يُفعل، وإن لم أُطبق سيكون مكاني الفراغ، سأُزال إلى الأبد، وأكون مجرد ذكرى، حاولت كثيرًا أن أدعمهم، ولكن مع كل مرة كانت تُقدم ضدي الشكاوى، وكان المطورون يضغطون عليَّ، ويضعون قوانين أكثر صرامة، فأقلعت عن المساعدة منذ زمن.
وقفتُ مشدوهاً، لا أقدر على التفكير، هل هو مظلوم أم ظالم؟ هل العيب منا لأننا نروج لهذا الفساد، أم من البشر لأنهم من يقوموا بالفساد منذ البداية؟ انتشلني صوت صرخة مدوية، من شدتها اعتقدت أن السماء طُبقت على الأرض، ركضت نحو الحافة؛ لرؤية ماذا هناك، فرأيت أحد المباني يُهدم، ويخرج منه شخص تلونت ثيابه بلون الشفق، وعيونه لا تختلف كثيرًا عنها، نظر إلى أعلى فتلاقت أعيننا، وفجأة خرَّ على الأرض، ولفظ أنفاسه الأخيرة، شعرت بهبوط بكياني، وكأن روحي سُحبت مني، تدفقت الدموع من مُقلتيَّ، كدت أسقط من أعلى، ولكن يد مُرافقي كانت أسرع..
-احذر! ستسقط، اجلس هنا حتى أُحضر بعض الماء.
جلست وأنا ما زالت في صدمتي، وسؤال يتردد في عقلي "ماذا فعل ليحدث له هذا؟" جلس بجواري مُرافقي، وأعطاني كأس الماء، ارتشفت القليل منه، ثم سألته بعينين دامعتين
-ماذا فعل ليحدث هذا؟ هل كنت تعرفه؟
نظر إليَّ بعيون يتفجر منها الحزن
-نعم، كان الجديد قبلك، جاء إلى هنا منذ بضعة أشهر، ولكن لم يكن عليه إقبال، فهو مهتم بعلوم الفلك والفضاء، كان ذكيًا جدًا، ولكن البشر كالذباب، تنجذب دائمًا إلى ما لا يُجدي نفعًا، ينجذبون إلى القمامة تاركين العسل
أنهى كلامه، وقد تضاربت أمواج أفكاري، وتحطمت على صخور السذاجة، فأنا أهتم بالأدوية والعقاقير، ماذا سيحدث بي؟ يجب أن أتميز في عملي، حتى لا أكون التالي، ترجلت من البناية، عائدًا إلى منزلي، نظرت إلى شاشة الإعلان الكبيرة الموضوعة بأحد الشوارع، والتي يتوسطها مُرافقي "فيس بوك" ليدعو إلى استخدامه، لمعت في رأسي فكرة، أخذت أروج الإعلانات لأجذب المستخدمين، ولكن حتى هذه باءت بالفشل..
فقد كُنت أتخطى، وكأني هامش غير موجود، مرت شهور وأنا على هذا الحال، ويومًا أثناء جلوسي بمنزلي، سمعت صوتًا عاليًا يأتي من الخارج، ركضت مسرعًا فوجدت "فيس بوك" يركض ويحتضني بشدة، لم أفهم شيء، حتى قال ببكاء:
-ستكون الضحية هذه المرة، أفعل أي شيء، ستُزال إلى الأبد.
شُلَّ تفكيري، وعلت ضربات قلبي، ماذا أفعل؟ فأنا أُقدم محتوى هادفاً، وهذا لا يجذب البشر مطلقًا، تمنيت أن أصبح تطبيق رقص، حينها سأحظى على شهرة واسعة، سأنافس ذلك الـ"تيك توك"، ويمكن أن أكون الأشهر عالميًا، ولكن هذا لن يحدث، تراجعت عن تفكيري، فبرغم سوء وضعي، إلا أني لا أريد أن أعيش وسط عالم ليس لديه أخلاق، وسط مبادئ طُمست منذ زمن، وحلَّ محلها الخلاعة والفجور، ابتسمت لمُرافقي، وخرجت إلى المطورين بنفس الابتسامة، مستعدًا لذهابي إلى الفراغ الكائن هناك، وسط حُطام الأخلاق والقيم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.