قصة"ماسة راقصة البالية".. قصة قصيرة

مررتُ بحياة طويلة.. حياة لا بأس بها فهي مزيج من الاختناق والسعادة على حد سواء.. ولمن لا يعرفني.. أنا ماسة.. أصغر راقصة بالية تناغمت خطواتها على مسرح الحياة حتى الآن..

وددت أن أخبركم بخبرتي الفنية وأسرد عليكم قصة حياتي الشيقة.. وها أنا ذا أصعد على المسرح من جديد للتحدث معكم بلساني لا بخطواتي..

فكم تمنيت أن أحل ضيفة على ذلك البرنامج الشهير والذي يعطيكم نبذة عمن كنا وعمن تمنيناه أن نكون وكيف أصبحنا بعد ذلك.. 

ياه.. يا له من شعور مميز لمن يحيا تلك الحياة الصاخبة.. يا له من شعور لا يوصف بأدق الكلمات ولا يُلمس بأعذب الألحان.. ذلك الذي تشعر به أي فتاة مثلي كانت وما زالت تعتز بنشأتها المتواضعة وأبداً لا تغتر بمستواها الحالي.. ولحسن الحظ.. بل بتوفيق شديد من الله عز وجل أصبحت ما أنا عليه الآن..

أتذكر جيدا نشأتي المتواضعة.. خاصة وأنني ذات أصل إفريقي.. كنت ضمن العديد من صغار الجبل الأسود.. ذلك الذي احتضنني لفترة طويلة لدرجة أنني شعرت بأنني جزء لا يتجزأ منه.. فكل ما حولي يكسوه السواد.. أيقنت حينها أنها بشرتنا المميزة نتيجة لموقعنا الجغرافي وأبداً لم أعترض عليها..

لكنني لمحت في قرارة نفسي الاختلاف.. فأنا بيضاء عكس جميع أخواتي.. ترى.. أهي نتاج طفرة جينية أم أنه شيء آخر.. وطردت ذلك الشيء الآخر من مخيلتي حتى إنني لا أريد أن أتذكره بيني وبين نفسي.. وتوقعت خروجي من بيتي في يوم ما.. 

لكن ذلك اليوم لم يكن ببعيد.. فذات يوم وحينما اقترب أبي من إخوتي الكبار أخبرهم بأنهم سيصحبهم في رحلة.. نعم نعم.. لقد كان إخوتي يشتركون مع أبي في تلك الأعمال والتي يقوم بها..

لا أخفيكم سرا أنه العذر الذي قيل لي.. وأستبيحكم سرا أكبر بأنني حزنت لأنني لست ناضجة بشكل يكفي حتى أصحبهم.. ولكن.. ما كان يزيد من حيرتي هو عدم عودة إخوتي كما ظننت.. وسمعت أخباراً جديدة.. سمعت أن إخوتي قد ذهبوا للعمل في أماكن بعيدة عند ذلك التاجر..

وحلمت باللحاق بهم ولكن أفاقتني أمي على حلم أقوى.. أخبرتني بأنها ترى في راقصة بالية.. وأثارت بداخلي تساؤلات عديدة.. أأصبح أنا راقصة بالية وأنا على تلك الحالة من البدانة..

أحقاً سأكون مثل قدوتي وجارتي الناصعة البياض.. ولكن كيف هذا وأنا على تلك الحالة.. فأنا أحتاج لكثير من الأمور.. أحتاج حملة نظافة شاملة للعناية بكل شيء في.. أحتاج لمرآة كبيرة بل لأكثر من واحدة حتى أتعلم الرقص أمامها أما بالنسبة لذلك الرداء البراق سأفكر فيه على مهل..

وحان دوري.. أخذني أبي مع بعض الصغار من أبناء عمومتي لذلك التاجر القريب فهو خبير بتلك الفئة العمرية.. وهناك ابتعدت من قبضة يد أبي لأشاهد من سبقوني في ذلك الطريق.. وكم دهشتُ مما رأيت. .بل فغرت فاهي من كثرة ما رأيت من بريق لتلك المجموعة المتراصة حول التاجر.. وحلمتُ حلمي الكبير بأن أصبح عارضة أزياء.. لا.. لا.. بل أريد أن أصبح تلك الراقصة الرشيقة.. 

راقصة البالية الجميلة.. وماذا حل بي.. هل مسني الجنون لمجرد رؤيتهم يلمعون.. وهل فقدت شغفي بحلم الطفولة.. وهل نسيت وعدي لأمي بأني سأصبح تلك الراقصة والتي تمنت أن تكون.. لا.. أنا على العهد يا أمي.. أنا على العهد يا إخوتي.. أنا على العهد يا أنا.. سأصبح يوما ما تمنيته أن أكون.. وحتماً حتماً سأكون..

ورحل أبي مودعاً إياي.. كان يرمقني بتلك النظرة المليئة بالسعادة لأني سأصبح في عالم أفضل كما كان يتمتم لعمي طوال الطريق.. ولكنني وبمجرد اختفائه عن ناظريّ شعرت بغصة غربية في حلقي..

أهذا هو شعور الفراق.. أهذا حالنا كلما نشتاق.. وفي لحظة واحدة استطعت فيها التملص من يد ذلك التاجر الغريب.. وهرولت مسرعة ناحية الباب الكبير منادية إياه "أبي.. أبي.. لا ترحل.. أرجوك لا تفعل.. أبي"..

ولكنه قد فعل.. فقد ابتلعته تلك السيارة القديمة وابتلعه من بعدها ذلك الطريق الطويل.. طريق موحش حال بيني وبين أعز الناس إلى قلبي.. طريق جئته آملة في مستقبل باهر وودعته مثقلة بجرح غائر..

ومرت الأيام سريعة لأصبح ما أنا عليه الآن.. فقد اهتم بي ذلك التاجر بشكل غير مسبوق وكأنني إحدى بناته.. وذهب بي لصديقه والذي علمني تلك الخطوات.. لا.. لم يهتم أي منهم لبدانتي ولم يعرها أحد اهتماماً كما كنت أظن أنها عائق في حياتي.. بل سمعتهم يتغامزون بأنني كلما كنت بدينة زادت قيمتي.. ولكن.. ألم يكن ذلك عكس ما أخبرتني به أمي وهي تعدني للرحيل.. نعم.. ما زلت ما زلت أذكر عبارتها لي "كلما كنت رشيقة تسارعت خطواتك على ذلك المسرح.. وكلما أحاط بك الناس سطع بريقك".. أين أنت يا أماه.. ترى.. أتذكرينى بعد طول غياب.. أم نسيت أمري وسط ضغوط الحياة..

ما يهم الآن أنني تركت ذلك التاجر ليعتني بي آخر غيره.. وساعدني على الاقتران بمن يملكون مثل بريقي.. وحينما مرت بي السنون ولم أستطع الحفاظ على رشاقتي المعهودة.. صار ذلك الحادث والذي فقدت فيه جزءاً هاماً مني.. كبريائي.. وعلى أثره تمت إحاطتي بذلك المعدن الغريب..

أخبروني أنه لحمايتي وأنه لا يقل عني ولا يدني من قيمتي.. بل أشار البعض لارتفاع قيمته كل يوم عن ذي قبله.. ولكن إحقاقاً للحق لا شيء يعلو عن قيمتي أنا..

والآن.. انتهت حكايتي وصرت أحدثكم الآن عن نهاية قصتي.. ولمن لم يتابعني جيداً.. أنا ماسة.. وأرصع حالياً خاتم زواج لصاحبتي الملكة الصغيرة..

 

اقرأ أيضاً

- عن فيلم Dial M For Murder والجريمة الكاملة

- نهاية مؤلمة للبرازيل .. تيتي يغادر وقائد الفريق ينهي مسيرته

 

 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة