«حبيبي.. ترددت كثيرًا قبل كتابة رسالتي هذه.. ويعلم الله كم أندم على كتابتها قبل بدايتها.. أود إخبارك أننا لن نعودَ مجددًا كما كنا من قبل.. لا.. لن أنصت إلى قلبي مرة أخرى لأرجئ ما أريد البوح به، ولن أنتظر منك الرد كما جرت عادتك معي..».
هذه كانت بداية رسالتها إلي.. هي معشوقتي الأولى والأبدية على الإطلاق.. هي غريمتي في الحياة.. فكم وددت الابتعاد عنها لكنها تظهر لي على حين غرة رافضة الابتعاد.. ولم أعد أُسميها رفيقة قلبي كما كنت أفعل، بل أُسميها غريمتي في الحياة.. نعم.. والسبب أنني أحبها لكن الحياة تطاردني وتجبرني على الابتعاد.. لا أعرف سببًا على وجه التحديد لكن ذلك ما حدث.
أكملت قراءة رسالتها إليَّ بعدما صنعت فنجان قهوتي المفضلة ونفثت دخان سيجارتي.. وأكملت مجددًا قراءة أحرفها الضائعة، وشعرت بأنفاسها اللاهثة فيما بين الأسطر.. كما كانت قد تركت آثارًا لدموعها فى آخر الرسالة.. أنا عزمي وهي بدور.
بدور: «عزيزي.. انتظرتك كثيرًا لكنك لم تأتِ في الموعد المحدد.. كم كنت في أشد الاحتياج إليك! بل كان ذلك الموعد مثل ميلاد جديد لعلاقتنا.. عن أية علاقة أتحدث؟ هل الفراق علاقة؟ هل الهجر علاقة؟ هل اختلاق الأعذار علاقة؟ وهل ما بيننا علاقة؟ ليتك لم تظهر في حياتي ذلك اليوم.. ليتني لم أعد لك مجددًا لألتقط أشيائي التي نسيتها على تلك الطاولة.. ليتنا لم نتلاقَ فكريًّا وعقليًّا.. وليتنا ابتعدنا حين بدأت تلك الفكرة تلوح في رأسينا..».
عزمي: عن أية فكرة تتحدثين؟ أنا أذكر جيدًا تفاصيل ذلك اليوم.. ولكن تلك الفكرة.. نعم.. تذكرتها.. فكرة اللقاء مجددًا لكن تلك المرة بموعد.
بدور: «أخبرتني ذات مرة أن الملكة لا ينبغي لها البكاء.. ولكنها الحياة يا رفيقي.. هي الحياة التي كتبت علينا اللقاء وظروفها القاسية التي حتمت علينا الابتعاد دون عناق أخير.. أتذكر يا حبي الوحيد عناقنا كيف كان؟».
عزمي: وكيف لا أذكر؟ فالحياة بيننا ما هي إلا عناق.
بدور: «تعثرت كلماتي في رأسي قبل شروعي في كتابة رسالتي إليك.. لكن ما شجعني حقًّا أننا لن نلتقيَ أبدًا.. لن نلتقيَ وجهًا لوجه لنصنع وَهْمًا جديدًا بوعد لن يتحقق.. لن نلتقيَ مجددًا لنرتشف معًا مخدر الأمل والذي يلوح أمام أعيننا من بعيد.. لن نلتقيَ مجددًا لنتفق على ميعاد يقترب لنفترق فيه لا لنلتقيَ.. لن نلتقيَ مجددًا لنُقسم بحبنا على إتمام ما بيننا من ميثاق.. لن نلتقيَ..».
عزمى: أيعقل أن كل ذلك بسبب غيابي؟ لا.. هي تعلم جيدًا أنني كثير الترحال.. لا يحق لها التضجر.
بدور: «عشيقي.. لقد عدت مجددًا إلى بيت أهلي القديم.. فلم أنعم بالراحة فى بيت أخي الأكبر ولا مَن يليه.. لا ينعم الإنسان إلا في بيته الخاص.. ولأنك لا تفكر في إنشائه لنا.. عدت مجددًا حيث كنت قبل لقائك..».
عزمى: أليس ذلك البيت شبه منهار؟! نعم.. إنه آيل للسقوط.. لقد حدثتني مرارًا أنها تبحث عن شقة للإيجار ولم تخبرني أكثر من ذلك حينما وجدتني لا أبالي.
بدور: «هو ذلك المنزل الذي كان يجمعني بوالديَّ وإخوتي.. والآن ما هو إلا مجرد أطلال بعد رحيل الجميع إلى بيوت جديدة لا علاقة لها بي.. نعم.. انتظرت معك موت والديَّ وزواج إخوتي لينشغل كل منهم بحياته الخاصة، ولا يعترض على زواجنا أحد..».
عزمي: هي مجرد أعذار واهية كي لا نتزوج.. كم هي ساذجة لتصدقني!
بدور: «وانتظرت سنين وسط تلك الجدران.. والحق أقول إنني لم أشعر أبدًا بالحنان إلا بين تلك الأطلال المتهاونة، التي شهدت على طفولتي وصباي، شبابي وتمردي الذي اشتد حينما أحببتك.. فبعد معارضة الجميع، وبعد إصراري على الزواج بك أو عدم الزواج مطلقًا.. ظل الحال كما هو عليه..
وظللت أنت تُسافر من بلد إلى أخرى دون إخباري أي تفاصيل، وكأنني في حياتك كالعدم.. وظللت أنا أعلم أخبارك عبر صورك المعلنة في وسائل التواصل الاجتماعي.. ففي هذه الصورة أجدك تُحدث أحدهم.. وفي تلك أرى ظلالًا أخرى على عدسات نظارتك الداكنة.. في هذه أجدك مجتمعًا برفاقك القدامى.. وفي تلك أجدك سعيدًا مع أحبتك.. كم هي قاسية صور الواقع.. وكم هو قاسٍ إحساسي بالوحدة وأنا أتلمس رؤيتك عبر صورك مع الأخريات.. وكم هو قاسٍ قلبك وأنت بعيد.. بعيد..».
عزمي: هو عملي ولا شأن لك به.. ألم ينتهِ أملك بإهمالي لك؟ كيف؟!
بدور: «والآن.. سأخبرك بالمضمون.. لقد نضب رحمي كما كنت أخشى.. لن أستطيع حمل أطفالك بعد الآن.. ولن أُنجب عديدًا من الأولاد كما كنت أحلم.. وأعلم جيدًا أنك لا تبالي.. لكنني أفعل.. بل لقد صدمني الخبر كثيرًا، خاصة أنني لم أرغب يومًا في الزواج بأي رجل.. خوفًا من إنجاب أبناء لا أستطيع عنايتهم.. حتى التقيتك، وبدلت رأيي كثيرًا، وأصبحت أهتم بكل تلك الأشياء التي أهملتها من قبل.. ولكن.. وآه يا عزيزي من كلمة ولكن..
لن أصبح تلك الأم.. ليس بعد الآن.. لن أسمع تلك الكلمة التي كنت تناديني بها وأتعجب، فتخبرني أن ماما تأتي من الحنان.. لا يوجد شيء قاسٍ وظالم في الحياة أكثر من معرفة المرأة بأنها لن تنجب أبدًا.. فما بالك بما يحدث معي! لقد ساورتني الظنون وأخبرتك حينها.. لكنك لم تكترث للأمر.. وأخبرتني أن ننعم بحياتنا ولحظاتنا المحرمة حتى يحين رأي آخر وظرف آخر ولكن هذا لم يحدث.. فكل منا ذهب في طريقه معلنًا اللاعودة لما بيننا..
وحفظًا لماء الوجه لم أعد أُراسلك حتى لو لم تجب على رسائلي.. حفظًا لماء الوجه لم أعد أتصل بك حتى لو أخبرتني وبقسوة ألا أتصل مجددًا؛ لأنك لن تجيب على الهاتف.. حفظًا لماء الوجه لم يعد يساورني القلق عليك حتى لو صحوت فجرًا دون سبب بقلب لاهث من شدة القلق.. حتى لو أخبرتني ألا أقلق عليك؛ لأنه لا يوجد ما يدعو للقلق.. حفظًا لماء الوجه لن أكرر على مسامعك طلبي باللقاء، حتى لو سمعت صوتك ضاحكًا بأننا سنلتقي غدًا، وأنا أعلم جيدًا أن غدًا لن يأتي..».
عزمى: لهذا السبب لم تعد تُعلق على منشوراتي.. الآن فهمت.
بدور: «لا تجزع يا حبيبي.. فلن أُطالبك بأي شيء بعد الآن.. سأُلقي برسالتي تلك على أعتاب بابك وأرحل من جديد.. تلك المرة لن أعود صدقني.. سأتهاوى داخل منزلي القديم لنتعانق معًا أنا والذكريات.. وإلى اللقاء حيث لا لقاء.. المعذبة ..ب».
عزمى: وانتهت الرسالة لأحاول معرفة مصير تلك المحبوبة المجنونة التي أغدقت على قلبي كل معاني الحب.. وما هي إلا ساعات حتى علمت بانهيار بيتها محملًا بها وبكل الذكريات، وكان ذلك منذ عام أو يزيد.. نعم هي رسالة قديمة كانت ضمن كثير في صندوق البريد، وجدتها فور عودتي من الخارج.. ولا.. لم أندم.. لكنني طويت رسالتها وتركتها داخل ذلك الكتاب الذي أهدتني إياه في عيد ميلاد منذ سنون.. لم أتصفح أبدًا ذلك الكتاب.. وحتمًا لن أفعل..
للواقع صور قاسية..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.