قصة لقاء مع درويش الجزء الثالث

توقف أيمن وزميله نادر أمام الأمن كثيرًا حتى سمحوا لهما بالدخول إلى القصر، يا للروعة! أيوجد ذلك الجمال في بلادنا؟ إن من يرى القصر يظن أنه لا يوجد فقراء في بلادنا.

أيمن يقول ذاك الكلام لنادر وهو فاتح فاه، ثم قال تبًّا لعلب الكبريت التي نسكنها بل هي التي تسكننا، ثم قال إن البيت الواسع من علامات سعة الرزق وهو ما يحققه بالفعل الذهبي الذي له نصيب من اسمه، إن رزقه واسع.

ولكن نادر قاطعه ليصمت، وأتى موظف يظهر أنه سكرتير الذهبي وقال لهما إن وحيد بك ينتظركم في غرفة المكتب، دخل نادر وأيمن إلى غرفة المكتب الواسعة ذات الإضاءة الخافتة، والتي تتزين جدرانها بلوحات زيتية ثم مكتبة، واضح أنها تحوي كتبًا نادرة.

وهمس السكرتير لهما أن أمامهما 10 دقائق فقط للمقابلة وممنوع مقاطعة وحيد بك وهو يتكلم، وأن السعر الذي يحدده لا يجب المناقشة فيه مطلقًا، وإلا تعد المقابلة منتهية، نظر نادر ناحية المكتب فوجد وحيد الذهبي يجلس خلف المكتب ويرتدي بدلة قيمة يصلح ثمنها لإعاشة أسرة متوسطة الدخل لمدة شهرين، وأمامه فنجان شاي، ويجلس أمامه ذلك الرجل الذي رآه نادر دائمًا ملازمًا لوحيد الذهبي، وأشار لهما الذهبي بالجلوس.

قال نادر: مساء الخير يا وحيد بك، ثم التفت ناحية الرجل صاحب الجلباب وقال له: مساء الخير يا أفندم، فقال له ذلك الرجل من الأفضل أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله، فابتسم نادر ابتسامة يشوبها عدم الصدق وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فرد الذهبي وذلك الرجل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحينها قال الذهبي: هذا الشيخ عرفان مستشاري الشخصي يلازمني دائمًا في كل خطواتي.

الشيح عرفان: هات ما عندك يا أستاذ نادر، ولا تستخدم علم النفس الذي تقرأ فيه وفراستك علينا، حينئذ أدرك نادر بعد أن أبدى اندهاشة عظيمة أن هذه الصفقة في يد ذلك الشيخ، والذي يتكلم بلغة الدراويش الذين يكون عندهم من الصفاء والرؤية البعيدة التي لا تظهر لغيرهم، ووقتئذ فكر نادر كيف لأحد كبار رجال الأعمال أن يسير خلف درويش ولكنه" مودرن".

نادر: في الحقيقة الشركة تمتلك جوهرة في هيئة فيلا وتريد أن تهديها لوحيد باشا، فيلا على أعلى طراز بها ما تتمناه، فهي من البيوت الذكية "سمارت هوم"، ونحن بصفتنا شركة يشرفنا أن تمتلك تلك الفيلا لدينا، وخصوصًا أن الفيلا في أفضل موقع وعلى الصف الأول للبحر، وبها من الخصوصية ما يعجبك وجيران حضرتك من صفوة المجتمع.

وحيد الذهبي: كم سعرها؟

نادر: هذه الجوهرة النادرة والتي أؤكد لسيادتك أنها لا يوجد لها مثيل في مصر تبلغ كلفتها 120 مليونًا فقط لا غير، ويسعدنا أن تنال رضاك، وهذا الكتالوج مصور على الطبيعة من الموقع فهي على المفتاح.

أيمن: هذا الكتالوج يظهر روعة التصميم، وأعطى الكتالوج لوحيد الذهبي وللشيخ عرفان وأخذ الاثنان يقلبان في الكتالوج.

فقال أيمن: نحن استخدمنا أفضل الخامات.

فقال الشيخ عرفان: مفهوم فيلا بهذا السعر يجب استخدام افضل الخامات بها.

وحيد الذهبي: أنا سأدفع 50 مليونًا يكفيكم أن وحيد الذهبي يسكن تلك الفيلا هذه أفضل دعاية لمشروعكم.

الشيخ عرفان: يجب أن نشجع يا وحيد بك الشباب فلتجعلها 55 مليونًا.

وحيد الذهبي: لا أستطيع رد كلمة لك يا مولانا فلتكن 55 مليونًا يا سيدنا، وأرجو يا شيخنا بعد الشراء أن تكون أول من يدخلها لتجعلها مبروكة.

نادر: ولكن يا وحيد بك تعرف.

الشيخ عرفان مقاطعًا: وحيد بك كلمته واحدة.

وحيد الذهبي: خذ رقم السكرتير وأبلغه بالموافقة من الشركة إن شاء الله، وسلَّم الذهبي على أيمن ونادر.

الشيخ عرفان: ربنا يوفقكم يا شباب ويا أستاذ نادر إذا أردت أن تتعلم الفراسة يجب أن تتعلمها من شيخ لا أن تقرأ عنها شرفتمونا.

خرج الاثنان مذهولين من تلك المقابلة الغريبة التي سارت في اتجاه واحد دون مناقشة أو إقناع من جانب البائع كما جرت العادة، وفي الطرف للخارج أخذ نادر رقم السكرتير ليرد عليه في هذا العرض الذي لا يعرف كيف يبلغه لراضي مديره، وفي طريق العودة في العربة اتصل نادر براضي مديره وأبلغه بالخبر، ولأن راضي له من الخبرات الكبيرة في مجال المبيعات، قال لنادر كنت متوقعًا شيئًا كهذا، إنه -أي الذهبي- يبيع لنا شهرته وليس نحن من نبيع له الفيلا، سوف أتكلم مع الإدارة ونرد عليه في أقرب وقت.

أكثر ما أثار أنتباه نادر هو الشيخ عرفان، كيف عرف أني أقرأ في علم الفراسة، وكيف عرف أن لي قراءات في علم النفس، إنه انكشف تمامًا، ولو طالت الجلسة أكثر من هذا لا يعرف ما كان ذلك الشيخ أن يخبره به، إن ذلك الشيخ شتت أفكاري في إتمام تلك الصفقة، ولكنه هو والذهبي اتخذوا قرارًا مسبقًا، إنهم يشترون لمجرد الشراء ليس إلا، ولقد انكشفت أيضًا أمام أيمن الذي سيخبر كل زملاء المكتب بهوايتي الغريبة وسيعرفون من أين يأتي تميزه عنهم، إن أكثر من خسر من تلك المقابلة هو أنا.

وتمر الأيام وترفض الشركة عرض وحيد الذهبي، ونادر لا يوجد في مخيلته إلا ذلك الشيخ الملازم للذهبي، ذلك الشيخ الذي لا توجد عنه أي معلومات على شبكة الإنترنت، لقد قضى الشيخ على ما يسمى بدراسات الجدوى والمكسب الخسارة تحت مسمى واحد ألا وهو كلمة الشيخ!

وبعد تلك المقابلة بشهور أتى إلى المكتب أحد العملاء يريد أن يشترى وحدة سكنية مناسبة، وكان ذلك العميل يعمل صحفيًّا من سن نادر تقريبًا ويدعى كمال فاضل، ويتمتع كمال فاضل بحس ساخر ويصنف من الساخرين الجدد، وتصل سخريته إلى حد عدم الاحتمال، وقابله نادر ويمتلك كمال هذا صفة التعود السريع على الناس، وتكلم مع نادر على راحته تمامًا ربما بسبب أنهما شباب من العمر نفسه تقريبًا ومن الطبقة المتوسطة نفسها التي قاربت أن تتلاشى تقريبًا ووجودها حلاوة روح كما يقولون.

وأجاب نادر كمال إلى طلبه المناسب في الوحدة السكنية وحدث بينهما انسجام في الآراء والرؤية، ودعا نادر كمال إلى التعرف على أصدقاء المقهى ولم ينسَ نادر هوايته في تطبيق ما تعلمه من فراسة وعلم النفس على كمال، واتضح له أن كمال هذا من نوعية الناس نادرة الوجود فهو إنسان نقي، صالح، يحب الخير للناس ويفعل ما بوسعه، ولا ينتظر مقابلًا لذلك في عصر غرق الناس في ماديات رخيصة ما تلبث أن تفنى، ومن الدردشات التي بينهما أخبره أن أهم صفقة في عمله الذي لا يتجاوز السنوات الثلاث كانت مع رجل الأعمال الشهير وحيد الذهبي، وهنا قاطعه كمال وطبعًا بحضور تابعه الشيخ عرفان الذي يدعى أنه درويش وأنه لديه فيوضات إلى آخره...

هنا قال نادر أتعرفهم؟ قال كمال أنسيت أني صحفي سلطة رابعة يا نادر باشا، فالذهبي هذا توجد شكوك كثيرة حول ثروته من أين جاءت ومن أين اكتسبها، وعرفان هذا بلديات الذهبي وصديقه منذ الطفولة، ولم يجد طريقة لتقديمه للناس إلا أنه شيخ كبير زاهد في الدنيا وهذا طبعًا غير صحيح على الإطلاق، فهذه المعلومات يا نادر كلفتني كثيرًا من الوقت والتقصي.

فعندما يعطيك ميعادًا للمقابلة طبعًا في قصره المنيف تنتظر في مكتب الأمن مدة وفي مكتب الأمن توجد كاميرا فائقة الجودة تقرأ الوجوه وتنقل صورة الوجه إلى موظفين لديه، يبحثون عن صاحب الصورة على وسائل التواصل ويعطون هذه المعلومات لعرفان قبل اللقاء، وبذلك يكون عرفان على علم بالشخص أو الأشخاص الذين يقابلون وحيد الذهبي، وما يفعله الاثنان في أثناء المقابلة وخصوصًا لو مقابلة عمل هو نوع من التمثيل والخداع.

قال نادر وماذا يستفيدان من تلك المسرحية؟

كمال: الاستفادة إيهام من يطلب مقابلتهما أنهما يعلمان كل شيء عن طالب المقابلة للتأثير فيه نفسيًّا وأخذ أكبر فائدة من ورائه.

تعجب نادر وقال حتى الدرويش أصبح أون لاين، عجبت لك يا زمن!

تمت...

- اقرأ أيضاً قصة "لقاء مع درويش" ج1.. قصص قصيرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة