قصة لعبة الصراحة.. هل تدمر المواجهة ما بنته سنوات الحب؟

أن تكون ليلى زوجةً لي كان مجرد أضغاث أحلام، لكن بعد أن تعرفت بك يا جود، وأنت يا آدم، وشكلنا ثلاثي شركة لونش الناجحة، أصبح الحلم حقيقة. المال الذي كسبته جعل من نجمة كنتُ أتأملها في سماء أحلامي بين يدي. إنني حزين اليوم، فليلى حبيبة عمري لا تهتم بأدنى تفاصيلي، بل تُعلِّق قلبها بغيري... بالتسوق، والملابس، والهدايا، والمطاعم... أدار دانيال وجهه، وفي مقلتيه دمعة يكاد يخفيها.

ساد صمت رهيب بين الأصدقاء الثلاثة. فجأة ابتسم جود قائلًا: «حسنًا يا صديقي... ما رأيكم أن تحضرا أنتما وزوجتاكما يوم الخميس، فنقضي سهرة ممتعة على التراس في منزلنا الريفي؟».

كان يخشى أن يُرفض عرضه، لكنه قوبل برحابة صدر من كليهما. كان الجميع يشعر أنها فرصة للهرب من أشياء كثيرة تعكر مزاجهم، مع أنهم يدركون في قرارة صدورهم أن القرارات الحاسمة لا ينفع معها الهرب وقتًا طويلًا، وأن الأفضل من المماطلة... المواجهة.

أخيرًا جاء اليوم الموعود، واجتمع «الثلاثي الناجح»، كما كان يُطلق عليهم كادر العمل في شركة لونش. تلك الليلة كانت ليلى ترتدي أجمل أثوابها، فبدت كأنها ألماسة زرقاء تسير على الأرض بقدمين بشريتين، فأثارت إعجاب الجميع، لا سيما دانيال الشاب الثلاثيني الأسمر النحيل، الواله في غرام ليلى.

استمتع الجميع بالمناظر الخلابة... أشجار النخيل، والإضاءة ذات الألوان الجذابة، ورقرقة نهر قريب من البيت.

أحضر جود عدة الشواء، تساعده زوجته لورا، أما ليلى وسوزان فجلستا على طاولة جانبية تحت مظلة رمادية، تتهامسان بعد مدة من السير في أرجاء المكان.

اتكأ دانيال على طاولة الطعام برفقة آدم، الذي كان مستمتعًا بمراقبة الأشياء: السلطة الملونة، الفاكهة، والمشروبات المختلفة.

بلَّ دانيال ريقه بآخر رشفة من الماء، ثم رمى الزجاجة الفارغة لتدور وتستقر عند آدم، الذي كان مشغولًا باختيار الموسيقى المناسبة للجو العام. ابتسم دانيال قائلًا: «صراحة أم تحدي؟». رفع آدم وجهه مستغربًا... برقت عيناه: «جرأة»، قال آدم. ومن تلك اللحظة تبدأ قصتنا.

«هل تخاف يا آدم؟» قال دانيال، وهو يخطف القارورة من الأرض. ضحك آدم: «وهل هناك من لا يخاف؟!... كلنا نخاف... أمممم! حسنًا، أنا مثلًا أخاف الأماكن الضيقة، خاصة عندما أمضي الإجازة مع سوزان في الملاهي... في حين تقضي سوزان وقتها داخل بيت الرعب، أذهب لشراء الآيس كريم لكلينا». نادى جود، فيهرع الجميع لتناول الطعام في الهواء الطلق. كانت القارورة ما تزال في جيب دانيال؛ أشارت له زوجته بضرورة إكمال اللعبة، فوافقتها سوزان ولورا الرأي، وقررتا المشاركة أيضًا.

احتسى الجميع شرابهم على التراس... هناك جلس دانيال جانبًا... لم يكن يتأمل الطبيعة الخلابة، بل كان مشغولًا بعيني ليلى، وفستان ليلى، والشوق لليلى... أحيانًا نشتاق لمن نحب وهم بين أحضاننا أكثر مما نشتاق إليهم في غيابهم عنا. دنت ليلى وسحبت القارورة من جيب زوجها... «هيا نلعب صراحة أو جرأة»، قالت، وهي تلوح يمينًا وشمالًا بكلتا يديها. اقترح جود أن غرفة الضيوف ستكون أفضل، فانتقلوا إليها. أما لورا فاقترحت أن تجلس كل سيدة مقابل زوجها، حيث لاقى رأيها استحسانًا كبيرًا.

اقترحت لورا أن تجلس كل سيدة مقابل زوجها، حيث لاقى رأيها استحسانًا كبيرًا

حركت ليلى القارورة، فدارت ثم توقفت صوب دانيال، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية... «فرصة قد لا تتكرر، ويجب عليَّ اقتناصها»، كان يحدث نفسه، وفي نفس اللحظة أعلن على الملأ بصوته الجهوري: «تحدي يا جميلتي... أجل، تحدي».

لم تكن ليلى تدرك أن بسؤالها عن بطاقته البنكية قد فتحت على نفسها أبواب جهنم. «ألم تكتفِ بكل ما لديك من ملابس وأحذية وحقائب؟ ألم تشبعي من النزهات والمولات مع صديقاتك؟» فترد: «اعتبرهم تعويضًا عن إهانتي واستباحة كرامتي». لم يتمكن دانيال من استيعاب ما سمعته أذناه: «أنا؟!». لم تنتظر ليلى إجابته: «أجل، لقد دمرت كبريائي... قتلت الأنثى التي في داخلي... لم يبقَ من ليلاك سوى أطلال، يا دانيال. غرامياتك وهاتفك الزاخر بأسماء نساء وصورهم خير دليل على ما أقول. ما لك تحاسبني على استمتاعي ببعض مالك؟». تلعثم دانيال: «لـ... لم أحاسبك... فقط أنا... أريد ولدًا... ابنًا لنا، افهميني». رفعت ليلى حاجبيها: «أها، ولد؟ زير نساء كأبيه... هكذا إذًا».

كانت حدة الموقف تتصاعد بين دانيال وليلى، فاضطر جود لتخفيف التوتر دون جدوى، عندها صرخت سوزان بنفاد صبر: «فلننهِ هذه اللعبة اللعينة... ليست الصراحة دائمًا مفتاحًا للحلول، ففي كثير من الأحيان الصراحة تهدد الثقة وتفرق بين أفراد الأسرة الواحدة».

يا للمفاجأة! كان للورا رأي آخر: «فلتستمر اللعبة... لم يحن دوري بعد، وأنا أنتظره بفارغ الصبر، وأريد أن أستغل الفرصة أيضًا»، قالت لورا، ليستدير جود ناحية الصوت: «دور ماذا؟ وهل يوجد دور في اللعبة؟». رفع حاجبه ودنا من زوجته، لمس شعرها... شده فتأوهت: «فرصة؟ أتعتبرين إفشاء أسرار حياتنا الزوجية دورًا وفرصة ولعبة؟ وماذا أيضًا؟».

تراجعت لورا عدة خطوات لترد: «خلف الأبواب الخرساء تكمن آلاف الخلافات بين الأزواج... تراكمات تزيد بالصمت... لو تكلمنا لعالجنا القسم الأكبر منها...». يقاطعها جود: «صه! إن «لو» تفتح عمل الشيطان... وأنا أريد إغلاقه للأبد، حتى لو كان الثمن طلاقنا، وأمي ستبقى شوكة في حلقك، وفي بيتنا لن أخرجها منه، وسأبقى مطيعًا لها... أمي أهم منا جميعًا».

دفع جود زوجته لتسقط أرضًا دون اكتراث بمشاعرها. يومها بكت لورا بحرقة: «أم جود تعيش معنا في بيتنا، تسيطر على حياتنا؛ نستيقظ، نخرج، ندخل، وننام بأوامر منها... تتحكم بنا وبمصروفاتنا، وبأطعمتنا، وبأدق تفاصيلنا... لا توجد خصوصية لنا كزوجين حتى... وجود سعيد بما يحصل».

يحاول جود جاهدًا مقاطعتها: «اخرسي... اخرسي... أقفلي فمك. حسنًا! أنت طالق... لم أعد أطيقك. أتدرين ما تعنيه عبارة «في السراء والضراء»؟».

ترتمي سوزان وتعانق لورا: «هذا ما كنت أخشاه... لن تنتهي هذه اللعبة إلا بعد طلاق إحدانا». ينتهز آدم فرصته: «سوزان المثالية... ممثلة حقًا! أتعتقدين أنك أفضل منهم بكثير؟ السيدة الحنونة الطيبة...». يصفق آدم ضاحكًا، فتتغير سحنة سوزان: «ماذا تقصد؟».

يجيبها آدم ساخرًا: «أقصد...».

وقف آدم وسط الصالة وبدأ يعد على يديه: «سارقة... استغلالية... كاذبة... محتالة... خائنة...». يدنو من زوجته ويكمل العد: «خائنة... خائنة... خائنة».

حملقت سوزان: «أنا؟».

«أجل، أنتِ يا سوزان»، أجابها زوجها، وفي مقلتيه غضب وكثير من اللوم والعتب.

جلس آدم قبالة زوجته: «تهذين باسمه في نومك، وتصرفين عليه من مالي، وتهددين أختي...». سكت آدم عند إشارة من يد زوجته.

«حسنًا، لقد فهمت... الأمر ليس كما تظنه، ولست مضطرة للشرح أصلًا... لكني سأصارحك بالأمر بشرط».

هز رأسه موافقًا، فأكملت سوزان: «طلقني؛ لأنه ما من زواج يستمر وهو قائم على الريبة وسوء الظن... أنت تدرك أنني كنت مدربة كلاب قبل الزواج بك، وبعد زواجنا توقفت عن العمل لأجلك... منذ قرابة الشهر خرجت أختي ليديا في رحلة مع صديقاتها، وفي طريق عودتها صدمت كلبًا من نوع نادر... اصطحبها شرطي لدفع غرامة... هناك سمحوا لها باتصال، فكنت أنا أول من خطر على بالها. طبعًا لم ولن أخذلها وأضيع مستقبلها بكلية الصحافة لأجل كلب... قلت لهم بأنه كلبي، فأطلقوا سراحها، وأحضرت معي أوراقًا تثبت فعلًا أنه كلبي، وأنها خرجت لتنزهه فحسب... أعرف أنك تكره الكلاب، فوضعته في فندق استضافة خاص... تكاليفه عالية، ولا مال لدي... اضطررت لسحب مبلغ شهري لأجل ريمي... أسميته ريمي، وبصراحة أذهب إليه بين الفينة والأخرى، وقد وقعت بحبه... أجل، أحببته».

تنفس آدم الصعداء، عانقها، قبلها بشغف: «لن أطلقك... كان حدسي يخبرني أن في الأمر خطبًا... أقسم أني أحبك».

دفعته سوزان وهي تصرخ: «لقد أحرجتني أمام أصدقائنا... لقد نعتني بأشنع الصفات... صفات لم يجرؤ أحد على وصف شريكه بها، لكنك فعلت، وأنا لن أغفر؛ لأن بعض الظن إثم... بعضه إثم، تخيل!».

هرولت سوزان مبتعدة وهي تنتحب: «مجرد لعبة... لكنها أفقدتنا عقولنا وبيوتنا... أحلامنا وأحبابنا... صراحة أفقدتنا الراحة، وجرأة... فتجرأنا على بعضنا... يا الله».

كان الجميع في حالة ذهول... لقد أدركوا في تلك اللحظة أن قرار الارتباط مقدس، وأنه مع الله لا مع عباده، وأن أي شرخ يحدث لا يمكن ببساطة إصلاحه. أدركوا أن الزواج ليس لعبة، بل اختبار عظيم للصبر والحب والقناعة، وغض الطرف عن النقائص، ليس لشيء، بل لأن النقص جزء من طبيعتنا نحن البشر.

أدركوا كل هذا بعد فوات الأوان... أدركوا أن نجاحهم لا يقتصر على مدى جمعهم للمال والتزامهم بعملهم، بل على قدرتهم على الاحتواء في حياتهم الخاصة، والإبقاء على خصوصيتها قدر الإمكان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة