قصة "لست لك".. قصة قصيرة

كان من عاداته أن يبقى متكئًا على أحد كراسي المقهى القديم ذي الجدران المطلية بالأسود، والتي تختفي بملامحها خلف ستار الليل.

جلس شاب ثلاثيني يحتسي قهوته، ويرتشفها ببطء شديد وهو مغمض العينين، تتصاعد أنفاسه المحملة برحيق قهوته، فتتغير ملامح وجهه الساكنة، ويهيم في سحر المذاق.

فللقهوة لديه مكانة خاصة، وكانت حبيبته تعلم عنه ذلك، فما أن أرادته بشدة إلا وشدت إليه رحالها، ففوجئ بها تدفع باب المقهى الأمامي الخشبي، وتدخل، فتلفت أنظار الحضور جميعهم، كأنها نجمة سينمائية في مشهد الحلم.

اختفت ملامح وجهها في ضوء شمس الغروب التي دخلت خلفها المقهى، وكأنها أرادت أن تكون شاهدة على حوارهما الأخير أو كي تَسطَع في ظلمة المكان.

لم يكن في حاجة إلى استكشاف ملامح وجه القادمة فقد اختلط عبيرها مع رائحة القهوة التي يشربها، فاستفاق من حالته الهائمة في عشق قهوته؛ ليتنفس عبيرها الذي طالما أخبرها بأنه إكسير حياته ومتنفسه الأخير.

ارتبطت علاقتهما كثيرًا بكلمة "أخير"، فكان يخبرها دومًا بأنها حبه الأول والأخير، ومتنفسه الأخير، وملجأه الأخير، وآخر دربه، ومنتهى حلمه، وكثيرًا من هذه النهايات

بوجه متجهم دخلت المقهى ولم تتكلم ولم تلفظ سوى كلمتين حملتا كل المعاني قالت في سكون: "لست لك"، وهمّت بالوقوف.

لم يقاطعها فلم تترك له الوقت لذلك، ولم يرد عليها فقد أودت بكلماته الصدمة، ولم يتبعها لباب الخروج بل أطلق أنفاسه الساخنة التي حبستها الصدمة والتي حملت عبيرها الممتزج برائحة القهوة.

وكأنه يتخلص منهما ليعود لحالة ما قبل القهوة فأخرج سيجارة من علبته وكاد يشعلها بأنفاسه الساخنة، وأخذ يبحث عن قداحة وما أن وجدها وضغطها بقوة حتى سمع صوت فرملة قوية.

خرج مسرعًا خارج المقهى ليجدها ملقاة تحت إطار السيارة، وفي يدها رسالة بها نص صغير "ولن أكون لغيرك".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة