قصة "لا تقولى أصدقاء"ج2.. قصص قصيرة

ابتعد عنها متجنباً المزيد، مع أنه يعلم ضرورة بقائه قربها، لكن هالته المنكسرة وقلبه المخذول الآن لن تساعد، فقسوة ما ستهيئه باقي حروفه لن تكون جيدة، وليس نداً هو لرؤية دموعها والصمود؛ لذا تركها وسط الجموع متخذاً رفيقة للحفل غيرها، ويا لسرعته في إيجاد فتاة ترافقه.

غير آبه لتلك التي فرت دموعها بالفعل، وهي تنظر لظهره الذي يقابلها وهو يحادث فتاة ما أو لنقل إنه يمثل عدم المبالاة بها، هو يتقصد ذلك، وطيلة الأيام المنصرمة كان متعمداً كذلك، ولكن تلك التي تبصره ببكاء لا تعلم، وأصبحت تتساءل: ألهذه الدرجة أصبح يؤذيه قربها؟ ألهذا الحد أصبحت سيئة؟ لدرجة أن يستبدل رفقتها بسرعة، وأمام عينها؟ أخفضت رأسها ومسحت دموعها، وقست على قلبها بقولها: أنا أستحق،

ربما عينها استجابت، واستوقفت عبراتها، لكن قلبها ينغزها يحثها على الذهاب إليه، يطالبها بأن ترأف بنفسها وبه، وتخبره عن خوفها علّه يتفهم ويريحها، لكنها جبانة ولن تقدر.

جذب مسمعها وأخرجها من أفكارها نداء أحدهم فالتفتت لتقابلها بسمة مع سؤال لطيف:

- "إيڤال، كيف حالك؟"

- "مايك، أهلاً، أنا بخير".

وجدته أحد أصدقائها فردت له البسمة

- "أراك تقفين وحدكِ، لا رفقة؟" برر قدومه، وما حثه عليه.

وتابع ما تعجب منه سابقاً بعد أن استقر واقفاً بجوارها، وأشار بنظره لصديقها المقرب والذي يحرقهم الآن بنظراته:

- "أركان يراقص فتاة ما، خلته لا يقترب من الفتيات لأجلك".

وجهت بصرها إلى مقصده، ووجدت أركان يبتسم براحة مع تلك الفتاة، هي لم تر سرعة إبعاده لعينيه عنها قبل أن تلتقطه عينها:

- "نحن أصدقاء، عله يجد حبيبته قريباً"

ابتسمت بفتور، ولم ترحم قلبها.

- "أطمح لإيجاد حبيبتي أنا أيضاً".

مايك قال ملمحاً لمراد تمناه، وهي فقط ابتسمت مديرةً وجهها،

وتراقب كيف يحادث جاي عروسه بهمس، وهو محاوط لخصرها وابتسامة كبيرة على وجهه مِن تلك التي تحاول الاختباء خجلاً منه داخل صدره، ولا زال تذمرها اللطيف بَيِّن.

- "جاي ودورا يبدوان لطيفان معاً".

غيرت الموضوع غير راغبة بالانجراف بحديث كهذا أكثر مع مايك، ليست غبية لكيلا تلاحظ ما قصده.

- "إنهما حقاً كذلك".

وافقها مايك محترماً رغبتها في ترك ذاك الحديث جانباً، ليضيف متسائلاً:

- "هل لديكِ شيء لليوم بعد انتهاء الحفل؟".

أخذت لحظات شاردة تتذكر شيئاً ما لتجيب بعدها:

- "لا، لا شيء لدي، لماذا؟"

أجابته إيڤال بنبرة باهتة، فكان صديقها المقرب من يسألها هذا السؤال بعد كل لقاء لهما:

- "كنت أفكر إذا ما كنت ستقبلين دعوة للخروج معي؟".

نظرت له قليلاً، وفكرت أنه لا ضير من الأمر، وكأن بيدها شيئاً لجعل أركان هو من يطلب منها الخروج سوياً.

- "هذا لطف منك، أقبل بالطبع".

- "هذا جيد، الآن هل تسمحين لي برقصة آنستي الجميلة؟".

قال منحنياً بنبل، وكأنهم أحياء العصور القديمة، لتضحك خجلة في سمو ورقة تناسبها غير رادة طلبه بالرفض، بل أسلمت يدها لكفه مومئة ليرفع يدها بخفة، تاركاً قبلة ناعمة، مسبباً احمرار آسراً على خديها،

ليقودها بهدوء لرقصة ثنائية على موسيقى هادئة مجاورين لباقي الثنائيات الأخرى في ساحة الرقص، مرخياً كفيه على خصرها بروية، لتعلق هي كلتا يديها حول عنقه، متمايلان بتجانس، وبينهما حديث هامس.

بدا شكلهما متناسقاً لباقي زملائهم المعروفين هم بينهم، حتى إن بعض الأقاويل كانت قد ظهرت عن احتمال ثنائي جديد على أعتاب الزواج بعد العروسين.

وبطريقة ما كان جيداً لإلهاء إيڤال عن أركان والفتاة معه، ولكن كل ذلك كان يشب حريقاً مجمراً داخل أركان، فهو لم يرفع عينيه عن إيڤال إلا حين ناظرته هي، يرى كم هو قريب منها مايك، ولكم تمنى كسر كلتا يديه التي تحيطان إيڤال، أو تحطيم وجهه بقبضته بسبب ابتسامته المزعجة الموجهة لمن يريدها قلبه، يشد على الكأس في يده بغضب، ونظرته احتدت، فتمردت يداه جاذباً تلك الفتاة بقربه بحدة أعجبت الأخرى وأخجلتها، توجه بها إلى ساحة الرقص بقربهما، ودبيب خطواته الغضبى يُسمع، توقف ملتفتاً للفتاة معه مقترباً منها برقةً منافية لحدة فعله قبل لحظات وبسمة ساحرة يرسلها لها، حاوط خصرها بنعومة ورقي تعمد إظهاره كتماً لغيظه، يريد إشعال إيڤال غيرة عليه، ولن يرضيه سوى أن تأتي إليه وتترك ذلك المايك عنها قبل أن يبعده هو بطريقة يتوقها، ومراده بالفعل قد ناله سريعاً، فقد توقفت خطوات إيڤال عن مجاراة مايك، حينما وجدت أركان يقف على بعد منها يضحك برزانة ويبدو ودوداً محباً لقرب تلك الفتاة منه.

ما تراه عيناها ليس الحقيقة، فهو ليس مستمتعاً بما يفعله، وإنما يخفي احتراق دواخله بإغاظتها وجعلها هي تغار أيضاً، لم يغب أيٌّ من ذلك عن مايك، لا أفعال أركان ولا تأثُر إيڤال، ولذلك أراد أن يبعدها عنه لعلها تتحسن قليلاً، ولم ينتظر كثيراً حيث سألها جاذباً نظراتها إليه، وكم أراحه التقاء عينيهما:

- "ما رأيك بأن نذهب الآن، الزفاف على وشك الانتهاء أيضاً".

أومأت له موافقة مبعدة يدها عن عنقه وتلقائياً أزال هو يديه عن خصرها، لكن ذلك لم يعجبه، فأمسك بيدها مشبكاً كفيهما معاً مبتسماً لها بود لتبادله الابتسامة.

بعد أن ودعا العروسين وتشبثت دورا برفيقتها لدقائق طوال تحت ضحكات جاي ومايك، ها هما يخرجان معاً، متشابكة يداهما مجدداً، وهنا أصاب أركان الجنون، فأصبح يمسح على وجهه بضيق متجاهلاً من كانت معه غير متحملٍ للأمر أكثر، لقد تعدى الأمر حدوده.

الجميع يعلم كم هو لطيف مايك، لقد أصبح خطراً بينه وبين إيڤال،

خرج راكضاً بعدها غير آبهٍ لأحد، فمن تهمّه قد تضيع منه اليوم وللأبد.

أخذ مايك إيڤال على الشاطئ للتنزه قليلاً، الجو هادئ منعش، وشاعري ومناسب لاعتراف...

يسيران ببطء جوار بعضهما حافيي الأقدام، والصمت مريح بينهما، كف إيڤال كانت حرة تلامس كف مايك كلما تحركت، ليبعث ذلك التلامس شعوراً محبباً داخله، جاعلاً إياه يريد المزيد، وهل تردد؟ بل حصل على المزيد وزحفت يداه ببطء ممسكاً برقة أناملها في كفه الكبير مردفاً بعدها بهمس يناسب الأجواء متغزلاً:

- "تبدين جميلة اليوم".

- "شكراً لك".

أجابت بخجل مرجعة خصلة تمردت خلف أذنها كفعلة مخفية لخجلها، تبسم من فعلتها وأراد التمهيد لما يتوق:

- "أتعرفين؟ أشك بأن أركان أحمق؟".

- "ما دخل أركان بالحديث؟"

نظرت إليه وتساءلت مستنكرة ذكره لأركان حالياً.

- "لا أقصد شيئاً صدقيني، أنا فقط أعجب منه كيف لا يتمسك بك؟ الجميع يعلم كم أنكما قريبين من بعضيكما".

مبتغاه واضح ويرجو أن تهديه إياه إيڤال، تنهدت وطال صمتها لثوانٍ وأعادت نظرها للأمام قائلة:

- "أركان صديقي، وسيجد حبيبته قريباً قلت لك، لا يهمني ما يقوله الغير عنا".

نال ما أراد، أركان لن يكون في حسبتها، إذن له فرصة، فتعجل بسؤاله:

- "إذا كان أركان مجرد صديق، هل ستعطين فرصة لأحدهم بأن يكون حبيبك؟".

- "ماذا تقصد؟".

دق قلبها فزعاً، فهل الأمر يتكرر مجدداً، المرة السابقة أركان والآن قد يكون مايك.

- "أنا معجب بكِ إيڤال، هل تقبلين موعدتي؟".

ذبذبها قوله، بماذا تجيب، بقيت تنظر لمايك بوهن، وهو ينتظر، ولم يقل شيئاً يعطيها مساحتها لبعض الوقت، فما يطمئنه قليلاً أنها لم تسحب كفها من كفه، هي تذكرت نفس الموقف مع أركان، لكن قوله كان:

"أحبك"، وليس معجباً بك.

فأرادت تدارك الأمر، عليها التعامل بهدوء، فعندما رفضت صديقها، بوضوح آلت الأمور إلى حال مؤذٍ لكليهما، فشدت على يد مايك، بل وأمسكت بيده الأخرى لتردف:

- "مايك، لقد فاجأتني، لا أعرف صدقاً ما أقول، أنت شاب لطيف، لكن لا أعتقد بأنني أفكر في الموعدة للوقت الحالي".

ببساطة صاغت حروفها، وحاولت أن تكون لينة مراعية لمشاعره، وما لاقته أراحها، فقد ابتسم مايك بصدق مريح متفهماً، وأردف:

- "لا بأس، أتفهم الأمر، أتمنى فقط ألا يؤثر ذلك على صداقتنا".

- "لا أبداً، بالطبع لن يؤثر نحن أصدقاء قبل كل شيء".

أحابته بسرعة قاطعة الشك باليقين، قابضة على كفيه أكثر، رفع إحدى يديه ماسحاً على شعرها للحظة سريعة برقة، فهو سيحاول التقرب إليها بطريقة صحيحة، فمشاعره أصبحت واضحة، وهذا يريحه حيث إن أفعاله بالنسبة لها ستكون مبررة، وإذا نفرت من قربه فسيكتفي بما يريحها لحين قبولها به، فأردف:

- "جيد، لقد ارتحت الآن، على الأقل لن أشعر بالندم لأنني حاولت، وسأنتظر، فلا زلت مُعجباً بك".

 

- "ومن قال لك بأنه يسمح لك الإعجاب بها".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة