قبل خمس سنوات مضت، عندما كنتُ في الصف الثاني الابتدائي، وكان عمري حينها ثماني سنوات، كنتُ أدرس في مدرسة جميلة وواسعة، أحببتُ الدراسة فيها كثيرًا، وكان الفصل فيها يتسع لثلاثين تلميذًا.
وفي أحد الصباحات وأنا ذاهب إلى مدرستي فرحًا مسرورًا، دلفت فصلي وجلستُ بأدب أستمع لمعلمي، وكان بالقرب مني يجلس صديقي فارس، الذي أحببته كثيرًا؛ لذكائه وأدبه، وشجاعته، وكنت أسميه دائمًا بفارس الذكي الشجاع، وكان كثيرًا ما يبتسم، ويطرب عند سماعه لهذا الاسم.
بينما كان يجلس في الكرسي الأخير من الفصل زميلي فهد، الذي عُرِف بأذيته لجميع التلاميذ، فلا يكاد يسلم منه أحد إلا أنا، لم يتجرأ يومًا لأذيتي، ولا أعرف السبب، لكنني كنتُ سعيدًا جدًا لسلامتي من أذيته.
وذات يوم وفي حين كنتُ عائدًا إلى المنزل أنا وصديقي فارس، اعترض طريقنا فهد وأصدقاؤه الثلاثة، ممن هم على شاكلته، والذين يسيرون طوع أمره، ولا يخالفونه في أمر ما، وكانت تلك هي المواجهة الأولى والأخيرة منه لي، فعجبت لأمره، ماذا يريد مني؟! فقال بصوت المتجهم الساخط، موجها كلامه لي:
ـ "لن تعود اليوم يا محمد إلى منزلك حتى تعطينا ما بحوزتك من نقود".
كانت المرة الأولى التي أقابل فيها فهدًا وجهًا لوجه، فعند سماع صوته، ورؤية تقاطيع وجهه، ارتعدت فرائصي، وشل جسدي عن الحركة، ولم أستطع التفوة بكلمة.
فصرخ فارس بصوت مجلل قائلًا:
ـ "ابتعد عن طريقنا يا فهد وإلا أوسعتك ضربًا أنت ورفقاؤك الضعفاء".
ضحك فهد بصوتٍ عال، وأخذ يزفر ويغلي من الغضب، فضم قبضته بقوة، وقال ساخرًا:
ـ "هيا، أرني قوتك يا فارس".
فسرعان ما انقض عليه فارس، ولم يمهله، وأخذا يتصارعا، ويتبادلا الضربات واللكمات، أحدهما يبطح الآخر ويضربه بقبضته القوية، ومحمد ينظر إلى كليهما بوجل، راجيًا أن ينتصر صديقه فارس.
فما هي إلا دقائق حتى فر فهد مذعورًا خائفًا من فارس، وقد بدت على وجهه آثار اللكمات والضربات، وأخذ الدم يسيل من أنفه، فما إن رأوه أصدقاؤه الثلاثة إلا فروا هاربين خلفه، يجرون أذيال الخيبة والهزيمة.
أقبل محمد إلى صديقه مسرعًا يتفقده، ويشكر له صنيعه، فقال له فارس:
- "لا تخف أنا بخير".
ونهض من الأرض ينفض ما علق بثوبه من تراب، ويمسح الدم الذي سال من أنفه هو أيضًا.
فاعتذر له محمد أسفًا مما جرى له بسببه، فرد عليه فارس قائلًا:
ـ "لا تأسف يا صديقي، فأنت عزيز علي، ولن أسمح لأحد أن يمسك بسوء، لكن يا محمد كن قويًّا حتى يهابك المتجبرون والمتنمرون، فربما يؤذونك وأنا بعيد عنك، فمن يدفع عنك أذاهم حينها؟!"
فقال محمد:
ـ "لكنني أخاف من أول زمجرة من أصواتهم يا فارس".
قال فارس:
ـ "يا محمد كن قويًّا، ولا تظهر ضعفك، وحاول أن تتقمص الشجاعة، فإنك إن تقمصتها صارت سجيتك، وطبع من طباعك... عِدني يا محمد أن تكون شجاعًا قويًّا".
قال محمد:
ـ أعدك يا فارس، وإني لأشكر لك جميلك هذا ما حييت.
ابتسم فارس في وجه صديقه محمد، وعادا معًا إلى المنزل بسلام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.