قصة «كائن ضعيف» لأنطون تشيخوف.. بيروقراطية الموت البطيء

تجسّد قصة «كائن ضعيف» لأنطون تشيخوف واحدة من أكثر الصور قسوة في نقد البيروقراطية الروسية خلال القرن التاسع عشر، في حوارٍ متوترٍ بين موظفٍ منهك وامرأةٍ بائسةٍ تطلب حق زوجها، يصوّر تشيخوف موت الرحمة داخل المؤسسات، وانهيار التواصل الإنساني تحت وطأة النظام الإداري العقيم، القصة تضع القارئ أمام سؤال جوهري: هل يمكن للبيروقراطية أن تميت القلب قبل الجسد؟

ملخص قصة "كائن ضعيف"

بالرغم من هجمة النقرس عليه ليلًا، لكن «كيستونوف» توجه صباح اليوم التالي لعمله، وبدأ باستقبال عملاء البنك فور وصوله، مع أنه لم يكن يقوى على الكلام وكأنه ينازع الموت. سأل إحدى المراجعات -وكانت ترتدي معطفًا عتيقًا وتشبه خنفساء الروث الكبيرة-: ما حاجتكِ؟

فأجابته: من فضلك، يا صاحب المعالي، إن زوجي الموظف بالدرجة الرابعة عشرة قد ألم به المرض خمسة أشهر، وفي حين كان طريح الفراش يتلقى العلاج أحالوه إلى التقاعد دون سبب. وعندما ذهبت لاستلام راتبه، علمتُ أنهم خصموا منه 24 روبلًا و36 كوبيكًا. فسألتهم: لماذا؟ فقالوا لأنه اقترض من صندوق الأسرة. لكن هذا مستحيل، فليس بإمكانه أن يستلف من دون إذني، فلماذا إذًا يحدث هذا؟ إنني امرأة ضعيفة فقيرة، ثم مدت يدها إلى جيب المعطف باحثةً عن منديل.

فقرأ «كيستونوف» طلبها وقال: المعذرة، إنني لا أفهم شيئًا. من الواضح أنكِ أيتها السيدة قد أتيتِ إلى العنوان الخطأ؛ فطلبكِ لا يمت إلينا بصلة. حاولي أن تتوجهي إلى المكان الذي عمل فيه زوجكِ؛ فنحن لا نستطيع فعل شيءٍ من أجلكِ. فزوجكِ — كما فهمتُ — كان يخدم بدائرةٍ طبية عسكرية، في حين مؤسستنا مدنية بل وتجارية؛ إنها بنك. كيف لا تفهمين هذا؟

فقالت «شوكينا»: يا سيدي، الشكر، كل الشكر لصهري «بوريس ماتفيتش» — أدعو الله أن يمنحه الصحة — لقد نصحني بالمجيء إليك، فقال لي: اذهبي، يا أماه، إلى السيد «كيستونوف»، إنه شخص ذو نفوذ، قادر على القيام بكل شيءٍ من أجلك. لذا أرجو منك مساعدتي، يا صاحب المعالي.

وتابعت «شوكينا» بصوتٍ مستعطف: لدي يا صاحب المعالي تقارير طبية تفيد بأنه كان مريضًا، تفضل وانظر إليها. فقال «كيستونوف»: إنني أصدقكِ، لكني أكرر: إن هذا لا يتصل بعملنا. يا له من أمرٍ غريبٍ ومضحك! من غير المعقول ألا يعرف زوجكِ إلى أين عليكِ أن تتوجهي! اغربي عن وجهي. فقالت: هذا شأنُ مَن إذًا فاستدار «كيستونوف» مرةً أخرى نحوها، وراح يشرح لها الفرق بين الدائرة الطبية العسكرية والبنك التجاري الخاص. وقد استمعتْ له بكل انتباه، وكانت تهز رأسها دلالةً على فهمها لما يقوله. ثم قالت: هكذا إذًا، الآن فهمتُ يا سيدي. في هذه الحالة، أوعِز من فضلك، يا صاحب المعالي، كي يعطوني 25 روبلًا، على ألا تكون كلها دفعةً واحدة.

فقال «كيستونوف» متنهدًا: إنكِ لا تستوعبين شيئًا. إن الحضور إلينا بمثل هذه الطلبات غريب، كالتقدم بطلب طلاقٍ إلى صيدلية! إنهم لم يدفعوا لكِ، فما شأننا نحن؟ بكت «شوكينا» وقالت: دعْني أصلي للرب يا صاحب المعالي أبد الدهر من أجلك، اشفق علي.

شعر «كيستونوف» بخفقانٍ في قلبه، وظهرت على وجهه تعابير معاناة، ثم راح يشرح لها مجددًا وهو يضغط على صدره ، وقال ملوحًا بيده: لا أستطيع الحديث معكِ، حتى إن رأسي قد أُصيب بالدوار، إنكِ تضيعين الوقت عبثًا. ثم توجه إلى أحد الموظفين قائلًا: من فضلك يا «أليكسي نيكولايتش»، اشرحْ للسيدة «شوكينا». وتوجه «كيستونوف» إلى مكتبه، وانشغل «أليكسي نيكولايتش» مع «شوكينا». وظل «كيستونوف» يسمع مدةً طويلةً صوت «نيكولايتش» الجهوري وصوت «شوكينا» الباكي، وهي تعيد ما قالته.

قالت: قد أبدو في الظاهر امرأةً قوية، لكن كيف لأحدٍ أن يعرف أنه لا توجد في جسدي عضلةٌ واحدةٌ سليمة؟ وفي تلك الأثناء كان «أليكسي نيكولايتش» قد أُصيب بالإعياء، فحل مكانه المحاسب. همس «كيستونوف» غاضبًا: إنها امرأةٌ بلهاء.

بعد نصف ساعة رن الجرس، وظهر «أليكسي نيكولايتش». سأله «كيستونوف» مستفهمًا: ما بك؟ فقال له: لم أفلح معها؛ إنني أتكلم في الشرق وهي تتكلم في الغرب. بإمكاننا استدعاء الخدم لإخراجها. قال «كيستونوف» خائفًا: لا، لن أتحمل صراخها، فالبناية فيها سكان كثر، والشيطان وحده يعلم ماذا يمكن أن يفكروا فيه بشأننا. حاول أن تشرح لها مجددًا ، ليأخذها الشيطان! إنها امرأةٌ غبيةٌ بامتياز .

في المكتب المجاور كان «أليكسي نيكولايتش» قد انهار، فقال لها: إن ما على كتفيكِ ليس رأسًا بل… فقالت المرأة العجوز مكسوفة: لا بأس يا جلد التمساح! فنظر «أليكسي نيكولايتش» إليها بحنقٍ وقال لها بصوتٍ مختنق: اخرجي من هنا أيتها الأفعى السامة! فانفعلت «شوكينا» فجأة وقالت: كيف تجرؤ؟ إني لا أسمح لك! إن زوجي موظف من الدرجة الرابعة عشرة. أي جلد تمساحٍ أنت! سأذهب إلى المحامي «دميتري كارليتش»، سوف أجعلك تفقد منصبك! سترتمي عند قدمي بسبب كلامك الوقح هذا! سأصل إلى مديركم، يا صاحب المعالي! فتح «كيستونوف» الباب وقال بصوتٍ يشبه البكاء: ما الأمر؟

كانت «شوكينا» تقف في منتصف الغرفة محمرة الوجه كسرطان البحر، أما الموظفون فقد اصطفوا على كلا الجانبين. انقضت «شوكينا» على «كيستونوف» قائلةً له: يا صاحب المعالي، إن ذاك -ما اسمه…- «أليكسي نيكولايتش» (وأشارت بإصبعها إليه)؛ لقد طلبتُ منه أن يحل لي مشكلتي، لكنه سخر مني. ثم حكتْ له حكايتها مرةً أخرى.

أنطون تشيخوف

قال «كيستونوف»: حسنًا، أيتها السيدة، لقد قلتُ لكِ: هنا بنك، مؤسسة تجارية خاصة؛ فماذا تريدين منا؟ أرجو أن تفهمي. استمعت له «شوكينا»، ثم تنهدت وقالت: أرجوك يا صاحب المعالي أن تعمل معروفًا: أصدر أوامرك كي يعطوني النقود. انهار «كيستونوف» على الكرسي منهكًا، وأخرج من محفظته ورقةً من فئة الخمسة والعشرين روبلًا وناولها إياها.

لفت «شوكينا» النقود بالمنديل وأخفتها، ثم وجهت سؤالًا بابتسامة رقيقة: «ألا يمكن لزوجي — يا صاحب المعالي — العودة إلى عمله مجددًا؟» قال «كيستونوف» بصوت فاتر: «أريد أن أخرج؛ فلدي خفقان رهيب في القلب». وفي أثناء غيابه، أرسل «أليكسي نيكولايتش» «نيكيتا» ليُحضر قطرات الغار والعناب. وبعد أن تناول كل منهم عشرين قطرة، انخرطوا في العمل. أما «شوكينا» فجلست ساعتين إضافيتين، وراحت تتحدث مع الخادم، منتظرةً عودة «كيستونوف»، وقد عادت في اليوم التالي.

لا يقدِّم تشيخوف في «كائن ضعيف» حكاية عن موظفٍ مريض وامرأةٍ جاهلة، بل يقدم مأساة إنسانية مكتوبة بلغة الصمت والعجز. البيروقراطية في قصته ليست نظامًا تنظيميًا، بل مرضًا ينهش الروح، يحوّل الإنسان إلى ترسٍ باردٍ في آلة ضخمة. ولعل عبقرية تشيخوف تكمن في أنه يجعل القارئ يرى في كيستونوف نفسه، وفي شوكينا نتيجة لمجتمعٍ فقد قدرته على الإصغاء.

تنويه: إن ما قرأتموه لا يُغني إطلاقًا عن قراءة القصة.

إذا حاز ما كتبناه إعجابكم، فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة