لطالما كانت الأراضي المصرية الجسر الرابط بين تجارة الشرق والغرب عبر العصور، حيث بدأت الحكاية بسفن تأتي عبر البحر الأحمر لتسلك دروبًا برية نحو النيل ثم إلى موانئ المتوسط، وصولاً إلى قلب أوروبا. لكن التحولات الكبرى بدأت مع حركة الكشوف الجغرافية والتنافس الاستعماري الذي أعاد ترتيب موازين القوة في العالم.
أعاد افتتاح قناة السويس عام 1869 توجيه التجارة العالمية من طريق رأس الرجاء الصالح إلى طريق البحر الأحمر، فاختصر المسافة إلى الهند والشرق، وعزّز الهيمنة البريطانية بشراء أسهم القناة واحتلال مصر عام 1882.
تحول المسارات: من طريق الشرق القديم إلى رأس الرجاء الصالح
كان جانب كبير من تجارة الشرق يأتي عن طريق الأراضي المصرية عبر البحر الأحمر وخليج السويس، ثم تسيرُ في طريق بري إلى النيل، ومنها إلى ثغور مصر على البحر الأبيض المتوسط، ثم تُنقَل عبر ذلك البحر إلى الجزر والمدن الإيطالية، ومن أهمها البندقية وجنوة. وكانت هذه المدن تقوم بتوزيع هذه التجارة الشرقية إلى بقية أجزاء أوروبا الغربية والوسطى.

ثم تحولت السفن التجارية العالمية، إبان التوسع الأوروبي الاستعماري، إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وبعد أن أصبح شق القناة أمرًا محتملًا، لم يكن يوجد ما هو أفضل من بناء الموانئ في البحر المتوسط والبحر الأحمر.
الموقف البريطاني: مخاوف السيادة وتهديد مصالح الهند
لكن الإنجليز كانوا يعارضون تنفيذ مشروع القناة، وكتبوا كثيرًا عن مصاعب هذا المشروع؛ لأنهم خشوا من تحول التجارة الأوروبية، نتيجة شق القناة، إلى كل من مارسيليا وتريستا، ومن ثم منافسة لندن وليفربول.
إلا أن هذا الاحتمال كان بعيد الوقوع؛ نظرًا لأن إنجلترا كانت تملك سفنًا ضخمة ومنتجات هائلة، وهو ما تفتقر إليه مارسيليا وتريستا. وكان الإنجليز يعرفون أن تجارة البحر الأحمر سوف تتضاعف بعد شق القناة، وهو ما أثار مخاوف إنجلترا؛ وذلك لأن القناة سوف تسمح لكل الدول بالتوسع في الشرق، الأمر الذي يهدد الهند. وكان معنى عدم شق القناة هو أن الإنجليز سيظلون محافظين على مركزهم الممتاز في تلك الأنحاء.
حلم الربط بين البحرين: المبادرات الدولية وتحفظات محمد علي باشا
لكن مع بداية القرن التاسع عشر تحدثت الصحف في أنحاء العالم عن الصلة بين البحرين المتوسط والأحمر، وأشارت هذه الصحف إلى أن البحر الأحمر يمتد كقناة طبيعية واسعة نحو الشمال حتى يكاد يقابل البحر المتوسط، وأن الطبيعة، في عملها، قد خلقت هذين البحرين لتسهيل الاتصال بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتركت لعبقرية الإنسان أن توجد الوسائل لإتمام الاستفادة من تنظيماتها هذه.
ولذلك بُذلت عدة محاولات من شركات بريطانية لتذليل العقبات التي تعترض وجود خط ملاحي منتظم بين الهند وإنجلترا عبر البحرين الأحمر والمتوسط. وأُثير هذا الموضوع في مجلس العموم البريطاني في سنة 1834م، وانتهى النقاش والبحث في المسألة إلى القول بأنه، وإن كان إنشاء خط ملاحي تجاري عبر البحر الأحمر بين الهند وإنجلترا يحمل دافعي الضرائب في إنجلترا عبئًا أكبر، إلا أن مثل هذه المواصلات السريعة مع الشرق ستحل كثيرًا من مشكلات الإدارة وتخدم المصالح الإنجليزية في الهند؛ ولذا قرر المجلس أنه يجب أن يُبت حالًا في مسألة اتصال تجاري منتظم مع الهند عبر البحر الأحمر.
وفي فرنسا كانت مقالات ميشيل شيفاليه «Chevalier» في جريدة «Le Globe» في فبراير تتحدث عن أهمية الطريق عبر البحر الأحمر إلى المتوسط، وأُجريت دراسات بدأها في سنة 1834م فورنيل «Fournel»، مهندس المناجم. ولم تؤد جهود إنفانتان «Enfantin» لدى محمد علي باشا إلى نتيجة ما؛ لأن محمد علي فهم أن هذه القناة ستثير اهتمام العالم بأجمعه، وتكون بذلك فرصة للتدخل الأجنبي في مصر.
عهد سعيد باشا: نقطة الانطلاق وعقد الامتياز
ولكن هذا الحذر لم يلبث أن تبدد حينما تولى محمد سعيد باشا ولاية مصر. وكانت مصر تدرك أهمية البحر الأحمر كطريق ملاحي، وأدركت في الوقت نفسه حقيقة الصراع الذي سيدور حول النفوذ في هذه المنطقة لو أُنشئت القناة؛ لذلك كانت سياسة مصر، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وفي النصف الثاني منه على وجه الخصوص، قائمة على هذا الإدراك الكامل لحقيقة الأوضاع في هذه المنطقة.
وعملت مصر، بعد خروج الفرنسيين بحملتهم منها، واضطرار الإنجليز للانسحاب، وبعد أن استقرت الأمور، على تنشيط وتأمين الحركة التجارية عن طريق البحر الأحمر؛ إذ في سنة 1839م أُنشئ خط تلغراف بين السويس والقاهرة، وأصبح المسافر يستطيع البقاء في القاهرة حتى تصل البرقية بموعد مغادرة السفينة لميناء السويس. كما دُرس مشروع مد خط حديدي من الإسكندرية إلى القاهرة، ثم منها إلى السويس، لتسهيل أمر التجارة عبر مصر.

ضاعفت الدولة العثمانية جهودها، منذ بسطت نفوذها على مصر والحجاز، لتجميد النشاط في البحر الأحمر قدر الإمكان؛ فحرمت دخول السفن الأوروبية إلى هذا البحر بحجة أنه يؤدي إلى الأماكن المقدسة الإسلامية.
إلا أن هذه المحاولة لم يُقدَّر لها النجاح في تجميد الملاحة الدولية؛ إذ لم يستمر الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح على اعتبار أنه طريق طويل، في حين أن طريق البحر الأحمر هو الطريق القصير الذي يوفر من الوقت والجهد والمال القدر الكبير، خاصة مع التغيير الذي طرأ على الملاحة في البحر الأحمر باستخدام السفن البخارية التي تمخر عباب هذا البحر؛ وهو ما جعل طريق رأس الرجاء الصالح يبدو عقيمًا منذ بداية القرن التاسع عشر؛ لأنه لم يساير الثورة الاقتصادية، بالإضافة إلى أن العلاقات التجارية والسياسية كانت في زيادة مستمرة وتستلزم الاتصال السريع.
كل ذلك وجَّه الأنظار إلى هذا الطريق القصير، طريق البحر الأحمر؛ وفي مقدمة الدول التي ركزت أنظارها على ذلك إنجلترا وفرنسا.
واستطاع فرديناند دي لسبس «Ferdinand de Lesseps» أن يقنع خديوي مصر سعيد باشا، وحصل منه على عقد امتياز حفر قناة السويس، وكان ذلك في نوفمبر سنة 1845م. وفي هذا الوقت كان المشروع يخص دي لسبس دون أن تشعر به الحكومة الفرنسية؛ إلا أنه بعد ذلك دخل في إطار السياسة، لأن الخديوي احتاج إلى تصريح من الباب العالي، على اعتبار أن سعيد باشا كان تابعًا للسلطان.
صراع الأسهم والنفوذ: فرنسا وإنجلترا على مائدة القناة
وحينها دخلت المنافسة بين فرنسا وإنجلترا في طور مهم؛ ففي يناير سنة 1855م وافق نابليون الثالث على مشروع القناة، إلا أن هذه الموافقة كانت شخصية؛ لأنه لا يريد الدخول مع إنجلترا في حرب، ولكنه كان يرى أن هذا التحفظ مؤقت؛ إذ حينما تشترك رؤوس الأموال في العملية، فإن المقاومة لا بد أن تختفي.
وفي نوفمبر سنة 1858م طُرحت الأسهم في الأسواق، وذلك بطرح أربعمائة ألف سهم؛ سُلِّم منها للخديوي شخصيًّا 54 ألف سهم، وحُجز منها للمصريين 22 ألفًا، والباقي طُرح منه في الأسواق المالية، ومقداره 314 ألف سهم. استوعبت الأسواق الفرنسية منها 217 ألفًا، ووُزِّعت بين 21 ألف مشترك، ولم تتقدم إنجلترا ولا روسيا ولا النمسا لشراء شيءٍ من هذه الأسهم. وكان بلمر ستون، رئيس وزراء إنجلترا، قد نصح أصحاب الأموال الإنجليزية بعدم المساهمة في بناء المشروع؛ حتى لا تتمكن الشركة من تجميع الأموال اللازمة لتكملة المشروع.
وعندما أُثير موضوع القناة في مجلس العموم البريطاني في يونيه سنة 1858م، أعلن بلمر ستون أن قناة السويس سوف تعمل في المستقبل على انحلال الدولة العثمانية، وأن السكة الحديدية بين القاهرة والإسكندرية كافية لخدمة مصالح إنجلترا أكثر من القناة.
إلا أن وزير الخارجية جلادستون بيَّن في الجلسة نفسها زيف هذه الفكرة، وذكر أن القناة مجرى مائي؛ إذا قُدِّر لها أن تقع في يد أية دولة، فستقع في يد أقوى الدول البحرية، وهي إنجلترا، وطلب من الأعضاء أن ينظروا إلى مشروع القناة لا كمشروع سياسي، ولكن كمشروع تجاري قبل كل شيء.
اقتراح ديليسبس
ولما كان ديليسبس يواجه صعوبات مالية، فقد اقترح على الخديوي أن تُباع القناة لدول أوروبا البحرية، وكان يأمل من وراء ذلك إنقاذ الموقف، وأن يضمن بذلك أن تصبح القناة على الدوام محايدة. لكن الباب العالي كان على حق حين أوضح أنه لا يمكن، من جهة المبدأ، إقرار بيع القناة أو تكوين إدارة دولية في أراضٍ هي ملك له؛ حتى إن مسيو ديليسبس نفسه لم يكن له الحق في إثارة مسألةٍ تلك حقيقتها أن شركة قناة السويس شركة مصرية، وهي بهذا الوصف خاضعة لقوانين الدولة العثمانية وعاداتها.
بدأت عمليات الحفر، وتغير الموقف في أكتوبر سنة 1859م حين وعد نابليون الثالث ديليسبس بالتأييد، إلا أن إنجلترا شجعت في ديسمبر 1859م حملةً صحفيةً تهدف إلى زعزعة الثقة في الشركة، واستطاعت إنجلترا أن تحصل على فرمان من الدولة العثمانية بوقف الأشغال بعد أن أوضحت للباب العالي أن مصر ستتخلى عن الروابط التي كانت لا تزال تربطها مع الدولة العثمانية.
إلا أن ديليسبس استطاع أن يتغلب على هذه الصعاب؛ ففي 19 مارس سنة 1866م وافقت الحكومة الإنجليزية على عقد الامتياز بشرط أن يكون الإشراف الذي تمارسه فرنسا على المشروع مجرد إشراف مالي. وبعد أن انجلت الصعوبات السياسية، أعطت الشركة دفعةً للأشغال بسرعة أكبر، ووجدت بسهولة السندات المالية.
وعندما تقدمت عمليات الحفر، قدَّرت إنجلترا الأخطار التي تحدق بمصالحها في الهند من جراء بقاء القناة في أيدي شركة غالبًا ما كانت فرنسيةً، فحاولت أن تدرأ هذه الأخطار بسلسلة من التدابير الفعالة؛ فبذلت أولًا جهودًا عظيمةً لتقوية مركزها في مدخل البحر الأحمر وسواحل الجزيرة العربية، فوسعت منطقة الاحتلال في عدن، وبسطت حمايتها على النواحي المجاورة لها.
واحتلت زيلع وبربرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وفرضت معاهدات حماية انفرادية مع أمراء سواحل الجزيرة العربية، وشملت هذه الحماية جميع أقسام حضرموت وقطر وعُمان والبحرين والكويت. وأتبعت ذلك بشراء أسهم مصر سنة 1875م، ثم باحتلال مصر سنة 1882م؛ وبذلك كانت خطة بريطانيا تضمن السيطرة التامة على طريق الهند.
افتتاح قناة السويس: فخامة الاحتفال وطموحات الاستقلال
وكان افتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر سنة 1869م في احتفال كبير يسوده قدرٌ بالغ من الفخامة؛ وأنفقت الحكومة المصرية الأموال الطائلة، واشترك في الاحتفال عدد كبير من ممثلي البلاد الأجنبية، وأُقيمت القصور الفخمة والبيوت الفاخرة لاستقبال الوفود المشاركة.

وفي يوم الافتتاح سارت 67 سفينة في شكل استعراضي بالقناة، وفي مقدمتها اليخت الفاخر الذي أُطلق عليه اسم «أوجيني» تكريمًا لإمبراطورة فرنسا التي كان يحملها ذلك اليخت، واستمرت الاحتفالات عدة أسابيع. وبمعنى آخر، كان الافتتاح عالميًّا، وله أهميته الكبرى بالنسبة للعالم؛ بدليل حضور غالبية مندوبي الدول الكبرى.
ويذكر شونفيلد، هيو ج، أن البحث الحديث أثبت أن إسماعيل كان يرمي إلى هدف آخر من حفلات الافتتاح؛ فلم يكن غرضه الرئيسي من إقامة هذه الزينات إلا إعلان استقلال مصر استقلالًا تامًّا! وكان قد قضى سنين قبل ذلك وهو يحاول انتزاع استقلال مصر من الباب العالي، ثم قدَّر أنه يستطيع إعلان هذا الاستقلال في حفلات الافتتاح.
دعوة نابليون الثالث
وكان نابليون الثالث محور السياسة الأوروبية؛ لذلك فكر إسماعيل في دعوته إلى هذه الحفلات حتى يكون إعلان استقلال مصر أمام عاهل فرنسا وممثلي ملوك أوروبا. وحاول إسماعيل أن يتصل بنابليون ليدعوه إلى حفلة الافتتاح، وأرسل رسولًا ليتصل بالإمبراطور، ولكن الباب العالي أحس بنوايا إسماعيل، فاتصل بنابليون الثالث من الناحية الأخرى. وقدَّر نابليون حرج مركزه، فلم يقابل شاهين باشا رسول إسماعيل، وقابلته الإمبراطورة أوجيني، وقبلت الدعوة نيابةً عن زوجها.
وكانت بعض الدول الأوروبية ترغب في مساعدة إسماعيل باشا في تنفيذ رغبته؛ فملك إيطاليا فكتور إيمانويل أرسل سفنه تحت قيادة ولي عهده إلى الإسكندرية، ونابليون أوعز لزوجته أوجيني، عند سفرها، بمساعدة الخديوي، إلا أن الدولة العثمانية وإنجلترا اعترضتا على تلك المحادثات السرية، وشددت إنجلترا على ذلك حتى التزمت إيطاليا بإرجاع الأساطيل من ثغر الإسكندرية؛ فلم تحضر الاحتفال بافتتاح قناة السويس، وبذلك ضعفت فكرة الاستقلال عن الدولة العثمانية لدى إسماعيل.
وبافتتاح قناة السويس أصبحت هذه القناة جزءًا من جغرافية العالم الطبيعية والسياسية؛ فقد وصلت بين قارتين، وأصبحت من الشؤون الدولية المهمة، وعُدَّت من أهم المجاري المائية البحرية في العالم؛ إذ ربطت بين الشرق والغرب، وأحكمت الصلة بينهما، وأصبحت أقصر وأقرب طريق للدول الأوروبية ومستعمراتها في الشرق. واجتمعت الدول الأوروبية عند افتتاح القناة على أن هذا العمل الذي نجح أخيرًا سيكون عالميًّا في الفوائد التي سيعود بها على الناس.
وعلَّق مستر «Brace»، قنصل إنجلترا في مصر: «إن شق القناة قد أدى إلى زيادة المواصلات التجارية بين أوروبا والبلاد الواقعة على البحر الأحمر، وأن مراكز الدول الأجنبية سوف يزداد نفوذها في هذه البلاد، ومن المنتظر أن تقع منازعات بينها وبين تلك الشعوب، وحينئذ يمكن اتخاذ القناة وسيلةً للتدخل الملح في شؤونها، وهذا التدخل يقضي على الاحتلال الدائم، وهذا ما يُتوقَّع في مصر ذاتها!».
وكتب إيرل كلارندن «Earl Clarendon»، وزير الخارجية البريطاني، إلى ديليسبس خطابًا قال فيه: «إن الافتتاح الموفق الذي أصابته قناة السويس قد استقبله العالم أجمع بالرضى، وإني، إذ لي الشرف بأن أهنئكم وأهنئ الأمة والحكومة الفرنسية على اهتمامها بمشروعكم اهتمامًا عميقًا لم يتزعزع، فإني أعلم أنني أمثل عواطف أبناء بلدي تمثيلًا صادقًا.
وعلى الرغم من العقبات المتعددة الأشكال التي كان عليكم أن تجاهدوها، فقد لقيتم أخيرًا نجاحًا عظيمًا جزاءً وفاقًا على عزمكم الصادق الذي لم يعرف الكلل؛ وإني لأجدني مخلصًا في سروري إذ أنقل تهنئات حكومة جلالة الملك إليكم على إنشاء طريق جديد للمواصلات بين الشرق والغرب، وعلى الفوائد السياسية والتجارية التي تتطلع إليها بثقة نتيجة لمجهوداتكم».
الانقلاب الصناعي: المحرك الخفي لشق القناة
وفي الوقت الذي افتُتحت فيه قناة السويس ظهر ما يُسمَّى بالانقلاب الصناعي؛ ونتيجة لذلك بدأ احتياج دول غرب أوروبا إلى المواد الخام اللازمة للصناعة، والمتوفرة في مستعمرات الشرق؛ كذلك نشأت رغبة دول غرب أوروبا في إيجاد أسواق لتصريف منتجاتها الصناعية، فضلًا عن استثمار رؤوس الأموال فيها، بجانب الرغبة في الهجرة نتيجة لازدياد عدد السكان.
كما صاحب التطور الصناعي تطورٌ في صناعة السفن، وكذلك في وسائل المواصلات الأخرى كالسكك الحديدية، نتيجة لاستخدام البخار في تشغيل الآلة. وترتب على ذلك كسادٌ في الإنتاج الصناعي لصعوبة تصريف ما يفيض عن الاستهلاك المحلي؛ وفكرت الدبلوماسية الأوروبية في البحث عن مستعمرات جديدة في آسيا وإفريقيا لإنهاء تلك الأزمة.
وفي هذا المجال كانت بريطانيا، التي سبقت غيرها في استخدام الآلات، وقد أمكنها في سنة 1870م أن تصرف نصف الناتج من الصلب في العالم، وثلاثة أضعاف ما أنتجته أية دولة أخرى. وبمثل هذه النسبة تفوقت في المصنوعات القطنية، وتجاوزت تجارتها الخارجية ضعف ما بلغته التجارة الخارجية لأي بلد آخر؛ وتمخض عن كل ذلك اشتداد روح المنافسة بين دول غرب أوروبا.
واتسم هذا التنافس، في بادئ الأمر، بالطابع الاقتصادي؛ وسرعان ما غلبت عليه النزعة الاستعمارية، كما ذكرت، نتيجة للتيارات السياسية التي كانت تموج بها القارة الأوروبية في ذلك الوقت.
وإن كان الهدف من شق قناة السويس هو تصريف البضائع والمصنوعات الأوروبية في أسواق الشرق واستيراد المواد الخام، فإن القناة تكون في خدمة المصالح العالمية. وإذا رغبت فرنسا في سوق لمنتجاتها في شرق البحر المتوسط لتهدد بها التجارة الإنجليزية، فعليها، أي فرنسا، أن تنمي هذه السوق؛ وذلك بأن تعيد لمصر رفاهيتها وتجعلها بابًا إلى الشرق ومنفذًا لضرب بريطانيا في الهند. وبذلك يكون مصير مصر قد ارتبط بالتطور الاقتصادي العالمي؛ وبالتالي فإن كيان مصر يتأثر بشدة، وتلك تؤثر في العالم كله أكبر الأثر وأعمقه؛ وذلك هو الانقلاب الصناعي الذي مر بنا آنفًا.
كانت أسواق الهند، في السنوات الأولى من افتتاح القناة، في المقام الأول من ناحية استغلال الدول الصناعية لها؛ إذ كانت الحمولة الذاهبة إليها ومنها عبر القناة أكبر بنسبة ما من غيرها، ثم تغيرت هذه النسبة؛ إذ تضاءلت شيئًا فشيئًا، وحلت محلها التجارة مع الصين واليابان ودول الشرق الأقصى. وهذا التطور يرجع إلى تطور الاستعمار وانتشار حلقاته، وارتباطه بالسياسة الدولية ونموها.
السيطرة البريطانية: من المعارضة إلى الاحتلال الكامل
أما أهمية القناة بالنسبة لإنجلترا فقد كانت أهمية كبيرة تزداد مع مر السنين؛ وجاء شق القناة بالنسبة لها ولإمبراطوريتها وتجارتها حدثًا هائلًا، كأكبر دولة بحرية استعمارية ظهرت في العالم؛ إذ يمتاز هذا الطريق بأن إنجلترا تستطيع، ببحريتها المتفوقة، حماية تجارتها وسفنها. ومنذ الافتتاح أصبح هذا الطريق، إلى حد كبير، تحت رحمة القوة البحرية الإنجليزية، خاصة بعد الكارثة السياسية والبحرية التي مُنيت بها فرنسا في الحرب السبعينية.
وبذلك لم تعد أهمية القناة، في نظر إنجلترا، قاصرة على وقت السلم، بل كذلك في وقت الحرب؛ إذ أصبحت القناة الطريق الرئيسي لمرور السفن والقوات والمعدات الحربية الإنجليزية إلى شرقي إفريقيا والشرقين الأوسط والأقصى وأستراليا ونيوزيلندا؛ كما أصبحت القناة الطريق الرئيسي لمد نفوذ بريطانيا وسلطانها في شرقي العالم وفي آسيا، وقامت على ذلك الاستراتيجية الدفاعية للإمبراطورية.
سعت إنجلترا بعد ذلك للحصول على أسهم القناة، حتى حصلت على نصفها تقريبًا، وهو ما أدى إلى اندمال الجراح القديمة بين فرنسا وإنجلترا، التي كانت بسبب المسألة المصرية؛ فأعلن كليمنصو في خطابه في المجلس النيابي الفرنسي المنعقد في يونيه سنة 1883م: «أن بريطانيا وفرنسا تشتركان في مصلحتين رئيسيتين؛ أولهما حرية قناة السويس، وثانيهما إدارة الشؤون المصرية إدارةً صالحةً». بعد ذلك تطور الموقف؛ فكان الاحتلال الإنجليزي لمصر وسيطرتها على قناة السويس سنة 1882م.
وساعد استمرار السيطرة الإنجليزية على قناة السويس، بالرغم من اتفاقية القسطنطينية سنة 1888م بشأن حرية الملاحة في القناة، على جعل القناة من أهم عوامل المنازعات الاستعمارية؛ وزاد حادث فاشودة سنة 1898م من حدة النزاع بين المتنافسين الرئيسيين في مصر، إنجلترا وفرنسا، حتى أصبحت إنجلترا على وشك الحرب مع فرنسا! واستمر هذا التنازع يتصاعد طوال السنوات التالية حتى توقيع الاتفاق الودي بين فرنسا وإنجلترا سنة 1904م.
النهضة العمرانية والملاحية: ازدهار موانئ البحر الأحمر والمتوسط
ونتيجة لافتتاح قناة السويس اهتمت الحكومة المصرية بإنشاء خطوط بريدية لتربط بين الموانئ، كما افتتحت مكاتب بريد في كل ميناء على البحر الأحمر، وأدركت الحكومة أهمية نظام البريد؛ فكلفت الشركة العزيزية بتخصيص سفينة تتحرك كل ثلاثاء من السويس إلى جدة، في حين تقوم أخرى من سواكن ومصوع حاملةً البريد إلى جدة ومنها إلى مصر.
ونتيجة لعودة طريق التجارة العالمية إلى البحر الأحمر، نشطت الحركة في ميناء السويس بعد أن أُتم بناؤه في عهد إسماعيل؛ وكان سعيد قد بدأ بناءه في سنة 1856م، وأصلح الطريق بين السويس والقاهرة، ووُصل بالخط الحديدي: السويس – القاهرة – الإسكندرية.

وبعد مزاولة الشركة المجيدية نشاطها في البحر الأحمر أصبح ميناء السويس مهمًّا للخطوط الملاحية في البحر الأحمر، وكانت شركة ديبير الفرنسية قد وسَّعت ميناء السويس وأصلحته، وأقامت حاجزًا حجريًّا لصد الأمواج وتأمين السفن، وأُنشئ حوض عائم لإصلاح السفن بالميناء، كما أُنشئت عدة فنارات لهداية السفن.
وبعد افتتاح قناة السويس أصبح للميناء مركزٌ خاص؛ لأنه مدخل القناة التي تربط بين بحرين من أهم البحار، وساير الميناء حركة السفن في القناة، وأخذت الأهمية والعناية تزداد يومًا بعد يوم بازدياد الملاحة في القناة.
كما نشطت الحركة في ميناء القصير على البحر الأحمر، وهو يواجه قنا على النيل؛ وتضيق المنطقة الصحراوية التي تفصل بينهما، ويوصل بين القصير والنيل وديان معروفة، ولهذا الميناء أهمية خاصة في أوقات الحج. ويقابل هذا الميناء، على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ميناء الوجه من ثغور ولاية الحجاز، وفيه أُقيم فنار لهداية السفن. أما ميناء برنيس فيقع قرب رأس بناس على البحر الأحمر، وتقابله على النيل تقريبًا مدينة أسوان؛ وقد اهتمت الحكومة بتعمير الطرق البرية التي توصل بين قنا والقصير وبرنيس وسواكن، وربطتها بخطوط تلغرافية.
كما اهتمت الحكومة المصرية بميناء سواكن باعتباره ميناء السودان الرئيسي من جهة البحر؛ وعن طريقه يمكن تنظيم اتصال مصر بالسودان. واهتمت الإدارة المصرية بإصلاح وترميم مرسى السفن بها، كما اهتمت بربط سواكن بأجزاء السودان الأخرى بخطوط تلغرافية، وبحثت مشروع مد خط حديدي من سواكن إلى بربرة ومنها إلى شندي.
وعندما زادت الحركة في ميناء سواكن عُيِّن ضابط بحري لمراقبة السفن وحفظ الأمن وتطبيق القوانين البحرية بالميناء، وأُنشئت المخازن لحفظ البضائع الواردة والصادرة وصيانتها حتى يتم التعرف إليها. كذلك ازدهر ميناء طوكر وميناء عقيق، اللذان يقعان جنوب سواكن؛ ولما زادت أهمية طوكر كميناء بحري عُيِّن لها مأمور خاص.
واهتمت حكومة إسماعيل باشا بميناء الإسكندرية؛ إذ وسَّعت الميناء وأقامت حوضًا عائمًا من الحديد سنة 1868م، وأُقيم حاجز ضخم لصيانة السفن والميناء من الأمواج والعواصف، كما أُنشئت عدة أرصفة للشحن والتفريغ. وكان من الأعمال التي ساعدت في تسهيل حركة الملاحة للسفن في البحرين المتوسط والأحمر إنشاء الفنارات على سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط وخليج عدن، حتى بلغ عددها خمسة عشر فنارًا.
أما الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية فقد استمر يحتل أهمية بعد افتتاح القناة، وتحول الطريق الرئيسي للملاحة إليه بسبب إشرافه على طريق الهند وسيطرته على المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر؛ وهو ما جعل إنجلترا تحرص على حماية نفوذها فيه وبسط حمايتها على جميع أجزائه. فميناء عدن ازدادت أهميته مع استخدام السفن البخارية ومع افتتاح قناة السويس، وكان موضوع حماية الميناء يُعَدُّ من أهم المهام في نظر الإنجليز؛ ومن ثم عملوا على تقوية منشآته وتزويد جزيرة بريم بالمدفعية.
القناة جزء من جغرافية العالم السياسية
أما الحركة في قناة السويس فقد أخذت في الازدياد سنة بعد أخرى؛ فمثلًا في شهر أغسطس سنة 1871م عبرت 60 سفينة تحمل 65,370 طنًّا، في حين عبرت في نفس الشهر من سنة 1872م 82 سفينة تحمل 95,233 طنًّا. وكانت السفن الإنجليزية هي أكبر السفن العابرة؛ إذ بلغ عددها 55 سفينة، منها 6 سفن بخارية، وسفينة واحدة فرنسية عادية، و6 سفن إيطالية، منها 3 سفن بخارية، و4 سفن عثمانية، و3 سفن برتغالية، وسفينتان ألمانيتان، وسفينة إسبانية، وسفينة سويدية، وأخرى مصرية.
ومن ذلك يتبين أن القناة أصبحت ممرًّا عالميًّا، وأن أكثر السفن تحمل الجنسية الإنجليزية على اعتبار أنها دولة استعمارية وصاحبة أكبر أسطول بحري؛ لذلك كان يهمها أمر القناة أكثر من أية دولة أخرى. أما السفن العثمانية الأربع فكانت منها ثلاث تابعة للحكومة، واتجاهاتها من بيروت إلى القنفذة، وأخرى من جدة – إستانبول، والثالثة من البصرة – إستانبول.
وهكذا، بعودة التجارة العالمية لطريق البحر الأحمر، دبت الحياة من جديد في هذا البحر؛ وبعودة التجارة العالمية ازدهر هذا البحر، وقامت الموانئ الجديدة على شاطئيه الشرقي والغربي، وازدهرت الموانئ القديمة وازدادت أهميتها، كميناء جدة وعدن والمخا والسويس، واهتمت الدول الأوروبية بهذا البحر، وأخذت تبحث عن نقاط استراتيجية لتتمركز فيها، وأصبحت منطقة البحر الأحمر منطقة صراع عالمي.
كما أن عودة التجارة للبحر الأحمر كان لها الأثر الطيب في أوروبا؛ إذ أخذت السلع تنخفض قيمتها الشرائية، كما كانت ثمة أيضًا حركة انتعاشية في موانئ البحر الأبيض المتوسط.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.