- أكمل يوسف صلاة الفجر وعيناه دامعتان، يدعو لأمه بالحنان الذي غمرته طوال حياته.
في قلب الأسرة، كانت الأم تتوهج كشمعة تُضيء طريق الجميع، باستثناء حبها ليوسف كان ارتباطًا روحيًّا عميقًا لا يُحد، وكل لحظة من حياتها كانت مملوءة بأفكارها وقلقها تجاه أبنائها، همها الأكبر أن تكون لهم سندًا وملاذًا آمنًا في كل الظروف، وتتمنى أن تنقل لهم ذلك الشعور الحكيم الذي امتلأت به طوال حياتها.
يوسف الذي يعيش في مدينة تعز المحاصرة، كان يشتاق لأمه ولأسرته بشغف.
كانت آخر زيارة له قبل أشهر، تحملت مشقة الطريق الوعرة لتراه.
تلك الرحلة كانت تعبيرًا عن حبها، وكأنها كانت وداعًا. قلبه مليئًا بالحنين، يتذكر كيف كانت تهمس له بكلمات الاطمئنان، وتمنياتها بأن يبقى قويًّا.
بعد تفكير طويل أسرع يوسف وحمل هاتفه المحمول بيديه المرتجفتين، قال بصوت متحشرج:
- "مرحبا أمي! ماذا بكِ؟ أنا قلق عليك!"
عندما اتصل بها، كانت ترفع نبرة صوتها بصعوبة، محاولةً إظهار قوتها وصلابتها التي تتمتع بها، كل ما يهمها أن تبقى مصدر إلهام وأمان لعائلتها، لكنها فشلت هذه المرة صمت ثقيل، ثم سمع أمه تتنهد بألم:
- "يا بني، أنا متعبة، والحمد لله."
انتابه الذعر والحزن، وهو بعيدًا عنها، وركبتاه خانتاه وهو يسمع الكلمات المدمرة:
- "لا، لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا! أنتِ لا تزالين قوية يا أمي. سآتي إليك الآن على الفور!".
لكنها ردَّت: "لا تنكسر وتتعب نفسك، لقد عشت حياة طيبة بفضلكم، أريد أن أراك قويًّا ومتماسكًا."
حتى في أيامها الأخيرة، وعلى فراش المرض، كانت تحاول جاهدةً إخفاء آلامها عن أحبائها، فلا تريد أن تكون عبئًا عليهم أو أن تزيد من قلقهم؛ ثم انقطع الاتصال. جلس يوسف وحيدًا، قلبه ينخلع من الألم.
اشتد المرض على الأم فجأة، وبدأت تعاني آلامًا حادة في الكلى واحتباس للسوائل وصعوبة في التنفس.
كانت تتقلب على السرير، تعاني الحمى، في حين كان أبناؤها وبناتها يتناوبون على الجلوس بجانبها، أعينهم مملوءة بالقلق والخوف.
كانوا يحاولون تهدئتها، يقدمون لها الماء، ويطلبون منها أن تأخذ الأدوية، لكن يبدو أن الألم كان أقوى منها، ويوسف وحده من يشعر بمرارة الألم المضاعف.
كانت تبتسم لهم على الرغم من معاناتها، محاولةً طمأنتهم، لكن في أعماقها كانت تخشى ما قد يحدث، القلق يضرب قلبها على مصيرهم بعد رحيلها:
- "سأكون بخير، لا تقلقوا".
تبعث فيهم الطمأنينة، ويشتد فيها الآلام. تفاقم وضعها، قرر الأبناء نقلها بسرعة إلى المستشفى.
لحظات الانتظار في سيارة الإسعاف مليئة بالتوتر والقلق، تحاول الأم إظهار قوتها، لكن أنفاسها كانت تتقطع، ولدها الأصغر يجلس بجانبها، يمسك بيدها، يحاول أن يشعرها بالأمان.
بينما كانت أخواته في الخلف، يبكين بهدوء، يستعدن لذكريات الطفولة، ويتمنين أن تعود تلك الأيام البسيطة، وصلت إلى المستشفى، بحالة صحية متدهورة، وعلى الرغم من خطورة وضعها، كان بالها مشغولًا بأبنائها وسؤالهم عن أحوالهم. تنظر إليهم بعينيها المتعبتين، وتقول:
- "لا تبكوا، أنا هنا."
لكنهم كانوا يعلمون أنها بحاجة إلى دعمهم أكثر من أي وقت مضى، وقبل ساعة من وفاتها، كانت تسأل عن ولدها يوسف، الذي لم يستطع الحضور؛ بسبب ظروف مدينة تعز المحاصرة، طلبت من أبنائها ألا يتعبوه:
- "عندما أموت، أدخلوني إلى المدينة التي فيها حتى لا يأتي ويتعب."
تلقى يوسف خبر وفاة والدته، وكان الخبر مدمرًا، شعر بصدمة عارمة، وعجز عن التفكير أو التصرف.
جلس في صمت، يحاول استيعاب الخبر الذي لم يكن مستعدًّا له، بدأت الأفكار تتدفق في عقله، تذكر اللحظات الجميلة التي قضاها معها، وكيف كانت تحتضنه بدفء وتواسيه في أوقات الحزن، يشعر بألم لا يوصف وفراغ لا يمكن ملؤه. بعد مرور بضعة ساعات، قرر السفر إليها، لكنه تذكر أنها طلبت منه ألا يأتي عند موتها، فقرر أن يراها قبل دفنها، وطلب من الأسرة أن تدخلها إلى منفذ المدينة.
عندما وصل، شعر بالقلق والخوف من رؤيتها في هذا الوضع، هذا اليوم الأكثر صعوبة في حياته، لكنه أراد أن يلقي نظرة أخيرة عليها، اقترب من السيارة التي تحمل والدته وصعد، وأمعن النظر في وجهها الساكن وملامحها الملائكية.
جلس بجانبها وبكى بحرقة، وهمس لها كلمات الوداع والحب، شعر بنوع من الشفاء الداخلي لرؤيتها.
بعد مرور ساعة معها، ودعها على الرغم من التعب، طوال رحلة العودة إلى البيت، كان صامتًا ومتأملًا في خياله الحزين وذكرياته الجميلة، شعر في قلبه بشعور بالسلام البالغ، لقد ودع والدته الحبيبة، وعلم أنها في مكان أفضل الآن.
الفراق لم يكن سهلًا على بقية الأسرة، المشاعر تتدفق في قلوبهم، فجدتهم بمنزلة أم تبعث الحنان والحب لكل الأسرة.
حفيداتها كن يجلسن في الزاوية، أعينهن متورمة من البكاء، يتذكرن كيف كانت تقص عليهن القصص قبل النوم، وكيف تحتضنهن بحنان، وتمنحهن شعور الأمان في لحظات الخوف.
- "كيف سنعيش دونها؟" قالت إحدى الحفيدات، ودموعها تسقط على خديها.
- "لقد كانت دائمًا هنا لتحتضننا، كيف نستطيع الاستغناء عن هذا الحب؟" أضافت أخرى، وهي تشعر بالفراغ الذي خلفته رحيلها.
«تُعتبر البيوت التي تحتضن الجدات من أكثر الأماكن بركة وسعادة، فهي تمتلك روحًا خاصة تجعلها ملاذًا للراحة والسكينة.
في هذه البيوت، يتنفس الجميع هواءً مليئًا بالحب والرعاية، تُشع الجدة بحكمة عمرها وتجاربها، ما يجعل الأجواء مفعمة بالأمان.
تتمتع الجدات بقدرة فريدة على منح الطمأنينة، حتى في أصعب الظروف.
فالأبناء، مهما تقدم بهم العمر، يجدون في أعينهن مرآة تعكس عطفًا وحنانًا يُشعرهم بأنهم دائمًا أطفال، قادرون على التعبير عن مشاعرهم دون خوف من الحكم.
وجود الجدة في الأسرة يعني وجود شخصية قادرة على تعزيز الروابط الأسرية وتذكير الجميع بأهمية الحب والتفاهم.
ونعمة تتجاوز مجرد العلاقة الأسرية، فهي تمثل رمزًا للعطاء والتضحية، ويمكن اعتبارها أمًا ثانية للأبناء،
فكل لحظة تُقضى برفقتها تكون بمنزلة دروس في الحياة.»
حقيقى رائع لقد جسدت حالتى
عند رحيل أمى لقد ابكتنى ي صديقى
بعد مرور ٦سنوات.
وهذا ان دل دل على التمكن والإبداع
والإحساس العالى لمبدع قادر
على تجسيد الكلمات 🙏❤
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.