قطار رقم 81 القائم من محافظة أسوان والمقرر وصوله إلى محطة مصر في الساعة العاشرة والنصف مساء، في ليلة من ليالي الخريف، يتأرجح الجو بين الدفء والبرودة، تلك ليلة باردة..
وهناك على رصيف محطة، ينتظر القطار شاب يرتدي الجينز الأزرق، ينزوي تحت عمود مظلة في وقت الأصيل، يضربه الخوف، لا عقل يفكر، ولا أذن تسمع، ولا عين ترى، ينكمش وينفرد من شدة ما به، يصول ويجول بخيالاته حتى وصل إلى لحظة هي الفاصل في حياته، إنه الانتحار، لمَ لا، فقد أحسَّ براحة في فعل ذلك، لمَ لا يفعله ليزيل عنه ما لا يطيق، لن يشعر بالألم بعد الآن، سيحتمل عجلات هذا القطار وهي تدهس عنقه للحظات بعدها لن يشعر بألم آخر.
في صباح يوم سبتٍ -وكل سبت مشؤوم- يستيقظ صاحبنا من ليلته -ولم تكن ليلة واحدة بل كان دهرًا من الظلام الحالك والكوابيس المرعبة- على واقعه المرير الذي يرفضه بشدة، يرتعد من البرد كعادته رغم دفء الجو، ولحظة أن يدرك ذلك يسبح في دموعه، ثم يحاول الوقوف فيتخبط كالذي يتخبطه الشيطان من المس، يتوضأ ويصلي ثم يسبح مرة أخرى في دموعه وخيالاته، كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ ظل الحال حتى عصر هذا اليوم يوم السبت، عزم على السفر وقلَّ حقيبته التي تتكون من بعض الأقمشة التي بالكاد تقيه صقيع الليل، ساروا معًا هو وأصدقاؤه الصادقون حتى المحطة التي سيستقل منها القطار.
هكذا حاله مذ أيام لا طعام يشتهي ولا جوع يقترب منه، انكمش تحت أحد أعمدة المظلات وانخرط في تفكيره لا يعرف ماذا يفعل، كيف ينجو من كل هذا، وأي سبيل لذلك، استيقظ من حلمه على صافرة قطار مطور يستعد للانطلاق..
نظر إليه صاحبنا بعيونه الدامية، وكأنه يناديه: "عندي ما تريد، عندي ما تريد" فكر قليلًا ثم قال في قرارة نفسه: "ماذا لو احتضنتني هذه العجلات؟ أليس هذا أفضل؟ ما أنا فيه؟ ربما أتألم وربما لا، وعلى أي حال فهو سبيل خروجي الوحيد مما أنا عليه، ضجيج سيستمر لبضعة أيام ثم سيهدأ، فاجعة تصيب الأهل والأقارب ثم ينسونني، أما أنا فسيهدأ قلبي ويسكن جوفي".
لحظات يشتعل الرأس لها شيبًا، هدوء يعم المكان، النهار مودع والظلام قادم، سكون ما قبل العاصفة، بينه وبين ما يتمنى ثوانٍ معدودات، سيموت حتمًا، فلا مفر مما هو عليه إلا الموت، فقد ضاقت واستحكمت حلقاتها لكنها لم تنفرج.
تأهب العشريني لتنفيذ فعلته، متحمسًا لها، متجهًا نحو القطار، مرحبًا به، ينظر إلى العجلات وهي تلتف متسارعة، يفترش القضبان، ويتلحف العجلات، حديد فوقه حديد، بينهما لحم ودم، يدهسه، الرأس في الغرب والجسم في الشرق، غاب عن الوعي، وعيناه تبصران ما تبصران، لكنه توقف لسبب ما، لا يعرفه، ربما هاتف هاتفه، أو سكون وقر في قلبه، لا يعرف، لقد كان هذا وشيكًا، استقر مكانه وبينما هو يفكر حتى وصل ما ينتظر، قطار 81 يطلق صافرته المبحوحة في استقباله لأرصفة المحطة.
استقل القطار وصار يبحث عن أين يجلس، حتى وصل إلى مكان شاغر، حتى يأنس بوحدته، تتلحفه الأحزان، ويطوقه الخوف، جلس بعيونه الدامية، جثة تتنفس، وقلب يخفق من روعه، أسند رأسه إلى النافذة، وراح يندب مخاوفه، لا يدري ما يفعل، يبكي فلا يهدأ، يصرخ فلا يهدأ، لا أحد يشعر به، كل ما يتمنى هو أن يرتمي في حضن دافئ، يستفرغه وعاءه.
عزيزي القارئ إن رأيت باكيًا مهمومًا فلا تسأله عما يبكيه، بل ضمه إليك ودعه يبكي، فهو بحاجة إلى ذلك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.