لطالما كانت القصص المؤثرة هي المرآة التي تعكس صراعاتنا الداخلية، ومن بين آلاف القصص القصيرة التي تتناول النفس البشرية، تبرز قصص التمرد والوعي كأكثرها إلهامًا. وهذه القصة تجسيد واقعي للصراع بين «الأمان المذل» و«الحرية الموحشة». إنها حكاية عن الاستفاقة في زمن النوم الجماعي، وعن الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يرى الشمس بعينين لا تغطيهما العصابات الجلدية.
بين أعمق الجبال الشاهقة، كانت توجد قرية صغيرة معزولة يطلق عليها سكانها اسم «المستقر»، كانت تقع في قاع فجوة صخرية عميقة لا تصل إليها الشمس إلا ساعة واحدة في اليوم، وهو ما أدى إلى أن يرتدي سكانها العصابات الجلدية السميكة على أعينهم، وكانوا يلفون حول خصورهم سلاسل حديدية طويلة مربوطة لتثبيتها في أوتاد صخرية ضخمة.
هذه السلاسل لم تكن عقابًا، بل طقوس عائلية اعتاد عليها أهل القرية منذ سنوات، فتوارثها الأبناء ليفتخروا بها، وبطول السلاسل الحديدية وقوتها، لأن المنطق السائد في هذه القرية يعتمد على طول السلاسل التي يمكنها حفظ التوازن، فكانوا يعتقدون أنها تمنع الإنسان من السقوط في البئر العميق الذي كان وسط القرية، وتحميه من قوة الرياح العاتية التي كانت تعصف بين الجبال بالأعلى.
كان حربي شابًا في السابعة والعشرين من عمره يعمل في تلميع السلاسل، كان يتمتع بذكاء أخاذ يجعله يدرك ما حوله من أمور ومتغيرات فكرية في القرية، كان يعرف معاني كثيرة تنمي فيه الوعي الذاتي لكي يفهم ويتقن المفاهيم المختلفة للحياة، كانت توجد رغبة جامحة بداخله تأسره بهذه الأغلال، وتأسر نفسه وسط جمود لا تعرف طريقًا للحرية المطلقة، وعندما جاءت الفرصة المنتظرة في أحد الليالي الصيفية، لاحظ حربي أن الوتد المثبت لسلسلته قد أصابه الصدأ، وبلمسة واحدة استطاع أن يتحرر من قيد السلاسل بسهولة.
في هذه اللحظة أصابه شعور بالخزي والفرح في آن واحد، كان نابعًا من فعل إرادي وجودي، شعر بأن الأرض تحت قدميه بدأت تميد، وأن نسيم الحرية كاد أن يرفعه ويقذف به إلى سحيقٍ من الإمبارة ومجهول لا يعلم ما سينتهي به المطاف، رغم إحساسه الكامل بالوعي المطلق الذي أتاح له فهم كل هذه المشاعر الدافئة، فبدلًا من أن يفكر بالهروب جثا على ركبته محاولًا إعادة إعمار السلاسل، لكن الطبيعة نالت من الوتد وقد تحطم تمامًا.
نظر حوله بنظرات مرتجفة وقد أصابته رعشة خوف تتسلل إلى داخله، فأصابه الذهول عندما وجد الجميع غارقين في نوم عميق لا حياة فيه، مجرد عمدٍ تؤدي دورها في إدارة الإضاءة لتسير الأمور كما يريدها السيد، وكانت تصدر سلاسلهم شخيرًا معدنيًا مطمئنًا.
اتخذ حربي قرارًا كان بالنسبة له قرارًا انتحاريًا، وهو تسلق الجدار الصخري ليرى ما خلفه، ومن أين تأتي الرياح، وضوء الشمس.
بعد ساعات من الجهد المتواصل والشعور بالألم، وإصابته بالجروح، وصل أخيرًا إلى قمة الجبل، فوقف مذهولًا عندما رأى الشمس التي تغيب بعد ساعات، وغابات خضراء تمتد بلا نهاية، وبحارًا كأنها مرآة تعكس اللون الأزرق للسماء، بعد لحظات من الفرح اكتسى وجهه بعلامات الريبة والاستغراب عندما رأى الذئاب تفترس الغزلان وتطارد فريستها لكي تلتهمها، ومساحات شاسعة بدون قيود حديدية تعيق تحركاته.

بعد مشاهدة حربي لهذه المشاهد التي قد تكون جديدة بالنسبة له، عاد إلى القاع وارتمى بجسده هائمًا وعيناه تلمعان ببريق غريب يفكر بإمعان فيما رأى من مشاهد خلابة تسكر بها القلوب وتنقي بها العقول.
في تلك اللحظة شعر بقشعريرة تسري في جسده، وانتصب واقفًا متحمسًا، وقال بنبرة جهورية عالية لكي يوقظ أهل القرية: «فكوا سلاسلكم، العالم في الأعلى واسع على نحو لا يمكن وصفه، لا يحتاج لهذه القيود، نحن نحتاج فقط لأقدامنا لكي نعرف وجهتنا التي يمكن أن نسعى إليها بكل حرية».
عندما سمع الجميع هتافات حربي العالية استيقظوا وقد علت علامات الدهشة على وجوههم، يتساءلون وهم مذهولون: ما الذي يقصده حربي بهذا العالم الغريب؟
ساد صمت قاتل في هذه اللحظة، بعدها انفجروا بضحكة هستيرية، كأن الأمر مشهد كوميدي هزلي يعبر عن مدى القحط والانحطاط المجتمعي والرضا بالذل وبعض الفتات من الطعام المتبقي من سادتهم، تقدم نحوه شيخ القرية يهز قيوده بفخر واعتزاز وهمي، وبنبرة متفاخرة: «يا بني، أنت تسمي ذلك حرية؟ أما نحن فنسميه ضياعًا وخيبة أمل في الواقع الذي قد نشعر به يومًا»، ثم أشار إلى جسده وقال له بنبرة متظاهرة بالحزن: «انظر إلى جسدك كيف تمزق من أجل الحرية، إذًا ماذا أفادتك الحرية؟ بل أصابتك بالهم والجروح والخراب، وعيناك زائغتان تائهتان في مجهول لا تعلمه أنت ولا نحن.
فأنا أراك تلهث بلا غاية أو هدف واضح وصريح، وقد تكون النهاية مؤسفة، أما نحن فيكفينا النوم، ولنا مكان نستيقظ فيه، ونأكل ولا نجوع لأن أسيادنا يرمون لنا بقايا الخبز في البئر كل فجر»، وبعد أن انتهى الشيخ تنهد تنهيدة، وبنبرة متهدجة قال له: «حريتك هذه نقمة لأنها جعلتك بلا قيمة في مجتمع بلا قيمة أصلًا».
في هذه اللحظات تحول عداء الناس تجاه حربي، وعدُّوا كلماته تدنيسًا لنظامهم المقدس، في نهاية اليوم اتفقوا على وضعه وربطه بسلاسل حديدية أثقل من القديمة وإلقائه في أعمق حفرة عنوة حتى لا يتفوه بهذه الكلمات التي تظهر عوراتهم الفكرية عن الحق في الحرية، فلتحيا الحرية.
كان حربي واقفًا متسمرًا وقد لاح على وجهه علامات الدهشة والاستغراب، ولم يتحرك ولم يستطع أن يقاوم أو يدافع عن نفسه، بل فضل الوقوف شامخًا دفاعًا عن الحرية، ظل واقفًا حتى أحس ببرد الأصفاد الجديدة التي تلتف حول قدمه، ثم أغمض عينيه وتنهد بعمق، وقال لنفسه بلهجة حانقة: «إنني أكره عبودية البشر بعضهم لبعض، ولكنكم أنتم تحبون العبودية لأنها تشعركم بفقدان الأشياء التي لا قيمة لها بأنها في غاية الأهمية، ومن دونها تهلكون، وتمنحكم الشعور المزيف بالرضا والطمأنينة، لكن قلبي متعلق بالحرية، والتي اعتاد عليها».
كان حربي يشعر بالخزي من رد فعل الناس في القرية، وقد أصابه الشعور القديم بأنه قد اعتاد القيد بالأصفاد، لم يحتمل ذلك، فنقم الحرية لأنها واجهته بالحقائق الواقعية المؤلمة، وحقيقة المجتمع الجاهل الذي رضي بالذل والمهانة والاستعباد في مقابل لقمة العيش، وأعطى مبررًا قانونيًا ومقدسًا لهذا الواقع.
في تلك الليلة نام سكان القرية، وظلت القيود والسلاسل تصدر صوتها الرتيب، معلنة بذلك انتصار الأمان الزائف الوهمي المذل على الحرية الموحشة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.