قصة قصيرة: قانون غريب الأطوار

تعد القصص القصيرة ذات الأبعاد الرمزية نافذةً نطل منها على عيوب النفس البشرية وتناقضات المجتمع؛ وفي هذه السطور، نقدم لكم قصةً مشوقةً بعنوان «قانون غريب الأطوار». تدور أحداث هذه الحكاية في مدينة قلبت فيها الموازين، حيث أصبح النبل جريمةً تستحق السجن، والرذيلة وسامًا يستوجب التكريم.

من خلال بطلنا سليم، نستعرض كيف يمكن للفعل الأخلاقي الصادق أن يفتت صخرة الزيف، وكيف تتحول القصص الواقعية الممزوجة بالخيال إلى رسائل فلسفية تعيد صياغة مفهومنا عن الحق والباطل.

في مدينة ما على الخريطة، كان الناس يعيشون وفق قانون غريب الأطوار، كان كل فعل أخلاقي يعاقب عليه، وكل خطيئة يكافأ لها، لم يكن أحد يعرف كيف بدأ هذا النظام الغريب المختل، لكن على كل حال اعتاد عليه الجميع، أو تظاهروا بذلك.

كان سليم شابًا في الثالثة والعشرين مختلفًا مثقفًا، يتمتع بذكاء باهر، ودقة ملاحظة قوية، لم يستطع أن يقتنع بأن إنقاذ طفل من الغرق يستحق العقاب بالسجن، بينما سرقة عجوز تستحق وسام شرف وتهنئة حارة.

في أحد الأيام رأى سليم طفلًا يستغيث في النهر لأنه سقط دون عمد منه، كان يلقي عليه نظرات خاطفة محملة بالريبة، كان واقفًا ليس لأنه لا يريد مساعدة، بل للعواقب التي سوف يتعرض لها، وبعد تفكير عميق قرر القفز متجاهلاً العواقب، وبالفعل أنقذ الطفل، وارتجف جسده من البرد الشديد، لكن قلبه شعر بالهدوء والسكينة والدفء.

لم تمر ساعة حتى علمت هيئة التوازن الأخلاقي بالخبر وجاءت، وأخذته إلى المحكمة لمعاقبته. قال له القاضي وقد ارتسمت ابتسامة بلهاء على وجهه وقال له بنبرة جهورية كافية لإسكات الضوضاء في القاعة دون أن يرفع صوته، فاستمع له سليم غصبًا: لقد ارتكبت فعلًا نبيلًا أيها الشاب وهذا مخالف لقوانيننا الصارمة، ما قولك فيما نسب إليك؟

رد عليه سليم بابتسامة هادئة لا تحديًا ولا انكسارًا وبنبرة متزنة: نعم أقر بذلك دون خجل أو مراوغة، وكانت أولوياتي هي إنقاذ الطفل من الموت، وليحدث بعدها ما يحدث. رد عليه القاضي بعد أن رمقه بنظرة حاقدة كأنها سهم مسموم، وبنبرة غليظة قال له: هذا يهدد نظام الحكم عندنا ومخالف للعرف والتقاليد المجتمعية لذلك قررنا نحن محكمة هيئة التوازن الأخلاقي الحكم عليك بالسجن خمس سنوات، رفعت الجلسة.

عندما سمع سليم النطق بالحكم لم يهتز ولم يشعر بالندم، بل كان يتساءل في حيرة لماذا يعاقب من يفعل الخير؟ ولماذا نبارك ونحتفل بالشر؟ كانت هذه الأسئلة تراوده في كل حين، كان يحاول جاهدًا معرفة الحقيقة.

إن مجرد التفكير فيما يحيط بنا من معطيات وأحداث يدفعنا للتساؤل بمرارة لماذا نجد أنفسنا وسط هذا الضجيج الفارغ؟ ذاك الذي يخلو من نكهة الحق ويغص بمرارة التزييف. إننا نتظاهر بقبول الأوضاع الحالية مدفوعين بوهم قاتل، لشعورنا بأنه لا قيمة للحياة إن خلت من المظاهر الكاذبة ولا بقاء لنا فيها إلا تحت عبادة النفاق الاجتماعي.

وعلى الجهة الأخرى من المدينة كان ماهر شابًا في الثلاثين من عمره وسيم الطلعة متوسط القامة، كان يحتفل وكأنه بطل لأنه خدع شركاءه وسرقهم وزور توقيعهم على صرف الشيكات، كان واقفًا أمام الحشود بابتسامته الباهتة والتي لا تنبع من سرور صادق، بل من جهل مطبق، ومع ذلك كان يشعر بداخله أنه فارغ تمامًا لا قيمة له في الحياة ولقد حاول جاهدًا أن يجعل نفسه يشعر بالفخر والاعتزاز ولكنه لم يستطع ذلك لعلمه أن ما يفعله لا قيمة له وأن هناك شيئًا ما بداخله يجعله يشعر بعدم الارتياح.

مرت سنوات الحبس، وخرج سليم ولم يتغير القانون غريب الأطوار، ولكن هناك شيء قد تغير في الناس، بدأ البعض يتفكر ويتساءل لماذا نشعر بالخجل ونحن نكافأ؟ ولماذا نشعر بالسلام ونحن نعاقب؟

لم تكن هناك ثورة، ولا انهيار مفاجئ للنظام، فقط مجرد أسئلة بسيطة وصغيرة، تتسلل إلى العقول ببطء، وفي ذات اليوم سقط طفل آخر في النهر، هذه المرة لم يقفز سليم وحده.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.