الملثم الصراع والهوية.. قصة قصيرة

سالَت دمعة الفتى قاسم حارقة على خدّه الآخذ في التيبّس، جسده قويّ وقامته طويلة، وصوته شجيّ ينجذب إليه كثيرون غير أنه على هامش الاهتمام. كان يزدري العزلة، ولا يميل إلى الانفراد بنفسه خشية تلك الشياطين الملعونة التي تحدث نفسَه الضعيفة المنكسرة. به خصال حميدة غير أن عيبه هروبه من مواجهة الظلم المسلَّط عليه، والغريب أنه لا ينحني أمام ظلم يُسلّط على غيره. ينزل دارا تحاذي الجبل في أقصى قريته الصغيرة. والده مزارع وأمه ماهرة في غزل الصوف. وقد زرع فيه والداه حب الأرض وحذق الزراعة.

كان والده يكثر الحديث عن عائلته التي قدّمت شهداء للوطن المغتصب، فتجده يعتصر الدّمع وعلى شفتيه ابتسامة عريضة فخرًا بإرث لا يقدّر بثمن.

ذات مساء شتوي، دبيب حركة يخرج عن المألوف، وأصوات أعيرة نارية تدوّي دون انقطاع. وفي البيت يحتمي الولد الصغير بأمّه وهي تتمتم بكلمات رجاء ودعاء للنّجاة من طغيان الظّالم المستبد، وأب يشحن بندقيته وعلى وجهه ترتسم علامات غضب. الصغير قاسم لا يبكي، ولا يبالي، يرى الأمور بعين أخرى، ربما قد اعتاد تلك الهجمات التي لا تنقطع، ففي الأرجاء شباب يقاومون وكتائب تحارب الأعداء دون هوادة.

يغادر والده فيلحق به، يمسك بيديه ويبتسم له ثم يقول:

أترغب بمرافق؟

يبتسم أبو قاسم ويرد:

إلى أين؟

حيث تلك النيران.

ما زلت صغيرًا يا ولدي.

لكنّي أحذق الرّمي والصّيد.

ولكن وقتك لم يحن بعد، فعند الغد تحمل المشعل وتواصل في كتابة تاريخ العائلة.

يغادر وهو يبتسم فرحًا بولده، فهو سليل أبطال تتحاكى القرى بشجاعتهم.

تمرّ الساعات طوال، وقاسم يعاند النّعاس حتى تلوح نسمات الفجر فتهجع النّفوس ويهدأ الجو وتختفي تلك الأصوات المدوية، فيُطِلُّ أبوه بهامته التي لا تنحني، فيقبّله بشدّة وينام قرير العين حتى الصباح.

ينجلي الظّلام، وكذلك الظُّلاّم من القرية إلى حين جولة أخرى، فتدبّ الحركة مجدّدًا. هو ذاك قاسم يعشق النّهوض باكرًا، يسير نحو مدرسته، وفي عقله الصّغير تتصارع عبارات تسرد أحداث البارحة، حتى يصل إلى فصله.

هكذا كانت الحياة في هذه القرية. ريح الأرض يختلط بريح البارود، وخرير المياه يمتزج بدماء زكية أبت أن ترفع راية الاستسلام أمام غزاة أرادوا الاستيلاء على وطن حرّ. الحياة تتسارع، والزّمن يرحل بأحداثه المتواترة ليكبر قاسم ويشتدّ عوده. لم تسعفه الحياة كي يواصل دراسته لضيق الحال، لكنه سريع التعلّم لكلّ حرفة عمل فيها، هو يعمل بجدّ دون كلل، فلا تجده يتذمّر من حياة لم يصنعها لنفسه عُنوةً، بل يكثر من الابتسامة حتى في أشدّ أزماته.

كبر والده، لكنه لا يزال بعدُ قويًّا، ما زال يزرع أرضه ويسترزق منها دون انقطاع، غير أنّ بعينيه ألمًا يرغب في مداراته.

كعادته يريح البدن تحت شجرة الزيتون العتيقة، يقترب منه قاسم ليحادثه. يسأله عن حاله وصحته، فيجيب بكلمات فيها إعياء. يبحث في كلماته وردوده عن سرّ حيرته، فيسأله بأكثر جرأة قائلًا:

إنّي أراك تكثر الصّمت.

يرد أبو قاسم ووجهه ينظر إلى الأفق فيقول:

ربما عبث العمر.

لكنّك لا تزال تحافظ على بأسك القديم.

يبتسم ويصمت، ثم يقول ونظره لا يبارح الأفق، ثمّ يقول:

أيّ بأس يا ولدي؟ لقد غادرتني تلك البندقية.

وما العيب في ذلك؟

هم هناك، في كلّ مكان، يمرحون ويعبثون.

وما شأننا بهم؟ نحن نريد العيش في سلام آمنين.

أي سلام وأيّ أمن! نحن مسلوبي الهوية يا ولدي.

كان ذلك منذ زمن يا أبي.

يضرب راحتي يديه ويقول:

هل اقتلعنا العدو من أرضنا؟

ألا ترى رفاقك عند تلك التلّ، وعند ذلك الوادي، وخلف تلك الأشجار؟

ألا تسمع صوت النيران كل ليلة؟

أسمع.

وبماذا تشعر؟

أدعو لهم.

قلت: بماذا تشعر؟ لا، ماذا تفعل؟

لا شيء يُذكر؛ لقد اختاروا طريقهم وقد اخترت طريقي. فهل كفرت أم شققت عصا الطاعة؟

لا، لم تكفر، بل جعلت بينك وإرث عائلتك سدًّا.

أنا أعيش الحاضر يا والدي، وإنّي أرى نفسي خارج هذه الحدود الصغيرة، إنّي أرغب في مغامرة: أين صخب المدينة؟ ففيها حياة وحركة.

وأي حاضر هذا وداخل القلوب لوعة؟ وأي مدينة تعيش داخلها وهي تحت وصاية العسكر ينتهك حدودها؟

لست من رسم تلك الحدود، ولا أنا ممن فرّطوا فيها منذ سنوات آفلة.

أيّ ريح قذفك في هذه العائلة لتكون نطفة … «يصمت عن الكلام لبرهة».

يقف حينها قاسم، وفي ذهنه حكايا كثيرة، ويغادر نحو البيت بحثًا عن حضن دافئ لا تسمع فيه أصوات النيران ولا بقايا حكايات التاريخ القديمة.

يُقبّل أمّه ويسألها:

هل تسكنك الرّغبة في أن أستشهد؟

تصمت طويلًا، ثم تتكلّم:

ما مآلك يا ولدي؟

حياة، ثم موت.

إذن الموت في آخر القصة!

في أولها، في أوسطها، في آخرها؛ الأمر سيّان.

هذا يعني أنّ الموت لا يخيفك، ولا يعنيك.

لا يخيفني، فهو قدر.

لكن الموت يختلف.

أسبابه تختلف.

وأي تلك الأسباب أفضل؟

كلها متشابهة.

وهل يتشابه الشهيد بالهارب من الجهاد؟

أدرك قاسم حينها أنّ الحكم ذاته؛ فهي مثل والده لا ترى فيه سوى مشروع شهادة.

يألم كثيرًا، وينتظر حلول الظلام كي تستكين النّفوس وتهجع، وتنسى عبء الحياة وأمواجها العاتية.

لاحت في الأفق ظُلمة، وساد المكان الكثير من الصمت. لقد نام والداه بعد نهار شاقّ عنيد، وظلّ وحيدًا ينتظر إشارة. تدمع عينه مجدّدًا فيعاندها، وترحل نفسه إلى ذكرى الطفولة، فيحطّ بصره على بندقية عتيقة ظلّت حبيسة جدار تنتظر محاربًا تأخّر قدومه. شرد ذهنه حتى لاح في الأفق شرر نيران متتالية متقطّعة، فسارع نحو الجبل المحاذي لداره المنعزلة، فيصل سريعًا وفي القلب أمنية ورجاء.

يصل، فإذا بالجماعة جالسين، وفي وجوههم إعياء من طريق مضنية، يسلّم ويقول:

لقد سئمت هذه المسرحية التي أعيش أحداثها.

ينظر إليه الشّيخ الجليل، وبين يديه بندقية، ويكلّمه قائلًا:

لا تستعجل، وترفّق بحالك. هذا سلاحك منذ اليوم، تحمله.

تغيّرت ملامح وجهه، وتطاير الفرح من عينيه، تناولها وقبّلها وحضنها، وسافرت روحه تبحث عن هويته الضائعة. لكنّ صوت الشّيخ الجليل يقطع عليه الرحلة فيقول:

تحملها دون أن تنسى شرطنا القديم.

يصيبه الوجوم مجدّدًا، ويهمّ بالكلام، لكنّه يقاطعه قائلًا:

أترغب في نجومية زائلة؟

لا أعلم.

ما هدفك؟

أحرّر أرضي، وأحمي عرضي.

ثمّ.

أقتلع الطغاة، وأدكّ جثثهم، وأنشرها على سفوح تلك الجبال الوعرة.

ثمّ.

إمّا حياة أنام فيها قرير العين، وإمّا ممات أصيب فيه بالشهادة.

يعني في أعماقك قضية.

نعم، هي تنبت مثل بذرة.

وهل تتغيّر حياتك إن أفصحت عن هويتك في صلب هذه القضية؟

قد تتغيّر، لست أدري.

وإن كنت أنت من اصطفاه القدر ليجعل للوطن مخرجًا، بشرط أن يعيش بوجهٍ مكشوف، يعيش على لقمة نهاره منزوع القضية، وملثّمًا يحمل بندقية آناء اللّيل منزوع الهوية من أجل نفس القضية.

يصمت، وينظر في وجه شيخه الجليل، ويمسك بسلاحه، ثم يقف ويضرب له تحيّة ويقول:

أنا ملح هذه الأرض، وإنّي أهب نفسي لوطني، فإمّا حياة بعد تحرّر، وإمّا شهادة، وفي صدري شهيد مؤجّل. لكن لا تنسَ يا شيخي أن تحمل قميصي بعد مماتي، وكذلك بندقيتي لوالديّ، وأن تزفّني فرقتك شهيدًا حتى يسعد أبي بعد أن رأى منّي وجهًا مستكينًا.

طوى قاسم صفحة من الزّمن حملت تاريخ عائلة لا تُخفي هويتها، ولا تُداري حلمها بالنّصر في معركة طويلة وشاقّة، رسخت في ذهنه كلمات شيخه فأيقن بحكمتها، تحمّل لغطًا كان يسمعه في كلّ ركنٍ من القرية عن الشاب الفتيّ الذي استكان وآثر الحياة الدّنيا، وصبر عن كلمات والده اللاّذعة حتى اخشوشنت أحاسيسه ولم يظلّ له سوى الدّعاء مهربًا.

يقترب من والده لعلّه يظفر بابتسامته المعهودة، فلا يجد منها سوى بقايا، يكلّمه، وفي القلب رغبة في رِضا ودعوات تكتب لغده نجاةً من ضيق. يسأل عن حاله قائلًا كعادته:

في أيّ لون أنت اليوم يا والدي؟

يرفع رأسه، فيجده باكيًا، يقول:

حال جسد يحترق بشدّة.

ألف سلامة، أتحترق وأنا جليسك!

أنت الوقود الذي يذكّيها فيزيد في اشتعالها.

يحزن لبرهة، ثم يواصل وهو يتصنّع المزاح قائلًا:

بل قل إنّك كبرتَ، وما عادت روحك ترى في مزاحي فسحةً مرِحة.

وأيّ فسحةٍ، وفي الجوار رفاقك يحملون أرواحهم على أكفّهم، وكلّ يوم تسمع عنهم ما يثلج الصّدر؟

قد أكون مثلهم، ألست ممن يشقى؟

تشقى لتسكت بطنك النّهمة يا ولدي.

وهل تراني في مرتبة البهائم، فلا أرى في الحياة غير الوليمة؟ أيّ وجهٍ تراني به، أبي، ربما قد أخفيت عنك الحقيقة.

يصمت عن الكلام لزمنٍ، حتّى يملّ قاسم الجلسة فيرحل، وعلى خدّيه دموعًا ونقمة. به ثِقل وكدر، وأنفاس تنحبس في صدره فتضيّق عليه لحظة أمل كان يعيشها زمن الطّفولة.

هو يعمل ليلًا في قريةٍ مجاورة، هكذا أقنع والديه، فصار خروجه عند الغروب معلومًا، يرتدي ثيابه ويتناول عصاه بدل بندقيةٍ صدئة معلّقة، ووجبة عشاء تسكت بداخله جوع آخر اللّيل.

يرحل تاركًا أفئدةً تتمزّق، تراه نشازًا، ويعلم أنّ بجوفهما أماني لا تُحصى، ويعلم أنّ لسانيهما يلوكان دعوات كثيرة. فيسارع خطاه كي يختفي قليلًا، وكأنّه يشعر بأحدهما يلاحقه وهو يترجّى.

يبلغ منتصف الرّحلة حيث المغارة، ينزع لباسه ويرتدي بدلته، ويضع لثامًا أخفى حقيقته، ويحمل بيده بندقيته، وراح يسارع الخطى حتى وصل خطّ النّار، فتوارى قليلًا ثمّ بدأ التصويب. تتالت الأعيرة النّارية وزاد القصف، أيّ شجاعة وأيّ بسالة! قاسم يقسم ظهر العدوّ بضربات لا تهدأ، ونفسه لا تجزع، هو يزمجر بصوته الشّجي: تقدّموا وفكّوا الحصار عن شباب قريته، فتفعل كتيبته دون هوادة. لقد أذاقهم ويلاتٍ أجبرتهم على حمل خيباتهم والفرار عند سفوحٍ ليس بها الملثّم المتخفّي والمرعب لنفوسٍ أوهنُ من بيت العناكب.

كانت ليلةً داميةً، تعالت فيها أصوات الجماعات من كلّ صوب، فردّدوا نشيد الوطن حتى افترقوا، وفي عقول بعضهم ألف سؤالٍ يلفّه سؤالٌ عن ذلك العتيّ الملثّم.

من هناك قادمٌ عند بزوغ الشمس، يعود مكشوف الوجه. لقد وصلت أخبار المعركة باكرًا إلى مسامع القرية، فعلم أنّ الدّرس ينتظره، وفيه من الكلام المسموم ما تفرّ منه الأبدان وتفزع. يقترب ويُسلّم ثمّ يجلس بجوار والدته، ويُبادر بالحديث قائلًا:

لقد روى لي أحدهم كامل القصّة عن ذاك الملثّم. فلا بأس لو تحدّثنا في أمرٍ غيره.

لقد أسكتَ لسانيهما منذ البدء، فالتزما بالصمت إلى حين خروجه قاصدًا غرفته لينام.

نظر أبو قاسم إلى زوجته، وردّد قائلًا: «ليته ظلّ صغيرًا».

تبتسم وتلوّح بنظرةٍ فاترة باردة، فتقول:

ها قد كبر واشتدّ عوده وتصلّب جسمه، واخشوشنت يداه، فصار يقارع أعتى الرّجال، غير أنّه اختار طريقه فدعنا منه، هو معنا يؤنسنا، ويعمل على خدمتنا، كفانا دموعًا، كفانا فقدًا لأحبّتنا، فغدًا يتزوّج وينجب ويعلّم أطفاله حبّ العمل والوطن، فلا تدري قد يخرج من صلبه ما يجدّد العهد، فيحمل البندقية ويصعد الجبل، ويعبر السهل ويتسلّق الشّجر، ويصطاد العدوّ دون خوفٍ ولا تراجع.

وهل يمكن ذلك؟ كيف لمستكين أن يُنبت هكذا بذرة؟

قد أنبتَ بذرةً مستكينة، وأنت الذي لا يُشقّ له غبار في الشجاعة.

«يصمت عن الكلام لبرهة».

صدقت. لن أكلّمه منذ اليوم، ولن ألتفت إليه، وعهد منّي ألا أرفع عينيّ كي لا أتأمّل وجهه، فيكفيني أن أتذكّر ملامحه، وأرسم له مقامًا مثل الذي أردته.

وهل تفعل؟

أفعل، وإنّي لقادر.

هي القطيعة إذن.

نعم، قطيعة بلا خطّ رجوع. سأحبس شعوري بين ضلوعي، وأسحب حناني من وجداني. منذ اليوم هو نكرة، عابر سبيل يقتحم مجلسي بين الحين والحين، أو متسوّلًا يطلب مهجعًا ليخلد للنّوم.

لم يكن قاسم نائمًا، لقد أصغى لحديث والديه، ضاقت نفسه، وحزن حزنًا لا يعلم متى يغادره. أبت عيناه أن تدمع هذه المرّة، وجالت خواطره في ثنايا ذاكرته، لقد كان حلمه أن يرث تلك البندقية العتيقة، وأن يرى شررها يمزّق أوصال عدوّ جاثم على صدور ذويه.

أعادته الذاكرة إلى يوم لقاء شيخه الجليل، فمالت نفسه إلى لعنة تلك المصادفة، غير أنّه عدل عن أمره وحكّم عقله وأوثق عاطفته، فأدرك أنّ الأيّام الآتية كفيلة بأن تُصلح ما أفسدته تلك المصادفة.

تتالت اللّيالي وتزايدت الضّربات، وتصاعدت وتيرة الغارات، حتّى باتت المنطقة على شاكلة حقل ألغام منه العدوّ يفرّ ويجبن. وزاد حديث النّاس عن ملثّمهم بطل القرية المجهول. كان قاسم من بين الجمع الذين يستمعون لبطولات قائدهم وزعيمهم. يبتسم بهجةً لكلمات شحنت عزيمته، وزادته غبطةً وهو ينتظر العودة كي يتعثّر في طريقه بتلك الفاتنة غزل، رفيقة الطفولة والشباب. هو يراها قضيّة لا تختلف عمّا يحمله في عقيدته. هو يسرق لحظات عابرة وكلمات متسارعة بعد زمنٍ من الانتظار.

يغادر مجلس الأصحاب ويسير قرب جدول الماء ينتظر، هي قادمة، يسمع وقعها، ويشمّ عطرها، تقترب وفي وجهها ملامح لم يعهدها. تبدو منكسرة واجمة. يسألها بلهفة:

ما بالك كأنّ مسًّا أصابك؟

تردّ بنبرة باردة:

أنا أرى نفسي وأراك لأوّل مرّة.

وكيف ذلك؟

أمّا عن نفسي فإنّ قلبي لا ينبض مثل عادته.

وماذا عنّي؟

وأمّا عنك فكأنّ عيني لم تعد تراك بما يكفي.

وأيّ أحجيّة هذه، أينضب القلب بعد هذا الزّمن؟

قد ينضب إنْ تضاءلت الأحجام في النّفس.

أيعني أنّي صغير منذ زمنٍ أمْ منذ لحظتي هذه؟

وهل يفرق ذلك كثيرًا؟

بعض الشيء.

منذ زمنٍ قريب.

هل لذنبٍ اقترفته أم لهوى أصابك في مقتلٍ فرُميتَ قديمًا لا تُسعفه اللّحظة ليتجدّد؟

هذا وذاك.

فمن خليفتي؟

قبل أن أُحدّثك عن خليفتك، هل تراني خائنةً لعهدي أمْ تعذر ذنبي وضعفي؟

الأولى، فإن كنتِ صادقةً لحفظتِ الودّ.

لو لم أكن صادقةً لأخفيت الحقيقة.

حقيقة ثقيلة، أعلم بحال نفسي الضّعيفة، فلا مال أملكه.

ليس المال ما يفرّق بيني وبينك، بل ضعفك الكامن فيك. أنت لا تحمل في قلبك وطنًا. أنت تخاف العتمة، وتخشى البندقية. لقد حدّثتني أنّها معلّقة منذ زمنٍ حتى صدئت.

وهل يضرّك ذلك في شيء! لقد اخترتُ طريقي خارج مرمى النّار، وإنّي اصطفيتك لتكوني رفيقتي، وكذلك أنتِ كنتِ على دراية بما أحمله بداخلي!

غيّرت رأيي.

ومن يخلفني؟

تكفّ عن الكلام لبرهةٍ، وتهمّ بالمغادرة. تتزحزح من مكانها، ثم تُطلق أولى خطواتها، تلتفت إليه لتودّعه وتقول:

هو الملثّم. وترحل بسرعة.

يجلس على حافة الجدول، فتفيض عيناه دموعًا يكسوها مرارة. إنّ الملثّم غريمه، ذلك المتخفّي يخطف عشيقته، ويسرق أحلامه، كما نزل به إلى القاع فعمّق سخط والده عليه. أيّ مأساةٍ حين تعيش بكيانين: الأوّل يريد الحياة بوجهٍ مسالم، والآخر فدائيّ لا يرضى السّلام، وحفنةٌ من الأوغاد يدنّسون حبّات رملٍ طاهرة.

يداري ضعفه وينهض، وفي القلب لوعة، ويسير ليعبر القرية سالكًا طريقه حيث الصّديق مكمن الشّكوى والسّلوى. تعصف به الدّنيا، فيرى في جوفه مخازي كثيرة، وعللًا لا تُحصى. يقف عند بابه، فإذ بالصّديق ينظّف البندقية. يرفع رأسه ويبتسم، ثمّ يُجلسه حذوه، يبدأ في سرد حكايات ذاك الملثّم، ومن ثمّ سرد الأحداث الدّامية التي شارك فيها. يكشف عن كتفه ليريه آثار رصاصةٍ غادرة مرّت فتركت خدشًا. لا يبدو غائرًا. يقول بصوتِ المتفاخر:

هذه علامة أولى، لن تكون الأخيرة.

يبتسم قاسم ويصمت، فيواصل الصّديق كلامه دون انقطاعٍ، إلى أن سمعا أصوات استغاثة. همْ جنود الأعداء يُمشّطون القرية، ويعتقلون الشباب بلا رحمة. يفزع الصّديق دون أن يُخمّن عاقبة الأمور، ويطلب من صديقه مرافقته فيأبى.

أمسك قاسم بصديقه وناشده أن يختفي عن الأنظار لساعة. فألحّ وعزم، وحمل في يده سلاحه وأسرع لنجدة رفاق القرية. نظر إلى صديقه قاسم بحرقة، وسار في طريقٍ يعلم أنّ منتهاه قد يكون الشهادة. تألّم قاسم على فراق حبيبة، وعن فقده لصحبةٍ قديمة، وعن والدٍ لا يرى فيه غير ضعفٍ وجبن، وأمٍّ مسلّمة بأمرٍ مقضيّ. فأقفل راجعًا متسلّلًا بين أشجارٍ كثيفة حتى وصل بيته، فوجد بقايا عبث. كلّ الأثاث مبعثر. يلتفت إلى والديه، فيرى على خدّيهما كدمات. ثم يرفع رأسه حيث الجدار، فلا يجد البندقية. لقد أخذوها أبناء السّاقطة.

يجلس بالقرب منهما ويحادثهما قائلًا:

ما الخطب؟

يردّ أبو قاسم بقولٍ غليظ:

ظنّ العسكر أن بالبيت رجلًا.

انكسرت نفسه، وأفلتت منه كلمات غير موزونة.

أيَّ جنسٍ أرتدي؟ أنا ابنك قاسم، بعجينتي هذه أنا ابنك، بنفسي التوّاقة لحياة هادئة أنا ابنك، وبتسليمي لأمر أراه نافذًا أنا ابنك، فهل أرحل حتى أريحك فلا ترى وجهي الكريه فتحزن؟

افعل ولا تتردّد. يقولها بحزم.

أنت تلفظني يا أبي، يا أبا قاسم.

أنا من اليوم دون هذه الكنية، سأعود إلى اسمي قبل ولادتك.

هل أرحل حقّا أم تقولها في لحظة غضب عابرة؟

بل ارحل، فأنت اليوم قد متّ، لقد صرت من الماضي.

الميّت يُنصب له عزاء!

لن أقبل فيك التعازي.

تتألّم روح قاسم وسط كلمات جارحة، والدته تسند رفيق حياتها وتختار صحبته، وتلفظ وليدها دون أن تذرف دمعًا ولو حسرةً على حاله المنكسرة.

يتقهقر للوراء حيث مخدعه، ويتناول أغراضه بسرعة ويرحل. يرحل وهو ينظر إلى تلك الأماكن، ففيها ذكرى كانت بديعة. ينهي بكلمات يتيمة:

أناشدك يا والدي، لا تنصب لي العزاء، فأنا ميّت منذ الولادة.

يسافر دون رجعة، وبينه وبين حياته القديمة حواجز.

هو هناك بجوار شيخه الجليل، يستمع إليه ويعاند النّفس كي تنسى ثقل كلمات تركت جرحًا غائرًا. ينتظر لحظة الصّفر، ففي سجون المحتلّ شبابُ القرية. ستبدأ المواجهة ليلًا، وإنّها لساعة يطلب فيها الشهادة.

يرمي بوابلٍ من الرّصاص فيُسقط أولى كلاب الحراسة، ويعبر المنافذ بخفّة هو ورفاقه. بدت ساحة حرب لا حياة بعدها، أيّ شدّةٍ وأيّ عزيمة. لم تعد لنفسه غاية سوى تحرير كياناتٍ صارت ضعيفة. اخترق قاسم نيران عدوّه وأطلق سراح سجناء العزّة. حمل صديقه على ظهره، وكذلك البندقية المفقودة، إرثَ أجداده، وهرول دون توقّف حتى وصل إلى مشارف القرية.

يقف ويوقف فرقته، ومن حولهم شباب القرية، ويقول:

أنتم الآن في مأمنٍ من ضربات العدوّ الغادرة. عودوا أدراجكم، وحاذروا، ولا تكشفوا وجوهكم عند ملاقاتهم حتى تأمنوا ضرباتهم ساعةَ انفرادهم لكم في لحظة قوّة.

يبتسم صديقه ويحضنه بشدّة.

هكذا عاش قاسم لياليه المُضنية وسط دويّ القنابل، وسار يومه بين أشجار القرية يرقب أحبّته من بعيد. يحمل ليلًا بندقية والده العتيقة، ونهارًا يحمل همًّا وكدرًا. يصادف أن يرى نهارًا تلك الحبيبة الآفلة، فترمقه بنظرةٍ ساخطة، وعند آخر عشيّ يلفّ لثامه، فيظفر بنظرةٍ ساحرة من حبيبةٍ حالمة، هي ذاتها من تركت وجهه المسالم المستكين، وتعلّقت بوجهٍ أخفى اللّثام ملامحه.

يأخذه فضوله فترحل به ساقاه إلى تلك الأماكن التي تحمل في طيّاتها الذاكرة، فيحيّي أهل المكان بحبّ، ورغبةٌ شديدة تراوده في أن يكشف سرّه ويميط اللّثام. يشاورانه، وفي وجهيهما ابتسامةٌ عريضة، ثم يرحل وفي البال أمانٍ كثيرة.

تمرّ سنوات العمر وهو يكبر وسط ألغام، في كلّ ليلة يحمل روحه على كفّه وهو يعاند القدر البغيض الذي جعل من بلدته أسيرة مرتزقة أرادوا استباحتها. رمى الكثير منهم برصاصه فما أخطأت مرماها، وكُتب اسمه فيها فصار حكاية تتردّد، فعلا صيتُه، وغزا كلّ بيتٍ حتّى أضحى الحاضر الغائب فيها.

في ليلةٍ صيفيّة كالحة، نجومها ملتهبة، وأصواتٌ منكرةٍ تعلو قمم جبالها وتمزّق بواطن غاباتها، قاسم يتخفّى بصحبةِ مجموعته متربّصًا بفرقةٍ مدجّجة، قيل له إنّ عناصرها كُثر فحاذرْ حين منازلتها. ضرب رصاصته الأولى فتطايرت الأفئدة، واحتدمت المعركة حتى أصاب منها ما يُشفي صدره الغاضب؛ يتقدّم دون هوادة، ويرمي بثقل الحياة على غير العادة، كأنّه يريد الشّهادة. لا يهجع ولا يستكين. وأيّ لحظةٍ غادرة تفلت من بين رصاصات العدوّ الطائشة المضطربة؛ واحدةٌ يتيمة قطّعت شريان قلبه، فنزف، وابتسم، ونادى لرفاقه: أنِ احملوني إلى شيخي الجليل قبل أن تزهق روحي، ففي خاطري رسالة.

يحيط به صحبه ويحملونه عند المغارة. حاولوا نزع تلك الرّصاصة، لكنها تخفّت بين أوردة كثيرة، واختارت وسط قلبه مسكنًا. نظر إلى شيخه وقال:

إنّها الشهادة يا شيخي، وإنّي راحل؛ ينتهي بي الحلم هنا، فتلك الرّصاصة الواشية جفّفت دمائي بسرعة.

يسكته الشيخ الجليل كي لا يرهق نفسه، لكنه يواصل حديثه قائلًا:

لا وقت أملكه، يا شيخي. هذه بندقيتي إرثُ أجدادي، خذها لوالديّ، وهذا لثامي خُذْه لحبيبتي، وهذه بدلتي نصيبُ صديقي الصدوق، وأخبرهم أنّ قاسمًا لم يكن يومًا جبانًا، ولا مستكينًا، غير أنّ اللّثام قد أخفى عنكم الحقيقة. قبّلهم جميعًا، وأخبرهم أنّي أحبّهم، وأنّي أسامحهم.

يصمت وسط ذهولٍ وبكاء، يلفظ النّفس الأخير، لترحل روحه الطّاهرة إلى حيث الخلود.

يبكي الشيخ الجليل بشدّة، ويأمر جنده بحمله إلى الداخل وإلباسه كفنه حتى الصباح.

ذاع خبر استشهاد الملثّم؛ إنّه يومٌ حزين. لا تُسمَع سوى أصوات بكاء تمزّق أوصال القرية، وكأنّه أحد أبنائها.

يعبر خبرُ مروره من باحةٍ فسيحة وسط القرية، فيهرع الجميع لتوديع البطل. هو الملثّم الذي أنقذ شباب الحيّ من سجونٍ نتنة، وضرب العدوّ في مقتل فشتّت جمعهم.

تمرّ العربة محمّلة بجثمانه الطّاهر، ثم تقف وسط السّاحة التي تعجّ بأحبّته. يصمت الجميع ويصطفّون خلف الشيخ الجليل فيُصلّي على جثمانه، ثم يرفع صوته مناديًا:

هذا الملثّم الذي وهب نفسه للشّهادة، لم تكن له في الحياة أمنيةٌ سوى أن تُصلّوا عليه جميعكم أهلَ هذه القرية، وها قد فعلتم. هذا الملثّم كان يحبكم كبعضٍ من أهله. وقد حمّلني بثلاث رسائل: الأولى لتلك الفاتنة الباكية «أشار إلى حبيبته»، والثانية إلى الصديق الصدوق «مشيرًا إلى صديقه القديم»، والثالثة إلى أبي قاسم وزوجته؛ فإن شاء أحدكم أن أكتم الرسالة كتمتُها.

وسط ذهولهم طلبوا من الشيخ أن يُفصح عن رسالة الحبيب الذي سكن الأفئدة، فحدّث قائلًا:

أمّا أنت يا ولدي فقد ترك لك هذه البدلة لتُكمِل المسيرة.

تناولها وهو يبكي بحرقة.

وأمّا أنتِ بنيّتي فقد ترك لكِ لثامه، واكتفى بنظرةٍ ناطقة لا تُخفي عشقه.

وأمّا أنتما فترك لكما البندقية المسلوبة ذاتِ غارةٍ غادرة.

زاد ذهولهم وتعالت أصواتهم، وكثرت أسئلتهم، حتّى خطب فيهم الشّيخ مجدّدًا قائلًا:

ما زالت رسالته الأخيرة لأهالي القرية صغيرِهم وكبيرِهم.

نادى الجميعُ بأن يُفصح بها، فنطق قائلًا:

اليوم سأميط اللّحاف حتى يبقى وجهُ حبيبِنا راسخًا في وجداننا، لكن قبل أن أفعل أطلب منكم الصّفح؛ فنحن اشترطْنا عليه أن يُخفي هويته قصدًا. لقد اصطفيناه لأنّه الأقدر والأشجع، ولأنّ الأرض والوطن أغلى من كشف وجهه أمام عدوٍّ يريد هلاكه قبل طلقة رصاصته الأولى؛ كان قائدَنا وزعيمَنا، وهو اليوم بيننا شهيدًا.

ينهي كلماته، ثم يرفع اللّحاف، فإذ به قاسم يرقد رقدته الأخيرة، وعلى شفتيه ابتسامة. تدمع عينُها وتتذكّر أمسها وكلماتِها الجارحة، فتضرب خدّها بشدّة، ويتذكّر خطابَه القاسي حين استغاثة شباب القرية، فيجثو على ركبتيه وهو يطلق صرخاتٍ تهزّ القلوب الضّعيفة. ويذكُر طرده من حياته وكلامَه المسموم، فتنزل دموعُه دون توقّف؛ تذكّر أنّه تنكّر له ولفظه، حتى العزاء رفض أن ينصبه ولو إكرامًا لصباه حين كان حالِمًا ببندقيةٍ يحملها. وكذلك هي، تذكّرت أنّها صمتت ولم تذرف دمعها حين غادرها وهي الحنونة؛ تذكّرت حين أسرّت ما بخاطرها، وأنّها ترى فيه مشروعَ شهادةٍ وإن أثقلت كاهلها وآلمتها. بكت وصاحت وأكثرت النّواح.

نطق الشيخ الجليل، وأمر جنده أن يحملوا جثمان بطلهم، وقال بصوتٍ مثقلٍ بالأحزان:

لقد أخبرني أنّه قد سامحكم في حقّه، وقد طلب منكم السّماح.

يسير الموكب وسط زغاريد النّسوة. يطلق أبو قاسم أعيرةً ناريةً من بندقيته العتيقة، ويبتسم وسط عناقٍ زاده فخرًا. حَمَل روحَ ولده من وتد، وزوجتُه حملته من وتد، وحبيبته من وتد، وصديقه الصدوق من وتد؛ فما كفّت أعينُهم عن البكاء بحرقة، وما كفّت شفاهُهم عن التبسّم بغبطةٍ حتى وصلوا عند المقبرة، حيثُ وارَوه التّراب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة