جلتُ بأنظاري بين الجميع، بعضهم كان مندهشاً، والآخر يثرثر، وبعضهم في الزاوية بدا هشّاً كقطعة زجاج شفافة، تتراءى لكَ صلابتها، لكن تصدمك هشاشتها.
وحدها السيدة ليلى من جعلت جفني يرف، طالعتها لمدة، ليست بالقصيرة، ولكنها كانت نجمة ذلك اليوم، فلم تنتبه على عينيّ تلاحقانها من بعيد.
كان لمُّ شمل بلا تخطيط، تلاقى فيه الأقارب والأحباب وأصدقاء الثانوية عقب عامين من التخرج الذي لا زال بَعْضُهم يتحدثُ عنه حتى الآن، فلقد تسلل إلى مسمعي حديث بعضهم وهمْ يثرثرون ويعيدون العبث بأحداثٍ قد رسخت في عقلِ الجميع.
ولكنّ نبرةَ الحديثِ كانت رتيبة وغريبة لمْ أفهمها، فسألتُ زين الذي كان بقربي، فابتسم ابتسامته المعتادة، ابتسامة جعلت من الفتيات متملقات بما يكفي للوقوف بقربه فقط.
-إنه يُدعى بالنفاقِ عزيزتي.
لم يفسر أكثر، ولم أفهم من حديثه الكثير، فاكتفيتُ بإيماءةٍ صغيرةٍ أذهلته، فأنا في العادة كثيرةُ السؤال.
-هل أنتِ بخير؟
سأل وقد اعتلته نظرة شبه ساخرة، كما لو أنَّه كان جاهزاً ليتذمر ممّا يسميه تفكيراً تحت بندِ غباء مراهقة في الثامنة عشر.
-وهل تعتقد أنتَ ذلك؟ كل ما أريده أن ترتاح، ألمْ تطلب ذلك؟
شاب حديثي بعض الغضب الذي لم أتعمد مزجه بتلك النبرة الهشة التي سارعتْ ترافق كلماتي.
-ووالدتي التي كسرت الكثير من قواعدها اليوم، لم تلق عليّ تحيةَ الصباح، واكتفت بفستان أسود بسيط مع أني أتذكر أنها تمقت هذا اللون، والأهم أنها لم تتكبد عناء اصطناع ابتسامة صباحية في وجه زين.
مضغتُ ريقاً وسألتُ زين بصوت هش، فما رأيتهُ لم يسرني، ولا أتوقع إجابة من شأنها أن تزيل الهم:
-أترى ما أراه؟
-هذا ما يُسمى حِداداً.. عزيزتي.
بدت كلماته كأنّها في وصف قاعِ بئرٍ قد سلبتهُ الحياةُ ريعانَ شبابه، ورمته وحيداً متهالكاً لا ينشدُ سوى السكون من حِصى الصبية الصغار وأموالِ بعض الحمقى حيث يرمون بأحلامهم نحو الظلام وفوقهم سماءٌ بلا عماد.
نظرتُ إلى ما أعدته أمي من طعام، لم أتناول منه شيئاً، لم أعلم لماذا، واحترتُ لأن شيئاً ما يخبرني أني لست بحاجته.
أعتقد أني لم أكن أشعر بالجوع، رغم أني لم آكل منذ ظهر الأمس.
-لماذا لم تأذني للدموع بالفرار؟
سأل زين بتعجب، فقد كان ظهر الأمس ملبّداً بغيوم الألم والذكريات.
نظرتُ له لثوانٍ، وكأنّي أُعدّ خارطةً من معالم وجهه، أتمعنها بهدوء:
-أظن ربما... لأني كنتُ على علم مسبق.
بدا له كأنه حديث مشوق، فأخذ الكرسي وجلس عليه بطريقة تخالف ما اعتاد الناس عليه منذ أن جلس أول شخص على كرسي:
-هل هي أمور ما وراء الطبيعة؟
-ما هذا الهراء؟
-كان مجرد سؤال، لماذا انزعجتِ؟
-أعتقد أنني غاضبة منك.
نظرتُ له أخترقه بنظراتي ولو أنها كانت لينة، فنظر لي ماطاًّ شفتيه قليلاً إلى الأمام، وبدا وكأنّه يفكر بجملته التالية قبل أن يلقيها:
-أظن أني رأيتُ هذا كثيراً خلال يومٍ واحدٍ، أتذكرين أني فعلتُ شيئاً قد جعل الأمور تؤول لما هي عليه؟
نظرتُ له أحاول حلَّ معضلة بدا حلها صعباً على كلينا، فعاد يُردف:
-كما تعلمين، لطالما كنت ألبي توقعات الجميع، لا أذكر بأنني كنتُ فتًى سيئاً.
تاه كلانا ونحن نحاول فهمَ أحاديثِ اليومِ السابقِ وما أعقبه من أحداث، دعوته بعدها للخروج علّنا نُرفّه عن أنفسنا قليلاً.
لا يبدو أن أحداً لديه الوقت، فكما يبدو أن لديهم شاغلاً ما، شاغلاً جعل الجميع منطفئين.
قلتُ وأنا أسير برفقته وقد امتزجت كلماتي بأصواتِ السياراتِ التي تعالت في زحمة السير عند الشارع المقابل:
-أظنني أعلم ما هو..
نظرتُ له بشوق لمعرفة الإجابة، ولكنه حدق بي للحظات قبل أن يجيبني قائلاً يهمس في أذني:
-لقد كان عزاءًا.
-عزاء..!
قلتُ متعجبة وأردفتُ:
-ولِمَ لمْ يخبرني أحد؟
-كنتِ أول من يعلم.
رمى بكلماته وسار يتعداني وهو يغلفُ كفيه داخل جيوب بنطاله الأسود، أسرعتُ بخطواتي حتى ألحقه، وكنا قد وصلنا فعلاً إلى المطعم الصغير الذي نرتاده عادة.
-هذا غريب، لمِ هو مغلق؟
رفع كتفيه بلا مبالاة مع أنه أبدى بعض الاستغراب أيضاً..
-هل أنتِ بخير؟
نبس بجملته بعد وقوفنا لدقائق ونحن نتأملُ زجاجَ المحل، ولكن لسبب ما قد اغرورقت عيناي بالدموع، كانت رؤيتي ضبابية فتشبثتُ بقميصه وهو يحاول بقلق أن يعلم ما قد اعتراني في حين كنتُ لسببٍ ما خائفة من أن يفلت يدي.
-لن أترككِ، اهدئي فحسب.
نظرتُ له وسط نظراتٍ قد تسلل إليها بعضُ اللوم وقلتُ بصوت هش:
-كاذب.. ليس هذا ما أخبرتني به في آخر رسالة.
-لكن، عندما تأتي النهاية تأتي بلا رسائل أو أعذار... عزيزتي.
-وأنتَ ربما قد خرقت هذه الحقيقة.
نظرتُ له بشك قد تسلل له هو الآخر، ولم ينبس أحدنا بحرف بعدها وإنّما سرنا بصمت قرب بعضنا البعض حتى بلغنا محلاً لبيع الزهور.
كان يقع على طرفِ المدينة، تملكه امرأة قد ودعت الستينات من عمرها قبل شهرين، ولكن لسبب ما كان مكدساً بالناس، فنظرتُ له في استغراب:
-لِم كل هؤلاء القوم يكادون يخنقون العجوز في الداخل؟
اقترب مجدداً وهمس في أذني:
-هذا ما يجلبه العزاء، قلوب منطفئة، ويوم من الرخاء لصاحب محل الزهور.
اقشعر جسدي من كلماته، ولم تسعفني كلماتي للرد، فقط التفتُّ لأجد أنه قد غادر صوب محطة القطار.
قطعنا تذاكرنا المعتادة نحو مركز المدينة، فقد كان زين يحب رؤية العالم من فوق، حيث يشعر أنه حر وفوق كل التوقعات، حيث يدهس الآراء ويعيش بين أفكاره بلا قيود.
صعدنا حيث ذلك المبنى العالي الذي اعتدنا أن نقضي فيه بعضاً من وقتنا مع أني أظن أنه كان يستغفلني ويأتي إلى هنا دون علمي كآخر مرة..
أمسك يدي بإحكام بالغ ونحن في طريقنا إلى سطح المبنى الذي سكن الصمت سطحه، فأبواق السيارات لم تُطل المكان.
نظرتُ له والتمعت عيناي بوهج غريب، وشعرت بقلبي مضطرباً مع كل خطوة، وهو لم ينظر إليّ قط حيث ودعتْ نظراتُ عينيه الأرض وشقت طريقها نحو السماء حيث النجوم وهو يسير مع ابتسامة ملء شدقيه.
-زين؟
نبستُ بصوتٍ عالٍ قليلاً قبل أن يخرج متزناً، استدار نحوي يقابلني مع ابتسامة بريئة حملت من المعاني ما قد أورث في قلبي الريبة والخوف.
-ميرال.. هذه كانت خطتي لاسمكِ، ولكن أمي قالت إن سلب الآخرين حقهم جريمة شنعاء وأنا لست بمجرم، وهكذا غدوتِ آن
قبَّل جبيني بعمق، قبلة شعرت بها تُسري البرد بين أضلعي ولم أفهم لماذا..
انتظرته ليتم ما يجول في خاطره، فهذه اللحظة ما هي سوى إحدى اللحظات النادرة حيث يخلي زين السبيل عن مشاعره.
-سألني لوثر ذات مرة إن كنتُ أخاف الموت.. أجبته بأني أخاف أنه سوف يرافقني ونتركك خلفنا، ولكني أيضاً لا أحب أن أكون شيئاً مؤقتاً..
في كل لحظة بدوتُ فيها صلباً كنتُ أشعر، وأشعر أكثر مما ينبغي حتى فهمت أن لا شيء يستحق، وكوني عاجز عن تغيير شيء ذكرتني بتذكرة قطار اللاعودة حيث يأخذك بعيداً عن كل ما يعكر مزاجك ويقتل شعورك، لا أدري عن الباقين، ولكني أحبكِ.. عزيزتي.
بدوتُ منزعجة من حديثه، ولكن كل هذا قد اندثر عند سماعي لرنة ضحكته حين كان هو منشغلاً بها وأردفتُ:
-لِم أشتاقُ إليك هكذا وأنت أمامي؟
لِم يبدو صوت ضحكتك بعيداً وأنت هنا بقربي؟
لِم تبدو وجوه الجميع باهتة في نظري؟
لِم أشعر أنَّ الليل قد طال وأن الشمس نسيت موعدنا؟
هل هذا تأثير اللامكان أم ماذا؟
نبستُ بمخاوفي دفعة واحدة عله ينجح في طمأنتي كما يفعل دائماً، وعندها سمعته همس لي:
-إنه تأثير الموت.. عزيزتي.
أنفاسي تأرجحت باضطراب، وخُيل لي أنَّ صوت نبضات قلبي قد تسلل حتى وصل لأذنيّ:
-زين؟
مضغتُ ريقاً ونبستُ باسمه بهشاشة أخافتني، فارتجاف جسدي لم يكن مبشراً بالخير، التفتُّ نحوه، ولكنه كان قد اختفى..!
لم يحتج عقلي كثيراً ليستوعب، ولكن قلبي المحب له وقف معارضاً بشدة لم أعهدها، فأحال المنطق لمحض كذبة بلا هوية، وعلى غفلة هاجمني طنين كدبابير تلسع بلا رحمة، مُعيداً لي من الذكريات ما صبرت كثيراً أن تخبرني أن فرصتنا في الحياة ليست واحدة، فرصة قد تُحَقق فيها أمنيتي ويعود فيها زين ليكون بجانبي.
انهار جسدي يضم الأرض، وعيناي معلقتان نحو الأفق حيث اختفى زين، فهو لم يستغفلني كعادته، فأنا لم أره مطلقاً يغادر من الباب حيث كنت أقف.
الذكرى السنوية الأولى على وفاته لم تكن هينة كما ظننتُ، لم تفلح محاولاتي لكرهه، ولم أُوفق في تجاوزه، مع آخر رسائله اندثرت أحلامي، فقد كانت تشمله في كل تفاصيلها على كل حال، وفقد الجميع بريقهم في نظري كما أفقدوه بريقه وروحه النابضة بالحياة.
شملتُ الكل تحت مسمى قتلة عزيزي أخي الوحيد، ابتداءً من أمي التي أثقلت كاهله بالتوقعات، فعندما غادرنا أبي خائناً للعشْرَة، رأت أمي في زين منقذها، صنعت منه شخصاً هو الأفضل على الإطلاق، ابناً باراً وطالباً هو الأول على صفه دائماً حتى السنة الثانية في الجامعة، حيث توقفت إنجازاته.
أرادت من الجميع نسيان روابطها بأبي واسمه، فانشغل الناس فعلاً بزين ومثاليته، أصدقاؤه وأساتذته، الجميع بلا استثناء، حتى أنا، شاركنا في قتله، عندما أثقلنا قلبه بما نريد ونشتهي، وكيف جعلناه بطلاً لقصصنا حتى تركناه يطوي خاصته ويتركها بين أكف النسيان.
عندما وجدته مستمعاً لمشاكلي لم أعلم أنه لا يملك واحداً يشبهه، أظنني ظننته خارقاً، ولكنه كان إنساناً أثقلته الهموم مثلنا وكسرت التوقعات ظهره، فرحتُ لأني كنت خياره الأخير ومودعه الأول، ولكنه لم يعلم أنه بفعلته تلك قد ألقى بقلبي في هاويةٍ مطفئاً إياه.
لم أكن أنشدُ المشفى حين استيقظتُ، بل نشدتُ رؤيته، ولكن واقعاً مخيفاً هو ما استقبلني، واقعاً لم يشمله، وحيث لم أجد أمي بقربي علمت لاحقاً أنها أيضاً كانت بحاجة لأحدهم ليمسك بيدها، حيث وقع خبر انتحار زين كصاعقة على مسمعها ونقلت من فورها إلى المشفى.
إفطارنا سوياً في الصباح، والمطعم الصغير الذي كنا نهرب إليه من الدنيا، ومحل الزهور حيث نعيش بلا هموم، وحتى البناية التي لطالما داعبتنا فيها الرياح، كلها كانت ذكريات لا تُنسى، ذكريات حيث كان زين جاراً لقلبي.
لم أعد من مصدّقي تلك الخرافة التي تعبث بعقولنا قائلة بأن موتانا نجوم ينظرون إلينا من السماء، فزين لم يكن ليرضى انكساري والبؤس الذي ألمَّ بي بعد رحيله ويلتزم السكون هكذا، ولكن لربما هو منشغل بنسياني والآخرين.
-كان عليك التظاهر أنك بخير وتستمر.. عزيزي.
النهاية
إكزولانسيس: كلمة إغريقية تعني فقدان الرغبة في الحديث عن شيء يخصك أو تجربة مررتَ بها؛ لأن من حولك لا يستطيعون فهمك.
لطفاً بقلوب الآخرين.
احببت اسلوبك في السرد والوصف.. ممتاز.. سلمت الانامل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.