قصة "قدح القهوة".. قصص قصيرة

ضاعت الكلمات عندما أردت أن أكتب عنك، لم أعرف كيف أصف مشاعري الآن.

كل ما أعرفه أنك ذهبت بغير رجعة وبطيب خاطر مني، تنساب الدموع من عيني كلما ذكرتك وهي مجازًا تشبه أمطار الشتاء.

ما زلت أذكر ابتسامتك التي لم أعُد أسمع صداها في أذني وكأن ابتسامتك غاصت في أعماق المحيط العميق.

ليتني كنت أملك آلة للزمان حتى أقابلك في مكان آخر وزمان مختلف، لربما وقتها يكون لقاءنا بالإمكان.

قد قدر علينا أن نبقى بعيدين وأنا على يقين أنه الصواب لكلانا على الرغم من آلامنا ووحشتنا ساعة الفراق.

ما زلت أتأمل تلك الوردات الذابلة التي جمعتها في كتابي القديم، كم ذبلت وضاع منها عبيرها، وأحسب أني بدونك قد أصبحت مثلها ذابلة تعيسة وحيدة بين الأوراق.

انشغلت وشغلت نفسي بكل شيء حتى أنساك ولكن رغمًا عني تخرج من بين ثنايا الذاكرة، وأتساءل بيني وبين نفسي أتذكرني كما أذكرك، أتتألم مثلي أم أنك قد تابعت المضي قدمًا في دروب الحياة.

لم أبكِ في حياتي قط ولم يكسرني فراق أحد وحدك من صنعت الدموع في عيني وجعلتني أتجرع مرارة الفقد والفراق.

أجفف دموعي وآمر عيني أن تتوقف جهلاً مني أن الذي يبكي إنما هو قلبي الذي قد فارق الحياة.

لكم تمنيت أن أعود إليك ولكن هي الحياه قد رسمت نقطة النهاية على غير موعد، بقليل من التعقل أدرك أن النسيان ربما سيأتي ليخفف عن نفسي كل هذا الألم والمعاناة.

تأتيني عشرات الرسائل يوميًا من بريد صفحتي وأقرأ معاناة القراء وأحاول أن أساعدهم قدر الإمكان وأن أخفف عنهم الألم الذي يشعرون به وأشارك في حل بعض المشكلات.

كنت قديمًا أتفاعل مع الرسائل بعقلانية مفرطة وكنت أضحك عندما أقرأ أن أحدهم يتعذب لفقد حبيب له، صرت الآن أحس تمامًا، كم كنت جاهلة وحمقاء حين تغافلت عن كل تلك المعاناة.

أصبحت أدرك أن نسيان شخص أصعب بكثير مما كنت أتصور، وأن النسيان نعمة كبرى ولكن قلما نحظى بها لتستمر الحياة.

حتى قلمي كلما هم بكتابة قصة ما زج باسمك بين السطور وكأنه يناشدني أن أتذكرك، لا يعلم أني ما نسيتك حتى أتذكرك ولست بحاجة لأن أذكر أسمك بين الكلمات.

أتمنى أن يمضي الزمان وأن أتجاوز تلك المعاناة التي أحياها صباح مساء، أحيانًا يخيل لنفسي أني نسيتك فأفرح وأنطلق للحديقة المجاورة ثم تأتي ذكراك لتعيد كل شيء كما كان.

ما زال قدح القهوة يذكرني بك، أعده ولا أرتشفه فقط أنظر إليه وأتذكرك وأتذكر أنك قلت أنك لا تفضل القهوة، ولكني أقنعتك أن تحتسيها بقليل من اللبن حتى تكون مستساغة لك قدر الإمكان.

أجل القهوة هي الشيء الوحيد الذي لم نختلف عليه قط ولم نفتعل الشجار، كنا تتشاجر ونعود، تارة تعود أنت وتارة أعود أنا ولكن عند عودتنا لا ندع مجالاً للعتاب؛ فكلانا عند العودة يكون في أشد الحاجة إلى الآخر.

نتحدث عما فعلناه أيام افترقنا ونتعاهد أن نبقى سويًا ثم ما نلبث أن ننقض تلك الوعود ونتخاصم لنعود من جديد يجمعنا هذا الشيء الخفي الذي لم ندرك حقيقته قط.

والآن بعد أن افترقنا إلى غير رجعة أود أن أعرف ما سبب كل التعاسة التي أشعر بها، فأنا من اخترت الفراق.

هل ما زلت ترتشف القهوة أم كرهتها عهدك وعدت كسابق عهدك، ليتك تعود ولو لمرة واحدة حتى أفهم سبب كل تلك المأساة.

حتى هذه اللحظة ومع كل تلك العبرات المتساقطة لم أفهم قط سر تعلقي بك، سر حفظي لكل تفاصيلك الصغيرة وتوقع رد فعلك تجاه أي تصرف مني.

أخبرتني وعاهدتني أنك ستبقى إلى جواري أبد الدهر ولكنك ما استطعت أن تفي بهذا العهد قط، لأن البقاء معًا كان بكل المقاييس شيء محال.

ارتشف قهوتك أو لا كل ما أعرفه أني لم أعد أرغب في أن أرى تلك الأقداح ولا حتى أن أشم روائحها لأنها ستجعل ذكراك تعود لمخيلتي.

تجاهلت المرور بتلك الحديقة التي كانت تجمعنا واخترت طريقًا بعيدًا عنها وكلما حنت قدماي نحوها أسرعت الخطى حتى لا أتعثر في جنباتها، فأنا لا أتصور نفسي فيها بدونك وأحسب أن مقاعدها ستكون أشواك قاسية بعد أن كانت بالأمس القريب واحة حب وحنان.

دمت سالمًا معافى في كل وقت ومكان وسعدت في كل دقيقة من عمرك هذا ما أتمناه لك الآن.

دمتم بكل ود.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

عندما يقولون ان آفة العلم النسيان... أنا أرى بأن النسيان نعمة خُلقت معنا ولنا، لنبتعد عن الكثير والكثير من مُحطمات الروح والفؤاد... ترقبي منشوري الجديد جاء فيه كمّ كبير من المعاناة والصراع الداخلي بين مرارة الواقع وذبول ورد الروح... الى مزيد من التوفيق والنجاح...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

بالتأكيد أترقب كل جديد منك وشكرا لمرورك الكريم
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

وجزاك الله خيرا كاتبنتنا الموهوبه .. أرغب في تحليل المحتوى لدي .. يهمني رأيكم في مقالاتي..
"تنساب الدموع من عيني كلما ذكرتك وهي مجازًا تشبه أمطار الشتاء.ما أروع تشبيهاتك ..
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يشرفني طبعا ومحتواك راق ومتألق دائما
ويسعدني متابعتك والاستفادة من ابداعاتك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة