منذ فجر التاريخ، تظل قصص الأنبياء وما رافقها من أحداث كبرى هي المصدر الأول لفهم النفس البشرية وتناقضاتها، ومن بين أكثر القصص المؤثرة التي سجلتها الكتب السماوية، تبرز حكاية ابني آدم كصرخة أولى في وجه الغضب والحسد.
في هذا المقال، نعيد قراءة قصة قابيل وهابيل ليس كحدث تاريخي فحسب، بل كدراما وجودية واجه فيها الإنسان الأول لغز الفناء وصدمة الفقد، ليتعلم من طائر صغير كيف يواري خطيئته تحت الثرى. إنها رحلة في أعماق النفس التي قتلت، واليد التي حفرت، والأرض التي احتضنت أول سر أسود للبشرية.
لغز السكون والموت الأول
قابيل يقف فوق جثمان أخيه، والدم لم يجف بعد من يديه. ناداه... فلم يرد. حركه... فلم يستجب. كان الدم على يديه أقل إرباكًا من هذا السكون. قابيل لم يعرف الموت من قبل، ولم يعرفه أحد من قبل. وقف فوق أخيه يحدق في اللغز الأول، في السؤال الذي لم تسبقه إجابة، في الشيء الذي فعله بيديه ولم يفهم بعدُ ماذا فعل. الجسد كان هابيل، والصمت كان شيئًا آخر تمامًا.

لقد كانا منذ لحظات يقفان في نفس المكان، ولكن المكان كان مشحونًا بالسخط الذي لم يُخفِهِ قابيل، حين لم يتقبل الله منه قربانه، فالله طيب ولا يقبل إلا الطيب. ولم يكن هناك صوت يشق الأفق إلا صوت غضب قابيل، الذي احمرَّ وجهه وتطاير الشرر من عينيه، كأنما أضرمت في صدره نيران لا تهدأ.
ارتجف صوته وشدَّ قبضتيه بعنف. ورغم ذلك، كان هابيل يحاول أن يهدأ، وعلى عكس ما كان يبدو عليه من سكون، ما زالت تلك النظرة عالقة في ذهن قابيل، تكشف ما كان يخفيه من توجس، وما يغالبه في داخله من أمواج مشاعر عاتية يودُّ كتمها، كي لا يكون صدىً لصوت غضب أخيه. وقالها.
اعترافات الندم: عندما ينطق الغضب بالهزيمة
هابيل... هابيل... هل تسمعني؟ لماذا لا يجيب ندائي؟ ماذا فعلت بأخي... يا ويلاه، ماذا فعلت؟ ماذا لو علم أبي؟ أنا كنت الأحق برضا الله منه... لم أكن أودُّ أن أقتله... ولكن لعن الله الغضب... أنا لست مجرمًا... إنه الغضب، نعم، لقد تمكن مني.
«جسد أخي أمامي. لكن ماذا يعني أن يكون «أمامـي»؟ قابيل أول من واجه هذا السؤال بلا معلِّم، أول من وقف أمام الموت دون أن يقرأ عنه، دون أن يُحذَّر منه، يخترع المعنى وحده، في هواء لم يشهد جريمة من قبل».
صدى الكلمات: وصية هابيل التي لم تمت
ثم جاء الصوت. ليس من الجسد، بل من مكان أعمق.
«لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» [سورة المائدة: 28]
إنه آخر ما قاله هابيل. صوته يتردد في رأسه مرارًا، ويتذكر تلك النظرة الأخيرة قبل أن يقضي عليه، لم تكن خوفًا، كانت أكبر من الخوف، كانت ناقوسَ تحذير مما أقدم عليه.
وأدرك قابيل، في تلك اللحظة الثقيلة، أنه لم يقتل أخاه فحسب، بل فتح بابًا دخل منه كل قابيل جاء بعده. أول كبيرة. أول جريمة. أول لعنة. «منذ تلك اللحظة، وكل يد ترتفع على أخيها تحمل بعضًا من دم هابيل».
معلم الأرض: الغراب والدرس الفطري
يقطع السكونَ المطبق صوت نعيق. رفع قابيل عينيه، ليرى غصن سنديانة ذابلة عارية من أوراقها، يجلس عليها غراب، ضيف لم يُدعَ. لكن يبدو أنه كان هنا منذ البدء، شاهدًا على كل تفاصيل الجريمة بهدوء، حتى لم يعد يطيق الصمت فأعلن بنعيقه المأساة.
ينظر بعين سوداء لا تبرئ ولا تدين، فقط تشهد. أطال قابيل النظر إليه، والغراب لم يَطِرْ. ثم طار فجأة من الغصن، وتبعه قابيل بنظره، ليهبط الطائر في قلب المشهد. وهناك، على مرمى بصره، انتبه قابيل إلى ما لم يلاحظه من قبل، ذلك الشيء الأسود الملقى على الأرض.
بدأ الغراب بدقِّ منقاره على الأرض اليابسة، يفتت التربة ويحثو بأجنحته، في عمل دؤوب لا يتوقف، حتى صار في الأرض مكانٌ. ثم رأى قابيل ما كان ذلك الشيء، غرابًا آخر، ميتًا. دفعه بأجنحته داخل الحفرة وردم عليه التراب. «إن كل ما تخجل منه، يجب أن يُوارى».
طقوس الوداع: حين فتحت الأرض أبواب أسرارها
ركع الجاني. أَلانت يداه اللتان أخطأتا، والدم لم يجف منهما بعد، تحفران الآن، تصنعان للجسد مثواه الأخير.
تنغرس أصابعه في التربة.. في البداية برودة الأرض القاسية، ثم الصدمة. الدم الذي جفَّ على كفيه يختلط بالتراب الخشن، وبدفء خفي غريب يتسلل من الدم إلى التراب، كأن الأرض تحاول امتصاص آخر ما تبقى من حيوية هابيل عبر يدي قاتله. وأدرك أن الأرض لم تكن يومًا مفتوحة هكذا، كانت مغلقة صلبة، والآن هو من فتحها ليودع فيها أول سر أسود للبشرية.
في تلك الثانية الأخيرة، رأى قابيل في وجه أخيه مرآةً لموته هو. وجه هابيل المغطى بالطين صار صوته الذي لن يصمت، وقبره الذي يحمله داخله أينما ارتحل.
وحين انتهى، وسوَّى التراب فوق أخيه، وقف برهةً أمام القبر. الجسد اختفى وصار جزءًا من ذاكرة الأرض، وبقي الأثر وسيبقى إلى قيام الساعة.
ومنذ ذلك اليوم ونحن نحفر. نواري موتانا، نواري خطايانا، نواري كل ما لا نطيق أن ننظر إليه.
علَّمنا الغراب أن التراب يقبل كل شيء.. القاتل والمقتول، الضحية والجاني. وإن ما يأخذه التراب منا، لا يرجعه أبدًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.