ما معنى أن تكون رجلًا قديرًا ذا منصبٍ عالٍ ووقار؟ ما معنى أن تلبس البذلة السوداء وتربط ربطة العنق الخانقة لتبدو أكثر أناقة ووسامة لأنك رجل أعمال؟ ما معنى أن تتلقى أرقى السلامات من هذا وذاك وتبادلهم ابتسامةً تُبدي الامتنان؟ ليس لذلك أيُّ معنى.
نعم. ليس لذلك معنى وأنت تعلم من سرق هذا وقتل ذاك. ليس لذلك معنى وأنت تتخبط في عالمٍ من النفاق، ليس الأمر فلسفيًّا كما يعتقد كثير من الناس، وإنما هو حقيقة واضحة يُنافيها الإعلام، فيعرض السارق رجلًا يهب ماله لدار الأيتام، ويعرض قاتل الفتيات مديرًا لمدرستهم وضع الحراسة على الباب لترمي بكل شابٍ يتربص بفتاة!
إن الكلام سهل، والتمثيل يجيده أغلب الناس، صدقني لو أجرينا اختبارًا لبراعة التمثيل لوجدت أن كل الناس ستتألق بوسام، فمنهم من اضطر لتجربته، ومنهم من طُبع على قلبه فأصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، ولو سألته هل تحب التمثيل؟ لأجابك بأنه كذبٌ واضحٌ وخداع!
لطالما صعدت أعلى الهضبة الخضراء، وجلست تحت شجرة التين لتظلني بفروعها الحانية وأوراقها الكبيرة، صدق الله عندما ذكر ثمرتها في كتابه الكريم، فكم لها من آياتٍ صادقةٍ لا تغيب، ولكم تأملتُ السماء في كل ليلةٍ ونهار، فرأيت الغيوم تعانق بعضها بعضًا دون خداع، ولو حصلت بعض الشحناء فإنما هي نتيجة الحب والهيام، فيهطل الغيث منها وكأنها تعصر ما بها من أثقال، لتغيث الظمآن وتروي القلوب التي أضناها الزمان، وكل ذلك، قلَّ من يراه!
ولطالما حملت الشمس معها أعباء اليوم وضناه، وغابت خلف الجبال، كطفلٍ يختبئ بخجلٍ خلف أبيه، ليشعر الإنسان بالسكينة والاطمئنان، بعيدًا عن نفاق البشر، قريبًا من الله، ولكن، قلَّما يستطيع الإنسان الغياب عن هذا العالم وهراء الناس.
ينوي الشعور الاطمئنان، فتأتيه الحقائق كصفعةٍ تصمُّ الآذان! ليسدل الليل ستاره، وأرى العم حسن بائع اللبن، وهو يضرب غلامه بكل ضراوة وشراسة، فقط لأنه، لم ينهِ البيع قبل الأوان، وكأنه هو من يحضر الأرزاق، وكأنه هو من سيجبر الناس على الشراء! ما له وما للحقيقة التي تُخبره أن لكل امرئ أرزاقًا كتبها الله! تأتيه في وقتٍ معلوم عنده، لا يمكن له الاختيار!
وإني لا أتعجبُ من هذا الحال، ولكنني أشفقت على نفسي عندما اعتقدت أنه يشبه جدي، الذي كان يحمينا من تأنيب الوالد، دون ضربٍ أو إذلال!
ولكم هبطت هذه الهضبة قبل الفجر، ولم أستطع قيام الليل، فقط لأنني كنت أحمل الأطفال الرضع الذين تحولوا إلى أيتام، ووضعوا بجانب حاوية القمامة دون أي رحمةٍ أو سلوان.
ولكم تعجبتُ وتصلبت عندما رأيتُ الصديق المخلص وردان، وهو يعود متراقصًا كالمجنون الطربان، لا يفقه شيئًا ويناديني بالجذعان! وكيف لا أكون كذلك وصديق عمري قد جُن يا ناس؟!
وكل ذلك، في سواد الليل يبدو كلوحةٍ واضحة أمام العين، أو كفيلمٍ لن يرغب بإكماله أي شخص، كل ذلك رأيته من أعلى الهضبة الخضراء، التي قصدتها للتأمل وطلب الراحة والاسترخاء، فرأيت من الحقائق ما جعلني أتمنى لو أنني لم أعرف هذا العالم بشدائده والإجرام.
وعلى الرغم من كل ما رأيت، وما زلت أراه، ما زال يوجد جزءٌ آخر من حكاية الإنسان، تظهر حقيقته في ظلمة الليل، فقد تعرفه وقد لا تراه على الإطلاق، فلكم راودني إحساسٌ بالفخر والمحبة والإصرار كلما رأيت الشاب عمران الذي ظهرت عليه أسوأ الشائعات عن خروجه ليلًا دون وجهةٍ أو أسباب، وأما عيني فقد رأته قاصدًا باب الله، خادمًا رجلًا عجوزًا قد أضناه الزمان وفقد بصره وهزل جسده، وأراد في كل ليلة الاستماع لصوته يتلو القرآن، ليختم حياته وهو يسمع كلام الله من لسانٍ عذبٍ وقلبٍ صافٍ.
ولكم تعجبت من الجار رضوان النجار، وهو يحمل الكراسي والطاولات طوال الليل ليوصلها إلى دار الأيتام، وكان يرفض أخذ أي أجرٍ مقابل تعب النهار وسهر الليالي من أجل يتيمٍ أراد رؤية ضحكته تعلو وجهه مع كل لحظةٍ وأذان.
وإني لم أستغرب العم فرقان وفي كل فجرٍ يطرق باب السيدة إلهام أرملة جاره السابق، ليعطيها الفواكه والخضار، حتى الحلوى للأطفال لم تكن في محلٍّ للنسيان.
وأما ابنة جارنا اللطيفة، فكانت تصطحب معها كيسًا يضم نوعًا من الطعام، لتضعه أمام القطط الجائعة التي تنتظرها كل يومٍ في الساعة نفسها والدقيقة نفسها، قبل ركوب الباص.
فكانت لهذه الهضبة سر الحكاية، حكاية الخلق، حكاية الدنيا، فإما النجاةُ وإما النار، وإني لمؤمن أن المجرم يحترق في الدنيا قبل الآخرة، يحترق بماله الذي سيوقعه في السجون، وبقوته التي ستقضي عليها الحوادث والأيام، وبشدته التي ستجعله جاثيًا أمام طفلٍ قد رمى أباه في أحد الأزمان.
لا تغتر بما لديك، بل كن ساعيًا وشاكرًا لله، ولا تبقَ أعلى الهضبة، سواء أكانت خضراء أم جرداء، بل اهبط منها الآن، وشارك قبل فوات الأوان، في فعل الخير وابتعد عن شرور الصنعان، كن سببًا للسعادة، أو سبيلًا للنجاة.
فلو كان لديك المال، فتذكر أن الله وهبك إياه، ولأحدهم به نصيب، فلا تنسَ أطفال الخيام.
ولو كانت لديك القوة، فتذكر العجوز الذي يعتمد على الحائط للقيام، ويسقط مرة وأخرى من أجل الوضوء والصلاة، وقد يعجز عن رفع ملعقة الطعام، ولم يُرزق بالأولاد، ولكنه كان مديرًا بمواصفات الأب لروضة أطفال، ولعله كان مديرك يومًا ما.
ولو أخطأت يومًا بل أيامًا، فتذكر أنك إنسان قادرٌ على الإصلاح، وأن الله ينظر إليك ويراقبك، من أعلى العرش، منتظرًا توبتك، فأحسن الختام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.