كان أبا صالح مُعلمًا في بلدة صغيرة، مكث فيها قرابة العشرين عامًا في مدرستها الابتدائية الوحيدة، بنى فيها علاقات اجتماعية طيبة مع كل شرائح المجتمع الريفي هناك، فأحبه كل من عرفه، فقد كان ليِّن الجانب، دمث الأخلاق، طيب المعشر، وحين طلبت الديرة أهلها غادر تلك البلدة وعاد إلى بلده الأصلي مسقط رأسه الذي ولد فيه.
بقيت علاقاته وتواصله مع بعض أهل تلك البلدة إلا أن الغالبية العظمى منهم ما عاد يسمع عن أخبارهم شيئًا، وذات يوم بعد أن مضى على مغادرته البلدة لأكثر من عشرين عامًا، آخر حضر جمع غفير من أهل البلدة لعزاء شخصية هامة في بلده، وحضر أبا صالح العزاء..
وفور دخوله خيمة العزاء التف حوله الكثير من رجال وشبان تلك البلدة، فكل رجالها يعرفونه وغالبية الشبان يذكرونه في طفولتهم حين كانوا في الصفوف الأولى الابتدائية، كان مهرجانًا بكل معنى الكلمة فالوجوه كلها ضاحكة، والقلوب كلها متلهفة إليه لتستمع لحديثة الممتع، فقد كان اللقاء به جميلًا وسعيدًا رغم أن المناسبة حزينة وفي بيت عزاء، إلا أن المفارقة جاءت حين تقدم منه أحد الشباب وعرفه بنفسه، وكان ابن أحد رجالات البلدة المعتبرين، ومن عائلة مرموقة يعرف أغلب رجالاتها.
قال: يا أستاذ أنا محمود ابن بركات قال: والنعم منكم كريم ابن كريم. كيف حالكم وكيف صحة والدك وما هي أخباره قال: والله يا عم والدي أعطاك عمره منذ سنتين أي توفاه الله.
قال: رحمه الله تعالى وأحسن إليه كان نعم الرجل وسيد قومه. فما أخبار عمك حسن؟ قال: كذلك توفاه الله منذ زمن بعيد. قال: رحمه الله وأحسن إليه فما أخبار عمك حسين؟
قال: هو الآخر توفي منذ ثلاثة أعوام وبقي مريضًا لأكثر من سنة مقعدًا في الفراش. قال فليرحمه الله. طيب وما خبر خالك صالح؟
قال: خالي صالح أصابه فالج، وبقي يعاني لسنوات طوال، ثم توفاه الله منذ زمن قريب، منذ أشهر قليلة فقط. قال أبو صالح: وخالك عبد الله؟
قال خالي عبدالله أيضًا توفي في المدينة المنورة حين ذهب في عمرة منذ قرابة الخمس سنوات، ودفن بالبقيع.
توقف أبو صالح عن عدِّ الأسماء، وربما خشي أن يعدد أكثر ويسأل عن بقية الأصحاب ليقال له توفوا جميعًا ولم يبقَ منهم أحد، فاكتفى بما ذكر، ثم تلفت حوله قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له .وأردف قائلًا: كم غادرنا من الأحبة إلى دار الحق. فسبحان الحي الباقي الذي لا يفنى ولا يموت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.