قصة "غربة".. قصص قصيرة

جلسَ القرفصاءَ أعلى التلِّ، وأجالَ نظرهُ في المساحاتِ الخضراءِ من حولهِ، يقارنُ بين صورتينِ: صورةٌ تطفوُ على مسرحِ مخيلتهِ إذا ما اشتاقَ إلى الطفلِ الذي كانَهُ، وصورةٌ يراها بعينِ الشابِّ الذي حققَ أو لم يحققْ بعضَ ما تمنى.



غابَ يفكرُ في أحلامِهِ وطموحاتِهِ التي لهثَ وراءها تاركًا وطنهُ، تُبدِّلهُ السنينُ وتطوي ذاكرتَهُ الأيامُ وتمحو معالمَهُ صروفُ الدهرِ، أكانتْ أمانيهُ حقًا تستحقُّ؟ سؤالٌ يترددُ صداهُ في خلجاتِ نفسِهِ، كأنما هو ندمٌ، وهلْ للندمِ في حياتِهِ مظهرٌ؟

يتذكرُ أيامهُ في ضواحي قريتِهِ المعزولةِ، وسطَ كثبانِ الرملِ، محاطةً بأشجارِ النخيلِ الطوالِ.

يرى نفسَهُ وهو يتزحلقُ مع الأولادِ على تلالِ الرملِ ويتسلقُ جذوعَ النخلِ، يتحدى الفتيانَ أيُّهمْ يصلُ إلى أعلى النخلةِ أولًا؟

لقطاتٌ من عهدِ طفولتهِ تسبحُ أمامَ عينِيهِ، فتحجبُ عنهُ خُضرةً ملأتْ مدَّ البصرِ، وأرسلتْ نسيمًا عليلًا يبعثُ النشاطَ في الجسمِ والسكينةَ في النفسِ، غيرَ أنهُ سافرَ بوعيِهِ لعالمٍ آخرَ، عادَ بروحِهِ لتلكَ الصحراءِ الواسعةِ المقفرةِ، يومَ أنْ كانَ للنجومِ صديقًا وللقمرِ أنيسًا، يرسمُ بقلمِ خيالهِ أجملَ اللوحاتِ عنِ العالمِ والحياةِ.

يتأملُ حبَّاتِ الرملِ وقدْ توشَّحتْ لباسًا جديدًا بعدَ أنْ نزلتْ الرياحُ ضيفةً عندها، فالصحراءُ جميلةٌ تفتنكَ بأزيائها، لا تنفكُ تُبهركَ بتصاميمها التي لا ينضبُ معينُها، فسبحانَ المصممِ المبدعِ!

ثابتْ إليهِ نفسُهُ، فلمْ يملكْ إلا أنْ تلفتَ حولهُ، أما رأى حلمًا أمْ حقيقةً؟ يبصرُ العشبَ الأخضرَ يغطي كلَّ شيءٍ، يتلمسُ الطبيعةَ منْ حولهِ لعلها تواسيهِ بأنْ تنقلبَ صحراءً مظلمةً هادئةً ينيرُها ضوءُ القمرِ ويزينُ سماءَها لمعانُ النجومِ.

وهوَ يسندُ ظهرَهُ إلى صخرتهِ العزيزةِ التي لطالما بثَّ عندها للقمرِ شجونهُ وأحزانهُ، وحكى لهُ وللنجومِ قصصًا وخيالاتٍ عنْ مستقبلِهِ وغاياتِهِ ومشاريعِ حياتِهِ، حدثهمْ عنْ ضجرهِ منْ العيشِ في هذهِ البقعةِ النائيةِ منْ العالمِ وعنْ يأسهِ منْ تحقيقِ أحلامٍ كانَ يسمِّيها أوهامًا وهوَ يطالعُ النجومَ بعينٍ حائرةٍ عندَ الصخرةِ.

تفيضُ مشاعرُهُ بالشغفِ مرةً وبالإحباطِ مراتٍ، فيسوقُ الأعذارَ ثمَّ يعودُ يفندُها، فيزيدُهُ ذلكَ حيرةً إلى حيرتِهِ، يكفُّ عنْ التفكيرِ ويدعُ عينيهِ تأخذانِ قلبهُ وعقلَهُ في رحلةِ استشفاءٍ منْ غمومِهِ التي أثقلتْ صدرَهُ، فيغازلُ النجماتِ نجمةً نجمةْ، يغارُ القمرُ عليهنَّ منْ عينِ صاحبِنا، فيشتدُّ ضوءُهُ ويطغى لونُهُ، فيُخفي بريقَ النجومِ لكنهُ لا يقدرُ أنْ يمحوَ ذلكَ اللمعانَ في سماءٍ كلُّها نجومٌ وهوَ قمرٌ واحدٌ بضوءٍ أبيضٍ باهةٍ، فهلْ يحبسُ هذا الجمالَ وهذهِ الروعةَ لهُ وحدهُ؟ لا أظنُّ صاحبي كانَ يرضى بذلكَ.

تنبهَ منْ هذيانهِ وأدركَ أنْ لا رجوعَ ولا صحراءَ ولا نجومَ، فهنا الأضواءُ الساطعةُ تخفي عنهُ مؤنساتِ ليلِهِ وكاتماتِ سرِّهِ، وهنا الضوضاءُ المزعجةُ، فعيناهُ لمْ تصحباهُ في رحلةٍ إلى الحبيباتِ في السماءِ منذُ أنْ وطأتْ قدماهُ هذه البلادَ، فزعًا منْ مزاميرِ تلكَ الأشياءِ ذاتِ العجلاتِ.

نعمْ حصلَ على ما يريدُ منْ مالٍ، لكنهُ فقدَ راحةَ البالِ...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة