في عالمٍ يحكمه المنطق الصارم والتقاليد العائلية التي لا تقبل الجدل، تجد أسيل نفسها محاصرة بين شغفها بالخيال والرسومات وبين طموح عائلتها الطبي، لكن «كتابًا» واحدًا في مكتبة متنقلة كان كفيلًا بقلب الموازين. فقد كان في انتظارها بين الكتب بوابة لعنة قديمة انتظرت ألف عام لتتحرر، وتبدأ معها رحلة الهروب من الواقع إلى غابة الدم.
لا تلمس ما ليس لك
أنا كأسيل لا أنوي أن أدخل أقسام الطب تلك التي يحاول أبي وأمي أن يضغطا عليَّ لدخولها، أنا أعشق الرسوم والكتابة والخيال، أنا قادرة على الإبداع 24 ساعة في الـ24 ساعة، أهذا عيب؟ لماذا لا يفهمني أحد...
تلك هي الكلمات التي قالتها أسيل بعد أن تشاجرت مع أبيها، وقال لها إنه سيقدم لها طلبًا في مدرسة الطب والتشريح المتقدمة بالبلدة كعادة عائلة الفهد، وكل مواليدها من بلدة كارفسلت...
في إحدى الليالي التالية لتلك الليلة دلفت أم أسيل، السيدة كريمة، إلى غرفة ابنتها لتجدها تقرأ إحدى الروايات، فقالت لها: ألا يكفي؟ صار سنك 17 عامًا، يكفي روايات ورسومات وخيال، انزلي إلى واقعنا لو تكرمتِ، أنا لا أريد مشكلات مع والدك، أنتِ لا تعقلين...
كل هذا والفتاة أمامها جامدة مذهولة الوجه...
تنهدت أسيل حين خرجت والدتها، وقالت: أنا حتى لا أمتلك حق الدفاع عن نفسي، ثم ذهبت ناحية الشرفة وقالت: ألا يحدث لي شيء يغيثني عما يحدث لي أنا...
فقاطعها صوت أختها الأكبر وهي تدخل الغرفة لتقول لها: أما زلتِ مجنونة وتحدثين نفسك؟ أرجوكِ، يكفي الليلة، فأنا متعبة من كثرة المرضى في الدار...
فردت أسيل: طبعًا ليس لي سوى أختي وداعمتي الوحيدة التي تفهمني، لمَ لا تنامي يا تولين وتنسي أمري، فلديكِ مرضى صباحًا...
لا، غدًا إجازتي، وكنت أنوي أن أُسعد جنابك وآخذك إلى مكتبة حدثني عنها أحد المرضى في الجهة المقابلة للمدينة، تتنقل من بلد إلى بلد لتنشر الثقافات، أنا أريد أن أبحث عن معلومات جديدة عن الأمراض والأدوية، وأنتِ اغرقي في عالم سندريلا الذي تعيشين فيه...
هل تعلمين أنكِ من أفضل الأخوات في هذا العالم؟ أعطيني عناقًا...
لا، لا، لاااااااا...
هيا، قلت أعطيني عناقًا، بمعنى أعطيني عناقًا، لن أتنازل...
ثم أخذتا تضحكان وتتبادلان أطراف الحديث حتى نامتا، غير عالمتين بالمفاجآت القادمة إليهما في الغد...
في اليوم التالي دق باب المنزل، لتفتح السيدة كريمة وتجد أزهار صديقة تولين، فألقت عليها التحية ودعتها للدخول، ولكن قاطعتها أزهار لتقول إنها تنتظر تولين لتذهبا إلى المكتبة المتنقلة، وفي نفس ذلك الوقت نزلت الفتاتان درج المنزل جاهزتين للرحيل، وضحكت أسيل عند رؤيتها لأزهار وذهبت لتعانقها بقوة، وأخذتا تتحدثان مبتعدتين عن باب المنزل، في حين أوقفت السيدة كريمة تولين لتقول لها: احرصي على ألا تسبب تلك المجنونة أية متاعب، فأنتِ تعرفين والدك، ولا نريد مشكلات أكثر...
فردت تولين: يا أمي، انسي، فقد كان حادثًا منذ زمن بعيد، لا تعيريها ذلك الحرص الزائد، أنا أعرف أختي جيدًا، وعلى كل حال لن نتأخر هناك...
تنهدت السيدة كريمة، ثم دلفت إلى المنزل، لتخرج تولين وتصيح للفتاتين المبتعدتين: انتظراني يا غبيتين، إني آتية معكما أيضًا...
أمام مكتبة جولنار
هل لأنكِ الكبيرة تعذبينني هكذا؟ لقد اضطُهِد حقي كإنسانة، أريد الماء يا قوم، عصيرًا، الحقوني... قالتها أسيل بنبرة مضحكة تذمرًا؛ لأنهن قد قطعن مسافة كبيرة جدًا على أقدامهن، ولم ترضَ تولين أن تترك أختها الصغرى تشتري ما أرادت؛ لأنها تعلم أنها مجنونة وستنهي أموالها فور دخولها محل البقالة.
ردت أزهار منقذة الموقف: اهدئي يا فتاة، ستحصلين على كل ما تبغينه داخل المكتبة، لقد نظمنا يومنا جيدًا...
هيا لندخل، وكفاكِ تذمرًا بدلًا من أن أرسلكِ إلى المنزل داخل أي عربة... فتنهدت أسيل في ضيق.
دخلت الفتيات إلى المكتبة خيمة الشكل، ليجدن صرحًا عظيمًا من الحوائط المصنوعة من الأخشاب، مصممة بعناية على شكل رفوف، فقالت أزهار: والآن كيف سنبحث عن الكتب؟ تلك المكتبة كبيرة، وهناك كتب بعيدة عن متناولنا في الأعلى...

فتنهدت تولين في ضيق لتقول: ما بكن اليوم؟ نحن لم نكمل دقيقة في الداخل، صبرًا يا أم أربعة وأربعين أنتِ، وإياكِ أن تتعلقي بنكاتك يا أسيل، أنا لست ذات بال، هيا لنأكل، ثم نستكشف المكان...
توجهت الفتيات إلى أحد الأكشاك المخصصة للأكل، وأخذت تولين ترمق أختها بنظرة حنان وهي تنتقي أصناف الطعام والشراب، وقطعت نظرتها أزهار لتقول: أرى أن أميرتنا قد تعافت أخيرًا وصارت تتفاعل مع البشر، لا تقلقي عليها، إنها قوية مثلك...
لا أعتقد هذا يا أزهار، إنها رقيقة جدًا وهشة، وأخاف أن يؤذيها أحد لهذا السبب، ولكني سأحرص دائمًا على سلامتها...
قاطعتهما أسيل بعرقلتها أمامهما لتقول: ماذا الآن؟ هذا الطعام، انتقيت السجق لحبكِ له يا سيدة تولين، وهذا لكِ يا أزهار، مثلكِ مثلي نودلز اللحم مع البطاطا المقرمشة، آه، نسيت المشروب الغازي عند البائع، انتظراني دقيقة...
ثم هرولت ضاحكة لتعود بكيس داخله قنينات المشروب الغازي، وقبل أن تتكلم ضحكت أزهار وقالت: هيا لنجد منضدة ونجلس قبل أن يبرد الأكل...
بعد انتهاء الفتيات من الطعام ذهبن إلى لوحة جدارية تسمى فهرس المكتبة، عرفن منها أن لكل جدار رقمًا في أعلاه، ولكل رقم تصنيف «طب وتشريح/مغامرة/تاريخ/علم نفس وغيرها».
أخذت تولين أختها إلى قسم الخيال العلمي بعد إلحاح، وتركتها تتصفح الكتب لتكتسب هي وأزهار بعض الوقت، ولتذهبا لتصفح كتب الطب والتشريح المتقدمة، ومن هناك بدأت المعضلة الكبرى عندما تحدثت أسيل إلى أحدهم كان مارًّا بجانبها، وقالت له: ألا يوجد هنا كتاب تكون قصته بالنسبة لنا خيالًا، ولكنه أقرب للواقع أكثر؟
فدهش الرجل وقال لها: احذري مما تتمنينه يا ابنتي، ما تمسكينه في يدك أفضل، أغلب الكتب هنا مراقبة من قِبَل السلطة الروحية لكارفسلت، تصفحي ما يمكنك تصفحه وعودي لبيتك سالمة، لا تعبثي بتلك الكلمات مجددًا...
ثم تركها وذهب...
تفاجأت أسيل مما قاله، فهي لم تطلب شيئًا محظورًا مثلًا، ولكنها قالت: هذا مجنون بالطبع، سأذهب إلى قسم الأساطير القديمة، لعلها أفضل من روايات الأطفال تلك...
تحركت أسيل تبحث عن قسم الأساطير القديمة مفعمة بالأمل، لتجده أخيرًا مظلمًا، فتوجهت إلى أحد الكتب فقرأت غلافه: «فن تعاويذ الملك ست»، فأخذت تتفحص غلافه الواضح عليه الطراز الفرعوني القديم، ثم تركته ليلفت نظرها كتابًا مغلقًا بالسلاسل والقفل الذهبي الصغير.
بحثت الصغيرة عن طريقة أو مفتاح للقفل، ولكنها لم تجد شيئًا؛ ليظهر أمامها رجل طويل القامة، داكن البشرة، غليظ الملامح، مكبل الأيدي، ويقول بصوت أقرب إلى الأشباح: «اقتربي أيتها المنشودة، فلقد وقع عليكِ الاختيار لحل اللعنة عني وعن الغابة كلها...».
وفي جزء من الثانية انفجرت الأغلال، لتنظر أسيل مرعوبة إلى الكتاب الكامن في يديها، ساطعًا منه نور أحمر يكاد يكون دمًا، وتنتبه فجأة إلى الرجل الذي حذرها سابقًا يصرخ قائلًا: «ماذا فعلتِ أيتها الغبية؟ لسوف تشهدين أيامًا أسود من ليل السماء...».
الغريب في كل هذا أن هذا كله كان في المكتبة المكتظة بالبشر، غير سامعين لما يدور... ثم رمت أسيل الكتاب وهرولت في رعب إلى خارج المكتبة، لتراها أزهار وهي تخرج، وتنبه تولين، وتُسرعان حتى لحقتا بها بعد مدة من الجري. وهناك استشاطت تولين من الغضب، وتقاطعت كلماتها لأسيل وهي تقول بنبرة تعبر عن كمِّ الجهد المبذول في الجري: «ماذا حدث لكِ؟ هل جننتِ؟ لو لم أجد تفسيرًا ستكونين معاقبة، ولن تخرجي من المنزل ثانية...».
وعندها انفجرت أسيل في البكاء، واحتضنتها أزهار بقوة لتخفف عنها، وأخذت أسيل تقول في رعب: «خذيني إلى المنزل، أنا لا أريد الخروج مجددًا، أرجوكِ يا أزهار، اجعليها تأخذني من هنا...». فطمأنتها أزهار وهي تتحرك بها نحو عربة، في حين وقفت تولين في ذهول مما تراه من حالة الانهيار العصبي لأختها، ثم لحقت بهما إلى العربة التي أخذتهما بعيدًا إلى منزل عائلة الفهد...
دخلت الفتاة في رعبها مسرعة إلى سريرها، والتفت بغطائها وأخذت في الارتعاش، في حين سألت السيدة كريمة الفتاتين عما أصاب أسيل، فأجابتا بعدم فهمهما للتصرف المفاجئ لها، ثم استأذنت أزهار لتعود لمنزلها بعدما اتفقت مع تولين أن تأتي في الصباح الباكر لتطمئن على أسيل، وصعدت تولين وأمها إلى غرفة الفتيات لتريا أسيل، ولكن بمجرد أن فتحتا باب الغرفة لم تجداها...
أين هي بحق السماء؟ أين أختك يا تولين؟
لقد صعدت أمامنا يا أمي...
ماذا حدث هناك؟ أجيبي، ماذا حدث قبل أن تحدث مصيبة للفتاة؟
أقسم لكِ يا أمي، لم يحدث شيء، كانت تقرأ الكتب، ثم فجأة تحركت راكضة خارج المكتبة و...
سمعتا صوت ضجيج خفيف في دولاب أسيل...
انتظري يا أمي، أعتقد أني علمت أين هي...
فتحت تولين الدولاب لتجد أختها مغشيًّا عليها داخل دولابها، فحملتها بمساعدة أمها ووضعَتاها داخل السرير...
داخل مكتبة كارفسلت
يهرول شاب في الـ20 من عمره إلى خارج المكتبة ليلحق برجل، يتضح بمجرد الاقتراب منه أنه ذلك الرجل الذي صاح في الفتاة، وعندما اقترب منه الشاب صاح فيه الرجل قائلًا: «جلبت لنا المتاعب يا ماندو، قلت لك أخفِ الكتب الأصلية حتى لا يعبث بها أحد، هاك الآن، لقد حررت تلك الغبية جِنَّ الغابة، ولو وصل أحد سكان غابة الدم إلى عالمنا ستكون العواقب وخيمة...».
«أعتذر يا سيدي، ولكني عملت كل ما استطعت عليه، لقد سلسلت الكتب ووضعت عليها الأقفال حتى لا يستطيع أحد أن يفتحها، لا أعلم كيف فعلت هذا، ولكن الآن ما العمل؟ كيف سنوقف هذا؟ يجب أن نتصرف، فلا أحد يعلم شيئًا عن الغابة أو ما سيحدث إلا أنا وأنت...».
رد الرجل عليه بنبرة تبين أنه يتصنع الثبات من الخوف:
«صدقني، لا أعلم إن كان قد كتب مصير تلك الفتاة بأن تكون إما حامية الغابة أو مدمرتها، فأنا لن أقدر على فعل شيء، أنا حتى لا أعرف من هي أو أين تقطن لأحميها، ولكني أعلم جيدًا أن هذا الجني الذي ظهر لها سيظهر ثانية، وعندها ربك وحده هو من يستطيع حمايتها...».
أخذ الفتى يفكر قليلًا ليرد بعد لحظات: «ألم تقل لي منذ مدة إنك تعلمت في أراضي ليكان تعويذة الاستحضار؟ لِمَ لا تطبقها على الفتاة وتحضرها إلينا، ولنقم بتعليمها كيف تدافع عن نفسها؟ حتى إنك تعرف أنها من غيرك ستموت...».
«عندك حق، ولكن يا من أُنزلت عليه نعمة الغباء دون غيره من البشر، كيف سأفعلها دون شيء يعود لها؟».
«ماذا تحتاج إذًا؟».
«أحتاج أي شيء، وشاحًا أو قطعة ملابس أو خصلة شعر، أي شيء...».
«أرى أنني لم أكن غبيًا لتلك الدرجة، انظر...». أخرج قطعة قماش من جيبه قائلًا: «ليست لها، ولكنها للفتاة التي كانت معها، مزقتُها من فستانها وهي تجري وراءها، فقلت في نفسي يمكن أن نحتاجها...».
«أتعلم أنك لست غبيًا لتلك الدرجة؟ تعال ورائي إلى الداخل، ولكن احرص على ألا يتبعنا الماكر يا ماندو، فأنت تعلم فضوله وحبه للمصائب...». هز ماندو رأسه ثم ذهب وراء الرجل...
غرفة أزهار
دخلت أزهار غرفتها متعجبة من أحداث يومها، وفوجئت وهي تخلع فستانها أنه ممزق من الأسفل، فتنهدت بضيق كبير، ثم بدلت ثيابها وأخذت تتصفح كتبها لتختار واحدًا وتجلس به على مكتبها، وتبدأ الغوص في أسرار علوم الطب المتقدم؛ فأزهار في مثل سن تولين وتتدرب لتكون دكتورة جراحة في مستشفى المدينة التي تعمل بها تولين، ولكن لأنها لم تتمكن من حضور امتحانات نهاية العام الماضي لوفاة والدها، عامل مصنع الأدوية، تأخرت سنة كانت فارقة مع صديقتها.
ولهذا هي تذاكر وتتدرب بجد لتصبح أمهر طبيبة في المدينة، وتعالج من زادت نفقات علاجهم بمقابل رمزي أو بالمجان... ولكن قاطع تركيز الفتاة الشديد صوت اهتزازٍ داخل غرفتها وأصوات مثل الأشباح، فصرخت بشدة...
غرفة أسيل
سكبت تولين قطرات من الماء على وجه أختها، في حين حثت أمها على إذابة بعض الأعشاب التي أعطتها لها لتُقدِّمها لأختها، وعندما أفاقت أسيل لم تأخذ برهة حتى عادت نوبة الذعر من جديد، لتجد صفعة قوية على خدها من أختها وهي تقول: «توقفي وأفيقي، إني هنا معك...» وبدأت بالبكاء البطيء. نظرت أسيل إلى أختها كأنها أفاقت من حلم، وقالت لها: «لماذا أنا؟ لماذا دائمًا أنا؟ ما الخطأ فيَّ؟ أنا لم أفعل شيئًا، أقسم لكِ...»
تعجبت الأم، فقالت تولين وهي تضمها: «حدثيني ماذا يحدث، وأنا سأحل لكِ الموقف، وإن آذاكِ أحدهم سأقطع له رقبته، ولكن يكفي بكاءً، لقد تقطع قلبي أنا وأمك يا صغيرتي...»
فهدأت أسيل وقالت: «لا، قال لي ألا أتدخل، ولكني تدخلت، ولن أدخلكِ في هذا، أرجو من ربي أن يكون كل هذا أوهامًا لم تحدث وانتهت بسلام، ولكن أرجوكِ لا تتركيني يا أختاه، أنا خائفة جدًا...»
طمأنتها تولين وأعطتها شراب الأعشاب لتأخذ رشفة منه، وقالت لأمها التي وقفت غاضبة: «اذهبي يا أمي، حضري لنا الطعام، وأنا سأكون بجانبها...» فقالت الأم: «من الأفضل لكِ يا تولين أن تُصلحي ما فعلته قبل أن يأتي والدك ويقتلنا جميعًا إن اعتقد أنها فعلت شيئًا آخر خاطئًا...»
قالت تولين في غضب: «ألا يمكنكِ أن تصمتي رجاءً؟ إنني لا أهتم بكلام أحد، فمن فضلك اذهبي...»
حينها سرحت أسيل لبرهة تتذكر السنة الماضية والفتى السكران الذي حاول اغتصابها، ثم تحول أمامها إلى ذئب ولم يصدقها أحد... قاطعت تولين شرود أسيل؛ لأنها تعلم ما شردت فيه، لتقول لها: «أنا بجانبك، لا تخافي، كل ما عليكِ هو الهدوء، وأنتِ تعلمين جيدًا أنكِ أختي المدللة، وأنا سأدعمك وأصدقك مهما حدث، ولكن قولي لي ماذا حدث حتى أساعدكِ يا حبيبة أختك...» وأخذت تلمس شعرها وجبينها... وبعد إلحاح من تولين قصت أسيل عليها ما حدث بصدق تام...
وفي غرفة بان عليها أنها أشبه بمكتب مبعثر أوراقه على الأرض، ومليئة بطاقة خفية تشع من جدرانها التي تميل ألوانها إلى السواد، وقف ماندو بجانب أستاذه دانيال في منتصف الغرفة، وهما يحضران الشموع والمراسم ويرسمان الطلاسم اللازمة لخطف الفتاة وإحضارها.
سأل الفتى أستاذه: «هل توجد أي خطورة على حياتي أو على حياة هذه الفتاة؟» فرد الأستاذ بأنه من الطبيعي ألا توجد أي آثار للتعويذة، ولكن الخطورة الوحيدة هي أن يتوقف قلب الفتاة من الرعب الذي ستصاب به، غير أننا لسنا بأشرار، ولا توجد طريقة أخرى، ولا نعلم كم من الوقت تبقى للفتاة الأخرى قبل أن يحدث لها مكروه؛ ولهذا يجب أن نسرع أكثر فأكثر، فلن تثق بنا تلك الفتاة بسهولة، ويجب الحرص في التعامل معها جيدًا حتى تساعدنا في أقرب وقت للوصول إلى الأخرى قبل أي أحد آخر.
كما حثه على البقاء قويًا؛ لأن التعويذة من أقوى التعويذات التي سيراها طوال حياته، فهي سحر أسود...
انتهوا من التحضيرات، فأبعد دانيال تلميذه ووقف داخل الدائرة الطلسمية، وأخذ يردد كلمات بثبات وجمود وحزم، ثم أسرع أكثر فأكثر في الترديد لدرجة اهتزاز الأرض والجدران حولهما، إلى أن سكنت الأصوات وهدأ المشهد بسقوط الأستاذ وظهور أزهار مغشيًّا عليها بجانبه...
بعد أن حكت الفتاة لأختها ارتسمت على وجه أختها علامات الذهول والتعجب والاستفسارات الكثيرة، وأصرت على أن تبحث في الأمر؛ ولهذا اتفقت مع أختها أن تنزلا إلى الأسفل بكل طبيعية لتحضرا عشاء البيت، ثم بعد نوم الجميع يجب عليهما المغادرة لتبحثا في هذا الأمر أو لتقابلا الرجل الغامض الذي يعرف الكثير وحذر أسيل من لمس الكتاب...
وهذا ما حدث؛ إذ انتهى العشاء بسلام تام، على الرغم من نظرات الأم للفتاتين وملاحظة أخيهما الأكبر علاء لهما وسؤاله عن الأمر، وإجابة تولين لهما بأنها تعبت في الصباح من كمِّ ضغوطات العمل، وأن أسيل ساعدتها في الرجوع إلى المنزل من المكتبة.
ذهبت الفتاتان إلى الغرفة في انتظار نوم الجميع، وبعد ساعة واحدة تحركت الفتاتان من شرفة الغرفة كالظلال، واتجهتا إلى المكتبة. كان الطريق خاليًا حتى من أنفاس الحيوانات الضالة، وما إن وصلتا إلى هناك حتى تعثرتا بفتى في سن الـ25، سألهما بحزم عن سبب وجودهما هنا في هذا الوقت المتأخر، وأخافهما بطريقته أنه سيستدعي الشرطة، ووقتها تحدثت تولين بثبات وحزم: «تأدب في كلامك يا هذا، نحن نريد مقابلة السيد العامل معكم، فقدت أختي في الصباح خاتمها الموروث من جدتي، وهو الوحيد الذي تعاملت معه صباحًا، ولهذا أتينا لنسأله فقط عما إذا كان رآه، إنه إرث عائلي.»
لم تَخْفَ تلك الكلمات على الماكر، ولكنه أخذهما على كل حال إلى قاعة واسعة، وأخبرهما بالانتظار فيها دقائق حتى يعود، ووقتها قالت أسيل لأختها: «أنا آسفة لأني سبب تلك المشكلات دائمًا، ولكنني لم أقصد...» وقبل أن تحرك شفتيها ثانيةً ضمتها أختها إلى حضنها وأخبرتها أنها هنا لتتعامل مع أي شيء مقابل سلامة شقيقتها الصغرى، وأخذت تلمس شعرها في هدوء وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه الماكر بتعبير وجه أقرب إلى التوعد والاستعداد...
داخل مكتب دانيال
أفاق دانيال بمساعدة ماندو، وساعدا الفتاة على أن تفيق بعد أن أخبر ماندو معلمه أنه نجح، وأفاقت الفتاة مذعورة طبيعيًا لما رأته حولها، فأخذ الرجلان في تهدئتها حتى هدأت قليلًا، وبدأ ماندو الكلام قائلًا: «لا تخافي، ونحن آسفون عما حصل، ولكنها الطريقة الوحيدة؛ كل ما نريد هو أن نحمي أختك التي هربت مسرعة من المكتبة اليوم، فإنها في خطر...»
فقاطعه أستاذه قائلًا: «رويدك يا فتى. انظري يا صغيرتي، لقد جئتِ هنا بالسحر، ولكنك لستِ مخطوفة بالمرة، وإن أردتِ الخروج فخذي هذا معطفي، والباب أمامك، ولكننا نريد منكِ إجابة عن سؤال واحد فقط: أين الفتاة الصغيرة التي كانت معكِ؟ أنا لا أريد إيذاءها، أنا فقط أريد حمايتها...»
«حمايتها؟ حمايتها من ماذا؟ فلقد خرجتِ من هنا أساسًا خوفًا منكم، أنا سأُسْجِنُكم لِما تفعلونه بنا، أنا سأُريكم...»
يا فتاة، اهدئي واجلسي فقط، وأنا سأخبرك بكل شيء، أقسم لكِ، فنحن في أمسِّ الحاجة لكل دقيقة قبل أن يصيبها مكروه...
قاطعه صوت الماكر في الرواق، فقال دانيال لماندو: «انتظر معها، سأذهب لهذا الملعون وأعود بسرعة، لن أتأخر...» وخرج مسرعًا، ليقابله الماكر ويقول: «أرى أن لديك ضيوفًا». فتعجب مما قاله، ولكن قبل أن ينطق تابع كلامه قائلًا: «اتبعني، لقد جعلتهم ينتظرونك في القاعة الشرقية». فتعجب أكثر، ولكنه اطمأن عندما علم بجهله عن الفتاة...
بمجرد وصولهم إلى القاعة الشرقية ذُهل دانيال لما رآه، فقد اعتقد أنه سيبذل جهدًا كبيرًا ليجد الفتاة، والآن هو يراها هي آتية إليه بأقدامها، ولكنه ركَّز أكثر وأخبر الماكر بأن ينصرف، وتوجه إلى الفتيات، وعندما تأكد أن الماكر انصرف حقًا بدأ كلامه قائلًا:
«أعتذر لكِ يا صغيرتي عما بدر، أعلم أنه كثير عليكِ، ولكني أبحث عنكِ منذ الصباح، وأحضرتُ ثالثتكما إلى الداخل حتى أعرف منها أين تقطنين، لآتي إليكِ وأساعدكِ، فلا تخافي، أنا هنا من أجلك...»
تعجبت الفتاتان، ونظر كلٌّ منهما إلى الآخر، وقالت أسيل في تعجب: «أنت من تبحث عني؟» في حين قالت تولين: «أزهار هنا؟...»
فرد عليهما: «هششش، هنا ليس مكانًا آمنًا، تعاليا إلى الداخل، الفتاة بالداخل، ولنتحدث في كل شيء بخصوصية أكثر؛ أنتما لا تعرفان كم في المكتبة من عيون وآذان...» فتعجبت الفتاتان أكثر، ولكنهما ذهبتا على أي حال.
دخل دانيال إلى الغرفة وتبعته الفتاتان، لتبدأ حالة الذهول على وجهيهما، بينما قالت أزهار: «حمدًا لله أنكما بخير وجئتما لإنقاذي، أنا كنت في غرفة النوم وخطفوني...»
فنظرت تولين بنظرة توعد إلى دانيال، وقبل أن تنطق تدخَّل ماندو، الذي لاحظ نظرات أسيل المرعوبة مما تراه، وقال: «هل من الممكن أن نجلس جميعًا، وأنا سأشرح لكم سوء التفاهم الذي حدث؟ ليس الموضوع كما تفهمونه، نحن جميعًا في خطر هنا...»
تعجبت تولين وقالت في حزم: «معك ثلاث دقائق قبل أن أطلب الشرطة...»
قاطع ماندو دانيال، الذي كان سيتكلم، وقال: «عندما تفهمين لن تقولي مثل هذا الكلام، تفضلوا بالجلوس إلى الطاولة هنا...»
جلس الجميع بنظرات مختلفة؛ فأسيل مثلًا كانت كأنها وقعت في إحدى روايات الجريمة التي قرأتها مرارًا، وارتسمت على وجهها علامات الرعب، بينما جلست أزهار بطريقة يقظة استعدادًا لطلب النجدة في أي لحظة، في حين كانت تولين تجلس بعينين يقظتين تنظر لماندو ودانيال بتوعد، كأنها تقول: «خيرًا لكم أن تقولوا كلامًا يغفر لكم ما يحدث، وإلا ستنالون غضبي وعقابي...».
وبعد صمت دام لبضع ثوانٍ تكلم دانيال وقال: «انظروا، ما حدث صباحًا كان قدر تلك الطفلة، وقد رُبط بها قدر مملكة الغابة المظلمة، ويجب أن نتكلم بهدوء جميعًا لنجد لها حلًا قبل أن تذهب إلى الغابة...»
أسيل بنبرة غضب ورعب لا مثيل لها: «عن أي غابة تتحدث؟ وأي قدر؟ ولمَ كنت تصيح بوجهي؟ ولمَ ظهر لي هذا الجني الغريب؟ وماذا يحدث؟ أنا أريد إجابات الآن...»
أمسكت تولين بيد أختها، وتكلم ماندو وقال: «اهدئي، وأنا سأشرح لكِ. منذ بضع سنين لا تتجاوز الألف عام كانت هناك مملكة داخل أراضي سهورك، بعيدًا عن أرضكم، كانت تتميز بالسماء الساحرة وقدرة من فيها على التحول إلى حيوانات جبارة، ولم يكن لها أي أعداء، إلى أن جاء شخص يحمل صفات الذئب الأبيض صاحب الغرة السوداء، وقلب كل الموازين، ومنذ أن حكم تلك المملكة حدثت أشياء لن تتخيليها، وتحولت الأرض من الجنة إلى عالم آخر يخشى الجميع السماع عنه حتى...»
«... أما عنكِ أنتِ أيتها الشابة، فقد كان هناك آخر جماعة من سحرة تلك الأرض صنعوا كتاب ونبوءة ليحضر صاحب النبوءة إلى أراضي المملكة ويقوم بتنظيم كل شيء كما كان، فلقد تمت المحاولة مرارًا لتحرير تلك الأراضي، ولكن الحظ لم يكن مع فرقة المقاومة المسكينة...»
تولين: «فرقة المقاومة؟ ماذا تعني؟ وما كل هذا التخريف؟ أنا لا أفهم شيئًا مما تقول، أنت تكذب بشأن كل هذا، ولسوف...»
لاحظت علامات التصديق بذهول على أختها وصديقتها، فقالت لهما: «استيقظوا مما أنتم فيه، هل تصدقون هذا فعلًا؟ ما هي سهورك وسحرة ونبوءة؟ والأكبر أن بنو آدم يتحولون؟ يا للضحك...»
وقبل أن تكمل كلامها قاطعتها أزهار عندما وجدت أسيل تنظر إلى الأرض، وبدأت تقول لتولين: «وكيف لي ألا أصدقهم وأنا جئت هنا في غمضة عين بالسحر؟ وماذا عن تلك المسكينة؟ ألم تكن حادثتها برهانًا لكِ لتصدقي؟ إنني أصدق أختك فيما قالته السنة الماضية، وتأكدت من كلامها أكثر الآن في هذه الساعة، ويجب أن نسمع ما يريدون قوله؛ فأمامك اختياران: إما الجلوس والاستماع معنا، وإما المغادرة، وأنا سأرجع أختك إلى المنزل، لا تقلقي أنتِ...»
ثم قامت من مجلسها وجلست بجانب أسيل، وأشارت لماندو وهي تقول: «أكمل يا فتى، واحكِ باقي القصة...»
نظرت أسيل تجاه أختها فوجدتها جلست تنظر بغضب لأزهار وتستمع لماندو، فابتسمت وأمسكت بيد أزهار وقالت لها: «شكرًا لكِ...»
فربتت عليها أزهار وأشارت لها أن تركز على كلام الفتى الذي كان يقول:
لقد تكوَّن خلال 2400 عامٍ الفائت الكثير من فرق المقاومة، ولكي لا تهلعوا، إن الزمن يسير طبيعيًا هناك، ولكن لا يوجد لديهم مسمى للثواني؛ فالثواني هناك دقائق، والدقائق ساعات، والساعات أيام، وهكذا...
فأكمل له دانيال قائلًا: «استحكِ لهم قصة حياتك، هم يريدون الكلمات المفيدة... انظري يا فتاة، لقد ظهر لكِ جني النبوءة، والذي لم يظهر لأي أحدٍ مسَّ ذلك الكتاب من قبل، ولهذا إما أنتِ منقذة الغابة أو هلاكها، يجب أن تتمرني؛ لأنكِ سوف تذهبين في رحلة إلى غابة الدم قريبًا، ذلك هو قدرك، ولنرَ معدنك...»
احمر وجه أسيل لتقول: «كيف هذا؟ وكيف سأذهب؟ ومتى؟ وكيف سأنقذها من أولئك الأشخاص؟ أنا...»
قاطعها ماندو قائلًا: «معنا وقت، لا تخافي، ستتعلمين كل شيء، أنتِ مشوشة ويجب أن ترتاحي، عودي إلى المنزل وتعالي في الصباح ونكمل كلامنا...» ثم نظر إلى تولين وقال: «عندي إحساس أنكِ ستأتين معها...»
فردت أزهار: «كلنا سنأتي...» وغادروا مستعدين.
ومع لحظة خروجهم من المكتب كان يسمعهم من الخارج هذا الثعلب، الذي ركض إلى مكان كتاب النبوءة فلم يجده، فذهب إلى غرفته وتمتم بكلمات، واختفى من المكتبة في الحال.
نهاية الفصل الأول
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.