في بيتي تلقيت رسالة مفعمة برائحة الورد، فتحت المظروف وقرأت: "عزيزي صفوت إسماعيل، ذلك المراهق العجوز.. لقد أوحشتنا مغامراتك وهاهنا لك واحدة.. نعاني من شبح المانتيكور في بلدنا الجبلية.. ألم تشتق للمغامرة؟ سيسعد قراؤك عندما يعلمون بأنك عدت إلى سابق عهدك.. في انتظار ردك.. من فضلك استجب للدعوة".
طبَّقت الورقة ودسستها في جيب سترتي المنزلية.. إن قرار العودة لفك شفرة الأحداث المريبة -وخصوصًا في المناطق الجبلية المهجورة- هو أمر غير بسيط.. كنت قررت مرارًا أن أقلع عن مراهقات أواخر العمر بعد وفاة كاتبي الدكتور أحمد ماهر توفيق.. ولكن هذه الرسالة الأخيرة أثارت أفكارًا في رأسي.. ألن يكون خوض مغامرة أو اثنتين أفضل من انتظار الموت بتصلب الشريان التاجي من أثر التدخين؟
كانت الرسالة من إحدى الصديقات القدامي، ولكنها كما أذكر ما زالت شابة، في الأربعين على الأرجح.. ذلك العمر الذي تظن أنه كبر بك ولكن لا تلبث أن تدرك أنه ذروة العطاء والجمال والنشاط.
اقرأ أيضًا: تجديد أحمد خالد توفيق في الأدب الحديث
إن وحش المانتيكور هو مجرد أسطورة دُست في الحكايات الشعبية الروسية.. تقول صديقتي -في رسالة أخرى وصلتني منها بعد أسبوعين- إنها لم تعد مجرد أسطورة، بل أكد نحو مئة شخص في سهل مانتا في غرب سيبيريا أنهم رأوها.. سهل مانتا هو منطقة جبلية، مجرد قرية صغيرة في غرب سيبيريا لا تكاد تسمع عنها أبدًا.. هل وحش المانتيكور عاد ليضج مضاجع أصحاب هذه القرية؟
كنت متحقِّقا من أنها مجرد أسطورة، ولكن هاجسًا ما حرَّك مشاعري المتناقضة والمضطربة.. إن فنجان قهوة مع امرأة في الأربعين من العمر تحاول مساعدة أبناء قريتها في اكتشاف سر وحش يعتقدون وجوده قد يعود بي إلى أجواء المغامرة والرهبة اللذيذة التي كنت دائمًا ما أشعر بها في روايات الدكتور أحمد ماهر توفيق.. هل يتمكن ذلك الكاتب المبتدئ من إعادة ذلك الكهل المتقاعد إلى متاهات الأشباح ووديان الوحوش؟ دعنا نرى.
يبدو أنني قررت خوض التجربة.. أرسلت رسالة مقتضبة لصاحبة الرسالة -لوديا- وحجزت مقعدًا اقتصاديًّا في طائرة بعد أسبوعين متجهة نحو سيبيريا، في أقرب مطار من سهل مانتا الجبلي.. إنني قادم يا لوديا لأحتسي فنجان القهوة على أطراف نهر مظلم يحوي كثيرًا من الأسرار في مكان ما من سيبيريا..
اقرأ أيضًا: لماذا أحب العجوز الأصلع رفعت إسماعيل؟
هل تكون تجربة أعود بها لسابق عهدي؟ ذلك العجوز الموتور الذي لا يكف عن إزعاج أساطير الأشباح المخيفة التي ينوي البعض إعادتها للحياة بعد انقراضها لأغراض معينة.. أم سوف أكتشف أنني لم أتعلم عن الحياة بعد، فأكتشف أن الأسطورة هي في الأصل حقيقة، وأنني متجه فعلًا نحو وحش حقيقي مخيف، دعاني خصيصًا للعبث معي انتقامًا مني لجميع الأشباح التي أزعجتها سالفًا.
في غضون أسبوعين كنت في موقف عربات حنطور في قرية مانتا على أطراف سهل جبلي يكاد يكون مهجورًا.. عانقتني لوديا وهي تقول في فضول: مرحبًا من جديد بالعجوز المتهور في قرية الأشباح.
(يتبع في الجزء الثاني)..
جميلة حقا اخذتنى إلى العالم
الذى أحبه فى انتظار الجزء الثاني
أشكرك على كلماتك الرقيقة و أتمنى أن تستطيع كلماتي إرسال بعض السعادة لقرائها .. و شكرا لمرورك الراقي و الكريم ..
🙏🌹
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.