في فجر يوم جديد وفي أحد السجون العمومية المشهورة، وقبل ساعتين من تنفيذ حكم الإعدام، خطوات سريعة تتجه نحو غرفته حيث يجلس مجدي وحيدًا مرتديًا زي الإعدام الأحمر، يستمع إليها وهي تقترب منه حتى فتح أحدهم باب الغرفة ليجد مجدي واقفًا خلفه مباشرة واضعًا يده في جيبه وهو يبتسم ابتسامة خفيفة للواقفين أمامه قائلًا:
- هل حان الوقت؟
لبضعة ثوان تجمد كل من قدم إلى الغرفة، وكأن مجدي هو من سيذهب بهم إلى غرفة الإعدام، ثم قال أحدهم:
- فعلًا يا مجدي، لقد حان الوقت، هيا بنا...
نظر مجدي إليهم وابتسامته لا تفارقه قائلًا:
- إذن، هيا بنا...
في مثل هذه الأوقات يكون السجين منهارًا لا يتحكم في أعصابه، ولا يستطيع إلا البكاء، وتسيطر عليه هيستيريا البقاء، فهو على وشك أن يفقد حياته، وأن يفارق الهواء والماء والمقربين إليه، وأن يفارق كل شيء للأبد…
أن تنتقل لحياة لا تعرف عنها شيئًا أمر مرعب بالتأكيد، أن تذهب للمجهول، لكل من سبقوك إليه دون أن تعرف إلى أين ذهبوا وأين استقروا أمر مقلق وقاتل في حد ذاته، أن تعجز عن التنفس مرة أخرى، وأن تعرف ميعاد آخر نفس هو الجحيم بعينه، لكن أيًا مِن ذلك لم يَبدُ على مجدي حتى إن من حوله لم يضطروا إلى الإمساك به، ولا وضع القيد الحديدي في يده.
كان مجدي أكثر هدوءًا من الجميع، لم تفارق ابتسامته وجهه، وكانت يده لا تزال في جيبه بطريقة تنم عن عدم اللامبالاة، وكان كل من حوله ينظر إليه باستغراب وصمت شديدين إلى أن قطع مجدي صمتهم قائلًا:
- كم تبقى من الوقت؟
رد عليه المأمور:
- لم يتبق كثير يا مجدي لتتعامل ببرودك هذا، نحن بصدد تنفيذ حكم الإعدام فعلًا، وليست تلك تجربة لهدمك نفسيًا، وليس بالقليل أيضًا إن أردت تناول فنجانٍ أخير من القهوة.
- أكون شاكرًا لك لو كانت مع سيجارة وكوب ماء بارد.
- ولو أني لا أجد مبررًا واحدًا لطريقتك الغريبة إلا لو كنت تفكر بالهرب، لكن ليست هناك مشكلة ما دمت داخل أسوار السجن، أمامك نصف ساعة تقريبًا، بإمكانك تناول فنجان القهوة الذي تفضله في مكتبي الخاص، وسيكون معك أمين الشرطة خالد حتى تنهي شربه.
- أنت كريم جدًا سيدي المأمور، لا أريد أكثر من ذلك.
بعد دقيقتين كان مجدي جالسًا على الأريكة في مكتب مأمور السجن، والأمين خالد جواره الذي دعاه الفضول لسؤاله:
- ألا تخاف؟
- ومم أخاف؟
- من الموت!
- وما الذي يخيفني منه، أنا لم أرتكب جريمة القتل تلك، فإن عشت فهذا الطبيعي لجرم لم أرتكبه، وإن مت فأنا على حق، ولن يضيع حقي في الحياة الأخرى أيا كانت.
- أتريد أن تقنعني أنه بعد صدور حكم نهائي ضدك وثبوت جميع الأدلة في حقك ما زلت بريئًا من دم القتيلة؟ لقد كانت أشهر قضية في العام قبل الفائت، حتى إن الكاميرات صورتك وأنت داخل شقتها قبل مقتلها بدقائق.
- كان شبيهًا لي فعلًا، حتى إني توقعت أني هو، لكن كيف أثبت ذلك لغيري؟
- ليس لي شأن بذلك...
لحظات صمت أعقبها دخول أحد الأفراد بفنجان قهوة وعلبة سجائر وكوب ماء بارد، وضعها وخرج ليكمل الأمين خالد إخراج فضوله من مجدي قائلًا:
- لقد كانت آخر مكالمة لك ليلة أمس، فمع من كنت تتكلم؟ وأنا أعلم أنك وحيد من مدة كبيرة...
أشعل مجدي سيجارة بهدوء شديد، وارتشف رشفة من كوب القهوة مرجعًا رأسه إلى الخلف وهو يدخن سيجارته بهدوء شديد وعمق مبالغ فيه، إلى أن قاطعه الأمين خالد مجددًا:
- مع من كنت تتكلم؟
- مع القدر يا عزيزي، مع القدر.
- إذن، أنت لا تريد إخباري، لكن هل من الممكن في الأقل أن تخبرني بما تفكر به الآن، إنها المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا على بعد خطوات قليلة من حبل المشنقة ويملك برودًا كبرودك.
- سأصدقك القول، أنا أفكر بمكان أذهب إليه بعد خروجي من هنا، وكيف سأعيش بقية حياتي سعيدًا.
ضحك الأمين خالد ضحكة كبيرة من قلبه قبل أن يستطرد قائلًا:
- والله أنا لم أجد شخصًا في حياتي في راحة بالك وخفة ظلك!
ابتسم مجدي مجددًا وهو يطفئ سيجارته بهدوئه المعتاد قبل أن يدخل المأمور ليقطع حديثهما قائلًا:
- أمستعد يا مجدي؟
- على أتم الاستعداد، هيا بنا...
وقف مجدي في هدوء ذاهبًا معهم إلى غرفة الإعدام وسط ذهول الجميع من موقفه، نُفذت الإجراءات سريعًا، وكان آخر ما رآه الجميع ابتسامة مجدي قبل أن يوضع القماش الأسود على رأسه، وكالعادة لف الحبل حول عنقه، وشد وثاقه، وربطت يدا مجدي من الخلف لتبدأ تلاوة الحكم عليه قبل تنفيذه…
قبل إتمام الكلمات الأخيرة لتلاوة الحكم سمع الجميع وقع خطوات شخص يجري إليهم بسرعة، ليدخل غرفة الإعدام ممسكًا في يده ورقة، ليفاجئ الجميع بقوله:
- سيادة المأمور، أوقف تنفيذ الحكم فورًا.
كانت الورقة من مكتب النائب العام، وكان محتواها أنه بالأمس تقدم أحدهم بدليل جديد في القضية يفيد بأن مجدي كان خارج البلاد في أثناء ارتكاب الجريمة وفق ما أقر مجدي في التحقيقات، وتأكد وقف تنفيذ الحكم وإعادة إجراءات المحاكمة.
كان هذا ما تلاه المأمور على مسامع الجميع قبل أن يصعقوا مما سمعوه قبل أن يفكوا الحبل من رقبته، ويزيلوا الغطاء عن وجهه الذي كان لا يزال مبتسمًا إليهم في هدوء شديد.
كان ما تُلي غريبًا على الكل، ولم يصادفوه في حياتهم من قبل إلا مجدي الذي كان يعرف ما يدور تحديدًا.
تقرر بعد مدة خروج مجدي من محبسه الجديد بعد تقنين الإجراءات واستبعاده من الجريمة المرتكبة التي قُيِّدت ضد مجهول.
في أثناء خروج مجدي من باب السجن كانت هناك سيارة تنتظره
خارجه، نزل سائقها ليفتح باب السيارة الخلفي له، وقبل ركوبه السيارة وجد الأمين خالد واقفًا جوار السيارة معتذرًا لمجدي عما ظنه به:
- أنا آسف جدًا، لقد ظلمتك واعتقدت أنك القاتل، لكن القدر لم يشأ أن يظلمك، فتقبل اعتذاري.
ابتسم مجدي للأمين خالد واقترب منه هامسًا في أذنه:
- ليس القدر يا عزيزي، أو ربما هو، لكنها المكالمة التي أجريتها قبل تنفيذ الحكم بيوم.
- لم أفهم ما تريد قوله!
- لقد كنت أتأكد من أن شركة الطيران الخاصة التي يملكها أحد أصدقائي نفذت عملها على أكمل وجه لإثبات وجودي خارج البلاد في مدة حدوث الواقعة، ولن أخبرك بأن محاميَّ الخاصّ نفذ باقي الإجراءات على أكمل وجه، وفي الوقت المناسب.
انسحب وجه الأمين خالد، وبدا عليه الذهول الشديد قبل أن يستطرد مجدي:
- نعم يا عزيزي، أنا من قتلها، ولكن أتعرف؟ العدالة تقتضي أن أكون خارج أسوار السجن لأن الورق يقول ذلك، أما الحق فلا يعرفه إلا الله وأنا وأنت، ولنترك المسألة له، أما الآن فأنا لدي نصف ساعة لأغادر البلاد للأبد.
ترك مجدي الأمين خالدًا واقفًا وهو لم يفق من صدمته، قبل أن يركب سيارته وينزل جزءًا من زجاجه الخلفي ليقول للأمين خالد والسيارة تبدأ في التحرك:
- إنها العدالة يا عزيزي.
- إنه القدر.
تسلم ايدك جميله اوي اوي استمر دمت مبدع
شكرا ليك ...وكلامك الرائع هو الحافز ليا إنى استمر إن شاء الله ❤❤
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.