عجوز تجاوزت المئة عام لدوستويفسكي قصة قصيرة عن الموت والحياة

يُعد الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي أحد أعظم الروائيين في التاريخ، فقد تميزت أعماله بالغوص في أعماق النفس البشرية وتصوير معاناة الفقراء والمهمشين. في هذا النص المقتبس يأخذنا دوستويفسكي في رحلة تأملية قصيرة لكنها شديدة الكثافة.

تنطلق القصة من مشهد عابر لعجوز طاعنة في السن، لتتحول عبر مخيلة الكاتب إلى لوحة إنسانية تضج بالحياة، وجلال الموت الهادئ الذي يختتم قرناً كاملاً من الزمان. هذا النص ليس سردًا لوفاة عجوز، بل هو احتفاء بالاستمرارية البشرية والوقار الذي يفرضه الزمن.

فيودور دوستويفسكي.. أحد أعظم الروائيين في التاريخ

مختصر قصة عجوز تجاوزت المئة عام

حدثتني سيدة فقالت:

خرجت من منزلي ذاهبةً لمتجر لابتياع حذاءين لابنتي، فوجدت امرأة عجوزًا طاعنة بالسن متكئة على عصا، يستحيل المرء أن يتوقع سنها، كانت تستريح على دكةٍ من عناء السير، نظرت إليَّ، فابتسمت لها وتابعت سيري، وبعد خمس دقائق رأيتها مجددًا بشارع (نفسكي)، جالسة على حجر، فقلت لنفسى: لماذا تجلس أمام المنازل؟

فسألتها: أأنت متعبة يا جدة؟

فقالت لي: نعم يا ابنتي، متعبة دائمًا، لكنني وجدت الجو دافئًا، فقررت الذهاب لتناول الغداء عند أحفادي.

ولكنك لن تقطعي بهذا السير مسافة طويلة!

بلی، أستريح، ثم أنهض، فأمشي بضع خطوات، ثم أستريح مجددًا.

أمعنت النظر إليها فبدا لي أمرها عجيبًا، فهي عجوزٌ كالمومياء، نظيفة وبالية الثياب، لكنها تبتسم، لعلها من الطبقة البورجوازية، وقلت لها مبتسمة: لا بد أنك مُسنة جدًا يا جدة!

فقالت: مائة وأربع سنين يا ابنتي لا أكثر. 

فقلت لها: هل تأخذين مني هذه الكوبكات الخمسة يا جدة؟ وتشترين بها رغيفًا.

ماذا؟ خمسة كوبكات؟ شكرًا.

فضلًا، خذيها من دون استياء.

فأخذتها وبدا أنها ليست متسولة؛ فقد أخذتها بكثيرٍ من اللباقة، لا كما تؤخذ صدقة، بل كما تؤخذ هدية.

ثم قلت لها: أستودعك الله يا جدة، وانصرفت. ولما التفت لأراها مرة أخرى، كانت تنهض ببطء، وتسير بضع خطوات ضاربة بعصاها الأرض، لعلها ستستريح عشر مرات أخرى قبل أن تصل لمسكن ذويها.

هذا ما روته لي السيدة.

 ****

ذات صباح، روت لي هذه السيدة تلك القصة، والآن، تذكرت تلك العجوز الهرمة، فأكملت القصة في خيالي، فرأيت المرأة البالغة من العمر أكثر من مائة سنة، تصل لذويها لتناول الغداء، وإن أحفادها -وربما أولاد أحفادها- يديرون حانوتًا للحلاقة، وأنهم فقراء ومع ذلك وصلوا لحياة معقولة.

وصلت العجوز إليهم نحو الثانية، وعلى الرغم من أنهم لم يتوقعوا مجيئها، لكنهم فَرِحوا بقدومها.

هأنت يا (ماريا مكسيموفنا)، ادخلي، أهلًا وسهلًا بكِ خادمة الرب، فدخلت العجوز مبتسمة.

إن حفيدتها امرأة الحلاق، لا تزال بمقتبل العمر كزوجها الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين.

سرعان ما هرع إلى جدة أمهم ثلاثة أطفال صغار، صبي وصبيتان، فالعجائز اللاتي بلغن هذا السن يتعاطفن مع الأطفال، فجميعهم يتشابهون بكل شيء.

جلست العجوز، وكان عند رب البيت ضيف جاء لأمرٍ ما وهمَّ الآن بالانصراف، وكان عند الحلاق أيضًا ابن أخته: فتى بالسابعة عشرة.

نظرت العجوز إلى الضيف وقالت: مَن هذا؟

فقال مبتسمًا: هذا أنا يا (ماريا مكسيموفنا)، أأصبحت لا تعرفينني؟ لقد ذهبنا معًا للغابة منذ سنتين لقطف الفطر.

حسنًا، تذكرتك، لكنني نسيت اسمك.

ثم قالت وهي تنظر لابن الأخت: أرى أنكم اشتريتم لـ (سيريوجنكا) معطفًا جديدًا.

فابتسم وأقبل عليها. 

وقالت له زوجة الحلاق: تعال، استدر.

وقالت للعجوز: انظري إليه يا (مكسيموفنا)، لقد كلفنا المعطف خمسة روبلات دفعناها وكأنها كوبك واحد، قالوا لنا عند (بروخوروتش): الرخيص أغلى، حيث إن الرخيص ما تكاد تنقضي ثمانية أيام حتى يهترئ، فتأسفوا على ما دفعتم ثمنًا له، أما هذا، فلا، انظري لقماشه، انظري كيف يذهب المال يا (مكسيموفنا)، أصبحت جيوبنا خاوية، لكن لا بأس.

فقالت العجوز بتأثرٍ واضح: آه یا عزیزتي، لقد جُنت الأسعار جنونًا، وكانت تلهث لهاثًا شديدًا كأنها تختنق.

قال رب البيت: كفى! آن لنا أن نأكل، ثم قال: أرى أنكِ متعبة جدًا يا (ماريا مكسيموفنا).

فقالت الجدة: آه... أجل يا عزيزي متعبة، لقد رأيت الشمس ساطعة، فقلت لنفسي: هلمي زوريهم، فلم تبقين راقدة في الفراش؟ وفي الطريق صادفت سيدة شابة كانت تشتري لأولادها أحذية، فقالت لى: «ما بكِ يا جدة، أراكِ متعبة، خذي هذه الكوبكات الخمسة، فاشتري بها رغيفًا» فأخذتها، فخذوها واشتروا بها حلوى للأولاد، وتوقفت عن الكلام، وحاولت أن تتنفس.

فقال لها رب الدار: ماذا بكِ يا جدة؟

لكنها لم تجب، وخيَّم الصمت لخمس ثوانٍ شحب خلالها لون العجوز أكثر فأكثر، وتجمدت ابتسامتها على شفتيها. 

فقال الضيف وكان وجهه يزداد احمرارًا: ينبغي استدعاء الكاهن.

فرد رب البيت: لكن ألم يفت الأوان؟

وصرخت امرأة الحلاق مضطربة: يا جدة… يا جدة.

لكن الجدة ظلت كما هي، وكانت يدها اليمنى ممسكة بالكوبكات الخمسة، واليد اليسرى لا تزال على كتف (ميشا) -ابن حفيدتها- البالغ من العمر ستة أعوام، والذي ظل واقفًا لا يتحرك، ينظر إلى جدة أمه بعينين واسعتين مدهوشتين.

فقال رب البيت: لقد فارقت الحياة، يجب أن نُبلغ عن وفاتها.

فقالت ربة البيت بفزعٍ: يا رباه! ما العمل يا (ماكاريتش)؟

وعقَّب رب البيت وهو يتناول معطفه: منذ لحظة ليس أكثر، كانت لا تزال تضحك، إنها لا تزال قابضة على قطعة الخمسة كوبكات، لقد قالت اشتروا للأولاد حلوى بها، واحسرتاه على حياتنا.

ثم قال رب البيت للضيف: هيا بنا يا (بطرس ستيبانوفتش).

وخرج معه، ليس يبكي على متوفاةٍ كتلك ذات المائة وأربع سنين؛ فقد ماتت آمنة مطمئنة بغير مرض.

أرسلت ربة البيت تدعو جاراتها ليساعدنها، فهرعن إليها يطلقن من صدورهن آهات وآهات، واختبأ الأطفال بركنٍ ينظرون إلى الميتة من بعيد.

إن (ميشا) لن ينسى -ما بات حيًا- أن العجوز ماتت وهي واضعة يدها على كتفه، وحين يموت لن يكون أحد متذكرًا أن الجدة العجوز عاشت مائة وأربع سنين: لماذا وكيف؟ لا أحد يعرف، ولا قيمة لهذا على كل حال.

إن ملايين الناس يموتون هكذا، يعيشون دون أن يفطن إليهم أحد، ويموتون على هذا النحو أيضًا، لكن ثمة شيء واضح، هو أن الإنسان يشعر بنوعٍ من الحنان والهدوء والوقار والعزاء حين يموت شخص بلغ من العمر مائة سنة أو تزيد، فمائة سنة لا زالت تُحدِث بنفس الإنسان أثرًا غريبًا عجيبًا.

بارك الله حياة وممات الناس الطيبين البسطاء!

تحليل قصة عجوز تجاوزت المئة عام

تمثل القصة عملًا سرديًّا يركز على كرامة الإنسان في مواجهة الفقر والموت، إن إصرارها على الوصول إلى الأحفاد بغير مرض وموتها المفاجئ وهي تودع الكوبكات الخمسة (هدية/صدقة)، ويجسد الصراع بين العوز والكرامة الشخصية.

وترمز اليد على كتف ميشا إلى تسليم شعلة الحياة، لأن موتها الهادئ يُعد عزاءً ووقارًا لأحفادها، ما يرفع من قيمة الحياة التي عاشتها إلى مرتبة رمزية على الرغم من بساطتها الظاهرة.

يُظهر لنا هذا النص كيف يمكن للأدب أن يحول خبرًا عاديًّا عن وفاة امرأة مسنة إلى أيقونة للتأمل في معنى الوجود، إن الموت عند دوستويفسكي في هذه القصة ليس نهاية، بل هو جزء من إيقاع حياة مستمر، يتجلى في ضحكات الأطفال، وفي الكوبكات التي تُورث كأنها هدية، وفي الذاكرة التي يحملها الطفل (ميشا) للأبد.

تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة القصة.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة