عام الكارثة 1672: قصة اغتيال يوهان دي ويت وهل أكل الهولنديون رئيس وزرائهم؟

يُعد عام الكارثة الهولندي نقطة تحول دموية في تاريخ أوروبا، فقد شهدت هولندا عام 1672 أحداثًا مأساوية انتهت بواحدة من أبشع الجرائم السياسية: اغتيال يوهان دي ويت وأخيه.

في هذا المقال، نغوص في تفاصيل اغتيال يوهان وكورنيليس دي ويت ونجيب عن السؤال الذي حير المؤرخين: هل أكل الهولنديون لحم يوهان دي ويت فعلًا؟

حادثة غريبة ترويها المصادر التاريخية بطرق عدة، لكن معظمها يشير إلى حدوث حالة من الفوضى والغوغائية دفعت مئات الهولنديين إلى قتل رئيس وزرائهم وتعليقه رأسًا على عقب، قبل أن يقوم عدد من المتظاهرين الغاضبين بقطع أجزاء من لحمه وبتر أصابعه في لحظات مجنونة وصلت إلى أن قام بعض الأشخاص بأكل أجزاء من لحم رئيس الوزراء المقتول، في حادثة تجمع بين الغرابة والبشاعة، وفي عام أطلق عليه الهولنديون عام الكارثة أو سنة المصيبة.

فما قصة عام الكارثة 1672 الغريب؟ وماذا حدث لرئيس وزراء هولندا لينتهي به الأمر إلى أن يكون ضحية للمتظاهرين والغوغائيين على الرغم الثراء والهدوء الذي تمتعت به هولندا لسنوات طويلة؟

ما قبل الكارثة: العصر الذهبي وجمهورية المقاطعات السبع

كانت الأمة الهولندية الصغيرة تعيش في أفضل حال بين الأمم الأوروبية على مدى عقود، وبالتحديد قبل عام 1672 الذي أُطلق عليه بعد ذلك عام الكارثة الهولندي، فقد نالت المقاطعات الهولندية استقلالها عن إسبانيا وأصبحت تحظى باعتراف دولي، وأسَّست جمهورية المقاطعات السبع تحكم نفسها وتتمتع بخيراتها، ومثَّل النظام الجمهوري أمانًا كبيرًا للتجار وأصحاب الأعمال، وصنع حالة من حالات الاستقرار.

ما الدولة التي استعمرتها هولندا؟

كانت الجمهورية الهولندية تتمتع بالثراء الذي نتج عن تجارة شركة الهند وبحر البلطيق، وسيطرت الشركة على مناطق واسعة في إندونيسيا (جزر الهند الشرقية) وسريلانكا وأجزاء من البرازيل، وهو ما دفع كثيرًا من الشركات الأوروبية، ولا سيما في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، إلى الإحساس بالغيرة والعداء من الشركة الهولندية، وهو ما جعل هولندا أيضًا تمتلك أسطولًا بحريًا قويًا، وعلى الرغم من أن جيشها لم يكن بتلك القوة.

والأهم من ذلك، أن الدول القوية التي تحيط بهولندا لم تكن بالثراء والاستقرار نفسها، وهو ما يجعلنا نتخيل وضع هولندا بوصفها جمهورية سعيدة وسط تلك الدول القوية التي تعاني على المستوى الاقتصادي والسياسي.

أسباب عام الكارثة الهولندية وبداية الحروب

ما الذي حدث في عام 1672 في هولندا؟ على الرغم من حالة السلام بين هولندا والدول المحيطة بها، وعلى الرغم من التحالف العسكري مع بريطانيا، فإن عام 1672 شهد بداية الحروب والمعارك البرية والبحرية التي استهدفت السيطرة على هولندا.

 فقد فوجئ الهولنديون يوم 27 مارس عام 1672 بالبريطانيين يطلقون النيران على الأسطول الهولندي بغرض إحباط التجارة البحرية الهولندية فيما عُرف بالحرب الإنجليزية الهولندية الثالثة.

من ناحية أخرى، كانت العلاقات مع فرنسا متوترة إلى حد ما، فقد كان لويس الرابع عشر، الملقب بملك الشمس، يرغب في التوسع شمالًا، وكان في عام 1667 قد زحف فعلًا إلى جنوب هولندا، لكن رئيس الوزراء الهولندي يوهان دي ويت (Johan de Witt) استطاع احتواء الموقف سياسيًّا، وأقام تحالفًا مع إنجلترا والسويد ليضطر الملك لويس الرابع عشر إلى الانسحاب ليعود مرة أخرى إلى الحدود الهولندية عام 1672.

وهكذا كان عام 1672 يستحق لقب عام الكارثة، فقد هاجمت الحدود الهولندية حشود كبيرة من أقوى الجيوش الأوروبية في ذلك الوقت من إنجلترا وفرنسا وكولونيا ومونستر، وما كان الجيش الهولندي الصغير ليقف أمام تلك الجيوش القوية. فحققت القوات الفرنسية انتصارًا كبيرًا، واحتل لويس الرابع عشر مساحات كبيرة من الأراضي الهولندية في الجانب الشرقي من البلاد، وتقدمت القوات الفرنسية إلى أمستردام.

ومن ناحيتها، هاجمت قوات مونستر وكولونيا الجزء الشمالي من الجمهورية الهولندية، وحققت انتصارات كبيرة، واحتلت عدة المدن، وقامت بأعمال السلب والنهب، إضافة إلى حرق البضائع الخاصة بالتجار؛ ما أدى إلى هروب كثير من الناس ولجوئهم إلى أمكنة بعيدة، وهو ما أدى بدوره إلى تعطيل الحياة الطبيعية في هولندا، وتوقف التجارة وحركة المعيشة بالكامل، وهو ما يوضح أثر عام الكارثة على الاقتصاد الهولندي.

أما إنجلترا فقد هاجمت هولندا من ناحية البحر، لكن استطاع الأسطول الهولندي القوي تحقيق بعض الانتصارات على الأسطول الإنجليزي والأسطول الفرنسي، لكن هذه المعارك أدت إلى إغلاق الموانئ الهولندية، ودخلت هولندا في أسوأ مراحلها التاريخية ضمن تاريخ هولندا في القرن السابع عشر، فأصبحت محاصرة من جميع الجهات، إضافة إلى قلة الطعام وضعف حركة البيع والشراء، واشتعال الخلافات الداخلية في الجمهورية السعيدة.

كيف تخطت هولندا عام الكارثة؟

على الرغم من الهجوم الشرس من القوات الإنجليزية والفرنسية، إضافة إلى قوات مونستر وكولونيا، فإن الهولنديين استطاعوا قلب الأمور لمصلحتهم عندما حرر الأمير ويليام بعض مدنهم المحتلة، واستطاع قطع الإمدادات بين الجيش الفرنسي وجيوش مونستر وكولونيا، وهو ما أجبر الفرنسيين على الخروج من المدن الهولندية، ولم تستطع فرنسا أن تستمر وحدها في المعركة، وانسحبت إنجلترا أيضًا من الحرب على هولندا لأسباب تتعلق بالحرب نفسها، ولأسباب داخلية في إنجلترا.

ما الذي حدث في عام 1672 «عام الكارثة» في هولندا؟

وبعد 17 شهرًا من الحروب والمعارك والسلب والنهب والحرائق، وتوقف الحياة الطبيعية في هولندا، بدأت الحياة تعود تدريجيًا بعد خروج القوات الغازية من المدن الهولندية. لكن هولندا تأثرت كثيرًا بتلك المعارك، فقد أُغلقت المتاجر والمدارس والمسارح والمحاكم والبنوك، وهو ما أدى إلى إفلاس معظم التجار وأصحاب الأعمال والحرفيين. وأثَّرت الفيضانات التي حدثت في هولندا كثيرًا في مجموعة مناطق واسعة حول أمستردام؛ ما أدى إلى توقف أعمال الزراعة والبناء، وهو ما أثر سلبًا في حياة الهولنديين بعد سنوات من الثراء والرواج والسعادة.

وفي عام الكارثة، كانت التوترات في لاهاي سبباً سياسياً في انفجار الأوضاع الداخلية في هولندا، وأدت إلى رغبة كثير من الهولنديين في العودة إلى الملكية، وحارب كثيرون أيضًا من أجل الإبقاء على الجمهورية والاحتفاظ بمميزاتها؛ وهو ما أدى إلى صراعات كبيرة أدت إلى الإطاحة برئيس الوزراء وشقيقه بطريقة جنونية.

هل حقًا أكل الهولنديون رئيس وزرائهم؟

بماذا يشتهر يوهان دي ويت؟ ولماذا قُتل؟ كان رئيس الوزراء الهولندي (يوهان دي ويت) الذي شغل منصب مستشار الدولة الذي ينحدر من عائلة برجوازية يحقق نجاحًا كبيرًا في منصبه الذي تولاه منذ عام 1653. ومع الموارد الكبيرة لهولندا ورواج التجارة داخليًا وخارجيًا، استطاع دي ويت أن ينظم شؤون البلاد المالية، وحقَّق مكاسب لجميع الطبقات، لكنه على المستوى السياسي كان حريصًا على عدم صعود أي من أمراء أسرة أورنج أو أرستقراطية أورنج إلى سدة الحكم وقمة السلطة.

ومن ناحية أخرى، كان ويليام الثالث أمير أورنج منافسًا قويًّا لرئيس الوزراء دي ويت، كما كان الناس ينظرون إليه بعدِّه أحد أبطال الأمة ورجل الشعب. وكان له أنصار كثيرون أُطلق عليهم (الأورنجيون) وكانوا يرغبون في وضعه على قمة السلطة، لكن المعاهدات التي أُبرمت سابقًا قد أبعدت ويليام الثالث أمير أورنج عن السلطة رسميًا؛ لذا كان ويليام يبحث عن مخرج للعودة مرة أخرى إلى السلطة وإزاحة رئيس الوزراء (دي ويت).

تفاصيل اغتيال يوهان وكورنيليس دي ويت

وهكذا يمكننا أن نفهم الصراع القائم على السلطة في هولندا، لكن الأمور تطورت في ذلك الصراع، فقد تعرض رئيس الوزراء لمحاولة اغتيال في عام الكارثة نفسه، وهو ما دفعه إلى ترك المنصب والاستقالة خوفًا على حياته. لكن الطرف الآخر لم يكن ليتركه حيًا ومنافسًا على السلطة، فاعتقلوا شقيقه (كورنيليس) بعد تلفيق مجموعة من التهم تتضمن الخيانة والاغتيال، ووضعوه في السجن ضمن خطة مدبرة للقضاء على أخيه رئيس الوزراء السابق.

وفعلًا استمر الأورنجيون في حملتهم على رئيس الوزراء السابق وأخيه بالمنشورات والدعاية والحديث مع الناس، في وقت كانت البلاد فيه تحارب على صُعُد عدة، وهو ما جعل الناس يحملون رئيس الوزراء السابق وأخاه مسؤولية هزائمهم في المعارك وتوقف التجارة وحركة البيع والشراء دون تحقق من الشائعات ودون أدلة حقيقية ما مهد لتمرد الشعب الهولندي.

ولكي تكتمل الخطة استدرجوا رئيس الوزراء السابق يوهان دي ويت لزيارة أخيه في زنزانة سجن الميناء (Gevangenpoort) في مدينة لاهاي الهولندية، وبعد الزيارة خرج رئيس الوزراء السابق ليجد الجماهير المحتشدة والغاضبة تنتظره في الخارج، وفي اللحظة نفسها انسحبت القوات التي تحمي بوابة السجن، لتندفع الجماهير وتلقي القبض على رئيس الوزراء وأخيه في موجة من الضرب والطعن أدت إلى مقتل كورنيليس أخي رئيس الوزراء في الحال، قبل أن تطعن الجماهير الغاضبة رئيس الوزراء في وجهه وإطلاق الرصاص على رأسه في حادثة عُرفت تاريخيًّا بـ(مذبحة لاهاي 1672).

هل أكل الهولنديون لحم يوهان دي ويت؟

ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، وإنما قامت الجماهير الغاضبة بتجريد رئيس الوزراء وأخيه من ملابسهما وتعليقهما على أعواد المشانق في الطريق العام، كما قطع بعض الأشخاص أطراف وأصابع رئيس الوزراء وأخيه، وشقوا جثتيهما بمنتهى الوحشية في طقس مجنون لا يمت إلى الإنسانية بصلة، وصل الى ذروته عندما أكل بعضهم أجزاء من لحوم القتيلين.

وعن حقيقة أكل لحم رئيس الوزراء الهولندي، تشير السجلات التاريخية في متحف لاهاي إلى أن الحشد الهائج شوى فعلًا أجزاء من الجثث وأكلها في حالة من الهستيريا الجماعية، في حين بيعت أجزاء أخرى كتذكارات.

شاهد على التاريخ: متحف سجن الميناء لاهاي

وبعد هذه الحادثة المروعة عاد ويليام الثالث أمير أورنج مرة أخرى إلى رأس السلطة، فسارت خطته كما أراد، وتخلص من عدوه ومنافسه، ليقود البلاد لعهد جديد، ولتبقى ذكريات تلك الحادثة تؤرق الهولنديين حتى الآن، وتصبح مثارًا للجدل أحيانًا وللسخرية أحيانًا أخرى، حتى إن سجن الميناء (Hague Prison) في مدينة لاهاي الهولندية الذي شهد هذه الحادثة المروعة قد تحوَّل بعد ذلك إلى متحف تاريخي (Museum Gevangenpoort)، يأتي السياح والزوار من كل مكان في العالم لرؤية المكان الذي قُتل فيه رئيس الوزراء بطريقة مأساوية، ويمكن للزوار الاطلاع على صور اغتيال يوهان دي ويت واللوحات التي وثقت الحدث.

والغريب في الأمر أن متحف مدينة لاهاي التاريخي يحتفظ بعظمة إصبع ولسان يعودان إلى رئيس الوزراء وأخيه، جرى الحفاظ عليهما في صندوق خاص، في إشارة وتأكيد على صدق الروايات التاريخية التي وصفت واقعة الاغتيال الجنونية في عام الكارثة.

وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية تحمل كثيرًا من التناقض والغرابة، فهذه هي الجمهورية السعيدة الثريَّة الحرة التي تحكمها الديمقراطية، قد انقلب أهلها وتحولوا إلى ما يشبه الحيوانات البرية في شهور قليلة؛ نتيجة المعارك والحروب وتوقف النشاط التجاري.

وفي نهاية هذا المقال نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة