قصة "طرد بريدي".. قصص قصيرة

بمجرد أن دخل البيت رمى بتلك المحفظة واتجه ليغسل وجهه وأطرافه، مد يده لينشف وجهه فلم يجد المنشفة في مكانها كالمعتاد، فصرخ بأعلى صوته وكأنه في سوق أسبوعي: ناوليني المنشفة يا امرأة!

وما هي إلا ثوانٍ وترمي له المنشفة وكأنها صحن طائر فوقعت على الأرض، فتناولها وبما تحمله من أتربة مسح بها تلك اللوحة التي على وجهه. 

قصتي اليوم عن زوجين غريبا الأطوار يعيشان حياة بدون هدف وليست لديهما أية مخططات لحياتهما القادمة، والأجدر على الأقل أن يضعا النية ويتركان الأمر لصاحب الأمر عز وجل، لهما ولدان في سن التمدرس لا يعيرانهما أي اهتمام، فما يهتمان به هو خارج إطار البيت وسوف نعرف هوايتهما مع سردنا لقصتهما. 

حين وضعت الزوجة الأكل لصديقنا اتجهت نحو الحقيبة المرمية على الأرض والتقطتها على عجل وهي تتلمس جوانبها، فلاحظت أنها اليوم على غير العادة؛ فهي مكتنزة وثقيلة، فعادت إلى المطبخ وأكملت غداءها لأنه من غير الممكن أن تتناول طعامها دون أن تلقي نظرة عليها وتتلمسها، فسألت صديقنا عن يومه فأجابها بأنه مرهق، وأنه زار حيه القديم وعرَّج على جارته، فقاطعته الزوجة:  

وماذا تسلمت؟ فرد عليها بخيبة: 

لقد كانت محظوظة تلك المحظوظة هذا الشهر فقد استلمت طردًا كبيرًا.

فتساءلت تلك الفضولية: 

ترى ماذا يحوي لا بد أنه شيء ثمين؟! ولماذا لم ترجه قليلًا ربما تسمع شيئًا وتعرف ما يحويه؟! 

حقيقة زوج غريب والأغرب منه زوجته، فهي قد وصلت إلى درجة لا تحتمل من الفضول، إذ أضحت تدخل أنفها في كل شاردة وواردة منذ أن تسلم الزوج مهنته الجديدة، هذه المهنة وإن لم يراعِ صاحبها خالقه ويراقب تصرفاته فقد تؤدي به إلى الهاوية؛ لأنها من أصعب المهن بدنيًّا وإنسانيًّا فهي تشمل أمانات وأسرار الناس. 

صديقنا ساعي بريد وقد تسلَّم هذه المهنة النبيلة منذ سنين، في الواقع كان قبل هذه المدة شخصًا مختلف تمامًا، أقصد شخصًا يدرك حقوقه وواجباته، لكنه مر بفترة من حياته اختبر فيها العديد من التجارب الحياتية، وهو في خضم تلك التجارب تظهر إحداهن في حياته، فيطلب الاقتران بها فيكون له ذلك مباشرة.

 والآن بصدد ارتكاب خطأ كبير سوف يدفع ثمنه لاحقًا، فهو لم يعِ حجم المأزق الذي أوقع نفسه فيه؛ لأنه وخلال فترة تعارفه مع زوجته كان همه فقط الارتباط، فلم يسألها عن اهتماماتها أو ميولها، أو حتى ما هي أحلامها في الحياة، أو تسأله هي أيضًا، لقد كانت السطحية هي عنوان تعارفهما، فاستمرت حياتهما خالية من أي هدف، حتى الولدين اللذين أتيا بهما إلى الوجود وكأني بهما أحضراهما من متجر. 

فبقيت حياة صديقنا تراوح مكانها وبدون تقدم، وبدأ يلحظ أن بعضًا من قناعاته لم يعد لها مكان في فكره، بل بالعكس فقد دخلت أفكار غريبة عن نشأته وسكنت رأسه، في البداية انزعج منها لكن سرعان ما استسهل الأمور وتركها تحتل خلايا دماغه. 

إن ما أعنيه هو أن زوجته مجوفة من الداخل لم تضف له شيئًا، حتى خزانه من الوعي والإدراك لجوهر الحياة قامت بإفراغه وتركته خاويًا، وبطبيعة الحال كان لزامًا عليه أن يغرف من خزانها، ويا له من خزان فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، فهي لا تملك شيئًا تعطيه له سوى التفاهة. 

لقد كانت علاقتهما مع الله خالية من كل روح بما فيها تلك اللحظات التي يتوجهان فيها للقبلة من أجل الصلاة، فأصبحت مجرد تأدية واجب لا غير، وهو أمر محزن حقًا، وعليه فقد تسممت حياته. 

حين كان يعود من العمل تستجوبه وتسأله عن رسائل الناس التي كان يوصلها لهم، وهو بالمقابل كان يفرغ ما بجعبته مع أن مهنته أصلها الكتمان حتى على أقرب المقربين، لأنها علاقة مع الخالق أكثر منها مع الفرد، وهو لا يريد أن يعي ذلك فوضع أسرار الناس كلها في مرمى تلك الزوجة السيئة، فما كان منها إلا أن قذفت بها يمنة ويسرة، فسقط ستار خصوصية الناس فأصبحوا عاريين تمامًا. 

لكن دعوني أتوقف قليلًا لأستند بقول لطالما جعلته منهاجًا لحياتي، وهو أنه كل ”من ستر عيب أخيه ستر الله عيبه، ومن فضح أخاه وحتى وإن لم يكن له عيب، فإن الله يخلق له عيبًا ويفضحه به"، إنها العاقبة الأخلاقية وعلينا أن نعي ذلك جيدًا. 

فكانت كلما تتبعت والتقطت تلك الزوجة أخبار الناس يسوؤها الأمر، فأهملت عائلتها فتحول البيت إلى مجمع من الطاقة السلبية وما فتئت الشجارات بينهما تزداد يومًا بعد يوم. أما الولدان فلا يعلمان عنهما شيئًا إلى أن استدعته إدارة المدرسة أحد الأيام من أجل ولده، فقد تطاول على المعلمة وأسمعها كلامًا نابيًا من شدة ما كان يسمعه داخل البيت.

لقد جلس صديقنا يومًا يتذكر قبل اقترانه بها كيف كانت تحدثه عن أهلها بإسهاب، وعن صديقاتها وبنات عمها لكنه أبدًا لم يعترض على ما تقوم به، أو حتى ينصحها يومًا بترك تلك العادة السيئة، إلى أن أصبح الأمر عاديًا بالنسبة له، لكنها أبدًا لم تتوقف عن ذلك فقد رآها يومًا تفتش حقيبته علَّها تعثر على أظرفة ورسائل تخص بعضًا من معارفهم لتعرف أخبارهم وتتجسس عليهم، لكنه تغاضى عن الأمر ولم ينهها، فكان ذلك هو بداية الطريق نحو المجهول وهو ما يحدث له فعلا الآن.

إن الخطأ الذي ارتكبه صديقنا هو ترك الأمانة "المحفظة" بين أيادي عابثة، تلك المحفظة التي من المفترض أن يبقيها في مكانها الأصلي وهو عمله، ولشدة تهوره ورعونته وعدم مسؤوليته يعود بها إلى المنزل، ظنًا منه أنه يستفيد من الوقت المستقطع الذي يعود فيه لمقر عمله ويضعها في مكانها المخصص، وببقائها في المنزل يكون كمن جلب معه قنبلة موقوتة وفعلًا وما تلك الشجارات والطاقة السلبية التي ملأت البيت لدليل على ذلك، لقد شُغلت الزوجة بما تحويه الحقيبة وتركت بيتها وأولادها عرضة للإهمال. 

زوجة صديقنا عند فتحها الحقيبة تكون قد فتحت على نفسها بوابة الشر والعياذ بالله، بوابة حثَّنا اللَّه ورسوله على تركها وشأنها، وألا نقترب منها فهي أصل الشر وروح الشقاء، فحين اقتربت من تلك "الحقيبة" وتلمستها سكنها السواد فأصبحت روحها تائهة لقد شغلتها أخبار الناس فتلوثت وساءت علاقتها مع زوجها فأضحت لا تطاق، فعوض أن يكون الكلام الطيب هو سر حياتهما وجواز سفر إلى بعضهما البعض، أصبحت القسوة والكلام هو لغتهما، أما الكارثة العظمى فهما الولدان ثمرة اقترانهما، فقد ضاعا بينهما للأسف.

إن تلك الحقيبة هي رمز لكل أمر لا يعنينا، لكل ما يؤدي بالمرء إلى كسب صفات ذميمة ومنها الفضول السلبيّ، وأقصد بالسلبيّ هو ذلك الذي يشغل المرء عن بناء حياته بصورة صحية، بل تراه يقفز هنا وهناك من أجل أمور تدمر روحه وتجعلها هائمة لا تعي الدرب الصحيح، بل هو تلك الظلمة التي يقحم المرء نفسه فيها بدون مصباح يحمله معه لينير له الطريق، مصباح التمسك بأمر اللَّه وسنة حبيبه المصطفى.

أما ذلك الشخص الفضولي لو تفحصناه عن قرب فإننا نرى ذلك المرء التائه الذي ضل الطريق، فهو يحمل هم الآخرين أكثر من همه، ويا ليت كان لهم معينًا بل هو يقترب ويبتعد حسب درجة أهمية الموضوع، وطبعًا فهو لا يبقى متفرجًا، فأكيد خصلة الفضول لن ترضى أن تبقى وحيدة فهي تحضر معها عديد الخصل السيئة من نميمة وتجسس وافتراء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة