مرحبًا صغيري شهاب...
كيف حالك؟
أتمنى أنَّك بخير...
يُقال إنك تشبهني جدًا، بل يُقال إنك النسخة المصغرة مني... وكم سُعدت لتشبيهي بك أيها الملاك الصغير...
لكن أتعلم يا شهاب! أقسم أني خائف من هذا التشبيه... نعم خائف جدًا... لا تستعجل الحكم ولا تستغرب يا صغيري... ستفهم ما أقصد جيدًا...
باعتبار أنك زائر جديد على هذه الدنيا، سأتطرق لإخبارك ببعض ما فاتك من أحداثٍ في السنوات الماضية... وبصفتي خالك الأصغر سأقدّم إليك بعض النصائح... هيهه يقال بأن البوح بما في النفس يفرج، لذا سأقوم بالفضفضة لكَ قليلاً... أتمنى أن تكون مستمعًا جيدًا..
بالمناسبة يا شهاب، أنا أكره البكاء جدًا جدًا... أكثر من أي شيء آخر... لذا أرجوك يا صغيري امنحني بعض الدقائق من وقتك ولا تصدع رأسي بدوي بكائك... حسنًا يا شهاب... عليّ أن أخبرك الآتي قبل فوات الأوان...
على هذه الدنيا البسيطة، ستزور آلاف المنازل، ستجوب آلاف البلدان وستسكن آلاف القلوب... إلا أن راحتك ستتلاشى مع الوقت وستبدأ جوانب بدنك بالتعب والضيق...
أترى هذه الإنسانة الملائكية! نعم يا صغيري نعم، إنها أمي...
أتعلم أن هذه المرأة جابهت الموت إحدى عشرة مرة، لتنجبنا فقط! لتأتي بنا إلى هذه الدنيا! واجهت الموت لأجلنا أتصدق هذا! هذه يا شهاب هي المرأة الوحيدة التي ستُحبك حبًا لن يحبك أحدًا مثله حتى أمك...
هي من ستشبعك عطفًا وتشبعك حنانًا، ستدافع عنك في السراء والضراء، حين يكذبك الجميع هي من سيصدقك، وحين يخذلك الجميع هي من سيحتضنك، وحين يكسرك الجميع هي من سيجبرك...
أصغ جيدًا لما أقول يا شهاب... هناك مضجع واحد فقط سيمنحك راحة لن تتكرر، سيشعرك بدفء وطمأنينة وسلام، وستنعم فيه بنوم عميق، محال أن تجد مثيلاً له...
ولكن حذاري!! ما إن تترك هذا المضجع، حتى تجابه كافة أشكال الأسى والتعاسة، وحينها سيصعب عليك العودة له مجددًا... لذا... حاول قدر استطاعتك أن تُطيل البقاء فيه...
ألم تفهمني يا صغيري... أنا أتحدث عن حضن أمك يا شهاب... فأنت في هذه المرحلة من عمرك... ستبقى لأكثر من نصف يومك في أحضانها، وهنيئًا لك بهذا الحضن، حاول البقاء فيه أكثر فترة ممكنة، صدقني لن تجد مكانًا أدفئ وأحن منه أبدا... عندما تكبر قليلاً وتبدأ مرحلة الإدراك والاستيعاب...
إيَّاك ثم إيَّاك أن ترتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته أنا... أترى تلك البقعة السوداء الساكنة تحت عينين جدتك!
لا تسألها عنها أبدًا... ولأشبع فضولك أنا سأخبرك عنها... علميًا تسمى "هالات"... لكن في الواقع ذلك ما خلّفته أخطائي وأخطاء كل من أحبّتهم، ذلك هو قبر قلبها، قلب جدتك أحن وأطهر من أن يحمل فيه شيئا من الحقد، لذا تقوم بإخراج الحزن من قلبها وتدفنه هناك... ذلك سجن عيناها، هناك تقوم بحبس كل الدموع التي حاولت بشتّى الطرق ألا تذرفها أمامنا خوفا على مشاعرنا... ذلك مخبأها السري، هناك تقوم بإخفاء قهرها يا شهاب... فلا تسألها عن هذا المكان أبدا.
أنا أوصيك بأمك وجدتك خيرًا يا شهاب... لا تحزنهما ولا ترهقهما أبدًا... فهما أحنّ عليك منك... ومع مرور الأيام ستتذكر كلامي.
أما ذلك الرجل الذي يقف بجوار أمك فذلك رجل عظيم، هو من ستستند عليه في حياتك بعد الله هو من يسمونه الزعيم...
إنه أبوك رجل طيّب يحب الخير لكل الناس ولن تجد شخصًا يبغضه فهو ذو أخلاق وكرم وشهامة كيف لا وهو الزعيم أبو شهاب... أما تلك الفتاة الصغيرة فهي تدعى بيلسان الطفلة التي أحبها كثيرًا إنها أختك الكبرى هي من ستكون بجانبك إلى أن تكبر وتصبح شابًا حذاري أن تزعلها...
أما ذلك الشاب الصغير نحيل الجسد! اسمه "حسن" وآه منه... يكبرك بعشرين عامًا، ويصغرني بسبعة، أو ثمانية، أو تسعة، أو عشرة أعوام... ذلك الشاب قلبه أهش من القطن... وأخفّ من القشة... وأنقى من رشوش السحاب...
هو أكثر شخص أظهرت له جانبي المظلم، وأكثر من قسوت عليه، وأكثر من أخاف عليه من هذه الحياة وقسوتها، أتعلم لما! لأنه الإنسان الوحيد الذي كنت أشعر بالمسؤولية تجاهه، هو لم يرَ مني سوى القسوة...
لكنَّه لا يعلم أنه أقرب الأشخاص إلى قلبي، لا تنظر إليّ هكذا يا صغيري أرجوك!
لا تخف أنا لست بذلك السوء وبتلك القسوة... أتدري أن كل كلمة قاسية وجهتها له ما زال أثرها باديًا على روحي، وأن كلّ رفعت يد مني عليه كان وقعها مؤلم جدًا على قلبي...
وأنّي إن قمت بضربه أقسم أني لا أستطيع النوم من فرط تأنيب الضمير... لكن صدقني لقد عاملته بكل تلك القسوة من خوفي عليه...
نعم من خوفي أن يقع في نفس الأخطاء التي وقعت فيها أنا... كنت أخاف أن يتأذى كما تأذيت... رأيته يسلك نفس الطريق الذي لطالما كنت أحاول أن أشق طريقا آخر للهروب والنجاة منه...
لم ألجأ إلى هذا الحل إلا بعد أن حاولت كثيرًا نصحه، لكنّه عنيد جدًا يا شهاب، لذلك كان خوفي عليه يدفعني للقسوة عليه... أعلم أنّه شيء خاطئ، وأني نادم على هذا الشيء... لكن أقسم أنه كان آخر الحلول... لذا أخبره يا صغيري... أنّي كنت أخاف عليه أكثر من أي شيء آخر، وأنّي أحبه كما لم أحب أحدًا مثله.
أما عن ذلك المشاكس الصغير هيهه... عزيز فقد أتعبني كثيرًا..
ذو الخمسة عشر عامًا حسب علمي... طفل يمارس كرة القدم بشراهة... ذكي ولكن أكره تصرفاته مع أمه... هيهه لا تضجر يا شهاب...
أعلم أنه يزعجك عندما أخبرك عن عيال خالتك، لكن صدقني ليس سهلا أن يروا كل هذا الاهتمام مصوّب نحوّك، وأنك أصبحت القضية الأولى والشغل الشاغل لمن هب ودب في منزلنا...
لكن لا تقلق... هو سيقوم بإزعاجك فقط، لكن لن يؤذيك أبدًا...
هو يشبهني عندما كنت صغيرًا... لا أخفي عليك... فأنا أحبهم جدًا وأخاف أن يميلون إلى رفقاء السوء...
وأنت يا صغيري... أنا متأكد ما إن تكبر قليلاً إلا وستحبهم أكثر من أي أشخاص آخرين.. وحينها ستلتمس صدق كلماتي... أما عن هذا الرجل الشامخ، بشوش الوجه حسن المظهر جواد القلب... فهو أبي.
أبي ومن كأبي... لا أدري من أين أبدأ، فكل الحروف تتسابق إليه شوقًا كشوق قلبي لضحكته عندما يضحك، تنحني الأحرف خجلاً منه لما بدر منَّا من أفعال أرهقته قبل أن ترهق أروحنا، تهوي الأحرف أرضًا كما كانت تفعل عيني حين يقدّم لي النصائح بعد ارتكابي لأي خطأ... وها هي أحرفي تسقط أرضًا كما كنت أسقط أنا، لكن هذه المرة أنا من سأرفعها... وسيكون لي شرف الحديث عنه لأول مرة يا شهاب...
أنا عشت في كنف هذا الرجل العظيم ما يقارب من السبعة والعشرين عامًا، كانت سنوات خير وفير، وشلالات الحبّ فيها لا زالت تروي ظمأ روحي ونفسي المشتاقة، في تلك الفترة كنتُ طفلاً ثم مراهقا أرهق روحه الطاهرة، ثم بدأت أخطو خطوات نحو تحقيق ذاك الحلم الذي بذرت بذوره في نفسي، وهو حلمي أن أكون مثله تماما...
مرَّت تلك السنوات الندية على كلينا... لكنَّها كانت مليئة بالحب والاهتمام من طرف واحد، ولا شك بأن قلبه الأبوي هو ذاك الطرف... كيف لا وهو من أسماني بـ "سعد" الاسم المخضرم لجدي...
كنتُ حينها في غيبوبة الحياة، ألهث وراءها... كنتُ أسلك طريق الضياع لولا توجيهه لي، وحده من نصحني وحده من وجهني، وأنقذني من الغرق في تفاهات المراهقة... أتدري يا شهاب... من غبائي لم أخبره أبدًا أنّي أحبه، وأعتقد أنه لم يلتمس هذا الشيء بسبب سوء أفعالي... أريد أن أخبره بأنّي أحبه، أريد أن أعتذر له بصفة مباشرة...
أتسمح لي يا صغيري أن أتكلم معك وكأنك أبي! أعلم أنه شيء من الجنون... لكن صدقني أن روحي متلهفة لتجربة هذا الشيء...
أتسمح لي!
سأعتبر إنزال رأسك إجابة بالقبول... شكرًا لك أيها الشلهوب... لكن أرجوك لا تنظر إلى عيني، أكره أن يراها أحد غارقة بالدمع..
حسنا سأبدأ... أبي أقسم أن ثروتي اللغوية لن تسعني للحديث عنك... لكن أريد إخبارك ببعض الكلمات التي حاولت أن أقولها من قبل لكنها ظلت عالقة في حنجرتي، ولطالما كانت تأبى الخروج، لكن أعتقد أنها بدأت تخنقني يا أبي...
أبي... أعلم أني قصرت في حقك يا ساكن أعماق قلبي، قصرت كثيرًا في حقك يا من طبع اسمك في ذاكرتي منذ أول أيام عمري، منذ أن كنت أسمع أمي تناديك فأشتاق لنطق حروف اسمك، منذ همسك في أذني دون فهمي لما تقول، لكن أتدري يا أبي كان صوتك دافئا جدًا...
منذ أن كنت أحاول تكرار كلمة أسمعها من ورائك، دون أن أنطقها بالشكل الصحيح، منذ كنتَ تمسكني بيديك لأحاول المشي على قدمي، وما أن تفلتني حتى أقع أرضًا، لكنَّك وكعادتك تقوم بإيقافي من جديد، منذ كنتَ تتباهى بي أمام أصدقائك وزملائك وأهل الحي... تلك المواقف لن تعود... أصبحت الذكريات تضحكني أحيانًا، وتبكيني أحيانًا أخرى..
اليوم يا والدي، كبر ذلك الطفل الشقي... وها هو ينهي سنة من سنواته ولم يردّ إليك بعضًا مما تحملّته من أجله وإخوته... كبرت وعلمت أنك عانيت، في غربتك لأجلنا، أبي وبلا مقدمات...
سأقولها للمرة الأولى أنا أحبك جدًا... وأشكرك على كل شيء قدمته من أجلنا يا أبي، وأعتذر لك على كل فعل غبيّ لم يرضيك، وأعدك أنّي سأعيش لرد جميل ما صنعته من أجلي أنا وإخوتي لعلّ الله يغفر لي ويوفقني...
والدي، أدعو الله أن يحفظ لي قلبك ويمد في عمرك... فأنا الفقير إلى الله بهذا الطلب.
هيهه أيها المشاكس ألم أخبرك أن تشيح ببصرك بعيدًا... حسنًا لا تتأثر بدموعي أرجوك، لا أطيق سماع بكاء الأطفال أبدًا... ما بك تنظر إليّ بهذه الطريقة!
ما المضحك في كلامي يا فتى! هيهه أعلم أن منظر الدمع وهو يغطي ملامحي غير لائق بي.. لكنّي خرجت عن طور إرادتي...
سأخبرك قليلاً عني لأغير من نظرتك تجاهي، ولتتضح لك الصورة أكثر... أصغ إليّ جيدًا.. أنا لم أكن سيئا أبدًا، لكن في فترة من الفترات، يجتمع عليك كل شيء، خيبات الحظ، تحطيم أحلامك، تعبك الجسدي والنفسي، خيانة اختياراتك، ذكرياتك وبكاؤك الحاد...
كل هذه الأشياء تجعل القلب يقسو، تجعلك لن ترحب بمن ينتقص قدرك، ولن تستحمل من يستغلك، لن تجامل أحدًا، وستبتعد فور إحساسك بالتعب، لن تتقبل النصائح من أحد، ستشعر أنك شخص غبي ومغفل، لن تثق بأحد، ولن تتقبل قرب أحد... صحيح أني لم أرتكب الجرائم، أو الكبائر، أو أكسر الخواطر.. لكني للأسف في تلك المرحلة فقدت نفسي، وفقداني لنفسي كلفني الكثير والكثير جدًا...
لا تنظر إليّ بهذه النظرة أرجوك...! أقسم أني بالكاد أحاول تقبل نفسي، صدقني إني استعدت نفسي أخيرا، وها أنا أقوم بإصلاح كل ما أفسدته في تلك الفترة.
أدعو الله باستمرار أن يرجع إليّ نفسي القديمة، وأن يغفر لي بُعدي عنه، وأن يجبر روحي، وأن يجعلني من جابري الخواطر لا من كاسريها.
والآن يا شهاب... هل علمت لما قلت لك أني خائف؟
أتمنى أن يكون الشبه بيننا مقتصر على الملامح فقط لأني أخاف أن تعيش حياة تشبهني
في النهاية... سأعترف لك بشيء يا شهاب... أنا عندما قلت لك إنهم يقولون إنك تشبهني كثيرا... بالحقيقة هم لم يقولوا ذلك، ولكنني رأيت أنك تشبهني...
هيا ابتسم... ألا يكفيك أنك الشخص الوحيد الذي جعلني أقبل صوره في الهاتف! وأنك الشخص الوحيد الذي فضفضت له، وفتحت له قلبي وأريته دمعتي! نعم هكذا... ما أجمل ابتسامتك وما أعذبها.
ختامًا يا صغيري...
أصغ إليّ للمرة الأخيرة، واحفظ ما سأقوله جيدًا... أريدك أن تكون بارًا بأمك لأنها تكون أختي وأنا أحبها جدًا، وأخبر حسن أن كل تلك القسوة التي وجهتها له كانت مؤذية لروحي جدًا، وأني أحبه أكثر من أي شخص آخر، وأخبره أني أوصيه بأمه لأنها أكبر خواتي ونظر عيني أوصيه بها خيرًا، وأتمنى ألا يتعبها لأنها عانت من أجله كثيرًا...
وعزيز أخبره أن يهتم بدراسته كثيرًا لأنني عهدته من المتفوقين، وأني أتمنى له حياة تشبه حياة ميسي بكرة القدم...
أما أبي اعتذرت له بنفسي هذه المرة... لكن أريد إخبارك بشيء، عندما تكبر قليلاً من الطبيعي جدًا أن ترى خشونة بعض الشيء في تعامل أبيك معك...
لا تظن أنه شخص قاسٍ أبدًا... قسوته ما هي إلا لإخفاء قلبه الهش، لا حدود لهشاشته وحنيّته... نسيت إخبارك أنه عندي أخوين اثنين أكبر مني، لكن الله اختار لنا البعد، أحدهما في الصين والآخر بجانبي في صنعاء... سأخبرك عنهما لاحقًا...
أعذرني يا صغيري... أخذت من وقتك الكثير... لا تنسَ أن تحفظ سري وأن تعمل بنصيحتي... فها أنا مجددًا أقبل صورتك من خلال شاشة هاتفي، علك تشعر بمقدار حبي لك، أحبك أيها الشلهوب...
وداعًا يا صغيري... وإلى اللقاء إن شاء الله...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.