(عوووو أو هوووو) صوت بمجرد سماعه يفقد البعض عقولهم.
لمَ قد يفعل الناس ذلك؟ ليس كل ما نسمعه أو نراه هو حقيقي، يقول أصحاب الظاهراتية: "أن الأشياء موجودة في عقول متأمليها"، ومن ثم فإن الخوف الشديد موجود عند المهووسين وليس البشر كلهم.
أحدهم -أُشفق عليه- لا يناله قسط من الراحة حال سماع صوت الـ (عوووو أو هوووو)، إنها فوبيا الأصوات، شيء مخزٍ، كيف له أن يخرج في الليل الكاحل إن اضطر لذلك؟ أيستطيع أن يحمي طفلًا خائفًا مثله؟ هل يمكن أن يفعل ذلك؟ لا أعتقد؟ هذا في غاية الجنون! لا أصدق!
يقول إن ملاذه الوحيد هو العويل والولولة، أيليق بشخص مثلك هذا؟ أنت تكبرنا سنًّا تكبرنا عقلًا تكبرنا مقامًا، فكيف لك فعلُ هذا؟ لكنه شيء محبب منه، تحسه مزيجًا من المزاح والخوف، فهي مواقف تميل إلى الجدية أكثر منها إلى المرح واللهو.
تخيَّل معي أن تعرض هذا الشخص -شخص أعرفه جيدًا- لذلك الكائن صاحب صوت الـ(عوووو أو هوووو ) وهب أنه اقترب منه وكاد أن يمزق قميصه، حالة لا توصف من الذعر، وأنا أجزم ستصيبه حالة من الإغماء القهري فضلًا عن الصدمة العصبية التي ستخلق له واقعًا افتراضيًّا يعيشه فيما بعد، ولكن ذلك لا يمنع أنه موقف مضحك، وهو يهرب شرقًا وغربًا وصوته عالٍ كأنه جُنَّ جنُونُه، كم أتشوق لرؤية هذا!
الخوف عند الجميع ولا ينكر أحد ذلك، من لا يخاف لا يستمتع، فقلبه أشبه بجلمود صخر، الخوف جميل في مواقف الخوف، الخوف جميل من عقاب الله، الخوف جميل من الإقبال على المعصية، أجمل من إيذاء الآخرين، فالحياة دون خوف كالطعام دون ملح شيء بسيط لكنه يؤدي دورًا رئيسًا فيه فلا تكتمل النكهة إلا به.
إحدى اللحظات الحرجة التي سمعت عنها، أختي الصغيرة تلعب في الشارع مع أطفاله الصغار، وإذا بهن يتفاجأن بهذا الكائن (ابن الكلب) يتوجه صوبهن بسرعة البرق وكأنه يثأر لسوء أصابه، هربن كلهن ويشاء القدر أن يترك الكلب الجميع ويلحق أختي إلى البيت، كان ذلك في وقت العصر، وهي بكل ما تملك من قوة وسرعة في شجاعة واتزان وثقة (تجري قدام الكلب بسرعة -رغم صغر سنها- تفوق سرعته) إلى أن دخلت البيت فتركها الكلب وتشاجر مع أبيها الماكث أمام منزله، يقصُّ أبوها الحدث قائلًا: "إنه قد اعتلى كتفي ووجهه -أي الكلب- صوب وجهي -كأنه صديق يحتضن صديقه- يريد الانتقام، لكنه انفلت مني إلى الداخل".
ترك الكلب الأب لاحقًا بالابنة التي احتمت داخل دولاب ملابسها، ولكن حال دونها الأخ الأوسط، الذي استطاع أن يحسم الموقف بضربة قاضية تفقد الكلب هدفه ليعود حيث أتى.
أين بطل قصتنا من تلك الطفلة الصغيرة التي تستحق وبجدارة وسام نجمة سيناء لدورها البطولي في مواجهة الأزمات، لو كان بطلنا ها هنا في ذلك الموقف لما كتبنا عنه هذا، بل ترحمنا عليه بقراءة الفاتحة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.