قصة الفتح العالي الجزء الأول: صراع على قمة كانغشينغونغا

تقع حادثة نيسبت وواينتر في جبل كانغشينغونغا، أطول جبال العالم صعوبة، بسبب صراع مالكولم نيسبت ومحاولته الانتقام من إدوارد واينتر؛ حيث قام نيسبت بإطلاق النار على واينتر لمنعه من الوصول إلى قمة الجبل وتحقيق النصر قبله، إثر خلافات وحسد على قيادة الحملة وتفوق التلميذ على أستاذه.

استلقى طريحًا على سطح الأرض المتجمدة ورأسه يبرز من الخيمة الواطئة المصنوعة من النايلون. النقاط المتجمدة واللحية التي مر عليها 14 يومًا تخفي وجهه. في هذا اليوم البائس من شهر حزيران 1939، قلة من الناس يمكنهم أن يتعرفوا عليه بوصفه واحدًا من أشهر العلماء الجيولوجيين ومتسلقي الجبال، مالكولم نيسبت.

استلقى بلا حراك موجهًا نظره إلى السطح العمودي للحائط الجليدي، آخر عقبة رئيسة قبل بلوغ قمة جبل كانغشينغونغا (كي 2) ثالث أعلى قمة في العالم والأكثر صعوبة. كان هادئًا يراقب الأربعة الآخرين. أربعة نقاط سوداء تدب إلى الأعلى باتجاه الهدف الذي يطمح إليه طول حياته، تاركينه خلفهم.

تابعهم بدقة ووجهه يقول: واينتر في المقدمة، ليوبولد الأمريكي ثانيًا، براون النمساوي ثالثًا، وأخيرًا باسانغ شيتا الدليل والحمال الهندي.

أربعة من أكفأ المتسلقين في العالم بعد نيسبت وهم ذاهبون نحو انتصاره هو. كانوا يثبتون كفاءتهم. العظماء فقط بإمكانهم تسلق هذا الوجه الجليدي الشاهق شديد الانحدار. ببطء وبجدية يقطعون كل خطوة لهم باستخدام بلطات الجليد. كانوا يتقدمون على بعد مائتي قدم من قمة الجدار الجليدي وعلى ارتفاع ثمانمائة قدم من خيمة نيسبت. وبعبورهم هذا الجدار سيكون الطريق إلى القمة سهلًا نسبيًا وسيصبحون أول من يتسلق قمة كانغشينغونغا والوحيدين الذين يحققون ذلك.

وصلوا إلى نقطة كان نيسبت قد حددها وتنبأ بها منذ مدة طويلة للعبور أسفل بروز من المستحيل عبوره؛ بروز من الجليد لعدة أقدام من الهاوية.

بإمكانه رؤية واينتر يعلق حبله ويميل بعيدًا ليثبِّت خطافًا.

الآن جاء الوقت. رفع البندقية وركز مرفق يده بثبات فوق صخرة من جدار الثلج. ركَّز بدقة نظره على ظهر واينتر وحسب سرعة الريح، المسافة والمسار المنحني للإطلاقة وإصبعه ثابت على الزناد.

راقب واينتر يثبت الحبل في الخطاف الصغير ورأى علامات الحبال تتغير.

شعر بمعدته تتقلص عندما وضع واينتر رجله على حافة الأرجوحة الخارجية للحبل.. ثم ضغط على الزناد.

وقعت حادثة نيسبت – واينتر في كانغشينغونغا في صيف عام 1939 وكان العالم فيه ينحدر نحو حافة الحرب العالمية، ولكن بالنسبة للأمريكي ليوبولد فقد بدأت في الصيف الماضي عندما كان في أوروبا لممارسة رياضة التسلق في دولوميتز؛ حيث التقى بالمتسلق النمساوي الخبير وهو رجل قصير يدعى كارل براون، وتعرَّف عن طريقه إلى مالكولم نيسبت وزوجته.

كان نيسبت بالنسبة لليوبولد شخصية أسطورية ذات شهرة عالمية كبيرة، لذلك كان شرفًا كبيرًا بالنسبة له أن يجلس على منضدة العشاء مع نيسبت في تلك الليلة.

كان لجميع إنجازات نيسبت بهاءٌ وفتنة خاصة، حتى تلك المحاولة الشهيرة لتسلق قمة كي 2 الرهيبة، التي لم يرجع منها حيًا سوى نيسبت والدليل الهندي. لم يكن مدهشًا أن تجده ذا روح شابة بالرغم من سنوات عمره الخمسة والخمسين. أنيق، رياضي، وسيم، جريء بشعره الفضي وبشرة مائلة للسمرة الغامقة. كانت له جاذبية تبدد المخاوف فور رؤيته وتهيج الأعصاب في شخص ليوبولد.

«لقد قرأت كثيرًا حول إنجازاتك هناك، ما فعلت في جبال روكي الكندية وفي يوسمت».

«لم نفعل شيئًا كثيرًا ليثير حسد شخص مثلك سيدي»، «وأنا أخشى أن الوقت قد حان لأتخلى عن موقعي للجيل القادم الجديد، رجال شباب مثلك وبراون و... واينتر» قالها مع ابتسامة صغيرة على وجهه تجاه زوجته. لم تبتسم زوجته، أو تنظر إليه، ثم قالت:

«هل تستمتع بالتسلق هنا، سيد ليوبولد؟» تكلمت باستقلالية غريبة وباردة وكان السؤال منمقًا تقريبًا.

كانت إيفلين نيسبت أصغر من زوجها بعشرين سنة على الأقل، شقراء وجذابة.

«جِدًّا» أجاب ليوبولد.

سأل براون فجأة: «هل سمعت أي شيء عن مشروع إدوارد واينتر؟».

أجاب نيسبت بفتور: «أخشى أنه لم يختر لثقته بي».

«إنه يخطط لمحاولة تسلق كانغشينغونغا في العام المقبل».

«إدوارد شاب طموح. ربما سينجح فيما فشلت أنا فيه، وهي ليست المرة الأولى عندما يتفوق التلميذ على أستاذه».

حدَّق براون في الطبق على المنضدة أمامه، وأحس بحرج مفاجئ، لكن نيسبت لم يلاحظ ذلك واستمر نيسبت: «ستذهب أنت أيضًا؟».

«لقد تحدث معي في هذا الموضوع».

«كانغشينغونغا» قاطعهم ليوبولد بحماس: «يا له من تحدٍّ!».

نظر نيسبت إليه بجدية: «ربما هي الأعظم، فعلى الرغم من أنها ليست ملكة الجبال فإنها ولية العهد، ومن وجهة نظر -واحدة على الأقل- أنها الأكثر صعوبة».

«إنه الجليد، أليس كذلك؟» تساءل ليوبولد.

«أساسًا، قمة إيفرست محمية بحائط من القمم عن الرياح الباردة، ولكن كانغشينغونغا هي كتلة من الثلج والجليد دائمًا والجبل الأكثر غدرًا ومخادعة في الوجود».

رمق زوجته مرة أخرى لكنها الآن لا تظهر أي اهتمام.

«والسؤال هو: هل يمكن أن يهزمها بشر؟».

غلبت العاطفة صوته وقال: «لكنها كانت أملي المحبب لأقوم بذلك».

كان هناك صمت ثقيل ثم قال براون: «ليس لي الحق في مناقشة ذلك. ربما واينتر قد خطط ليتحدث إليك».

«ربما» قاطعه نيسبت. «ربما سيفعل» ورمق زوجته غير المهتمة مرة أخرى.

كان الوقت خريفًا عندما علم ليوبولد وهو في الولايات المتحدة بأن نيسبت قد أُدرج ضمن فريق واينتر لمحاولة تسلق كانغشينغونغا.

في أوائل ديسمبر تلقى ليوبولد رسالة من نيسبت شخصيًا يعرض عليه الفرصة للمشاركة في المحاولة، ومع تسلمه أيضًا رسائل من كلا واينتر وبراون، فإن موضوع المشاركة قد حُسم.

لم يمر الخطر واحتمالية عدم عودته من هذه الرحلة بذهنه أبدًا.

التقى ليوبولد بنيسبت في كلكتا ورافقه حتى دارغيلنغ التي كان الآخرون قد سبقوهم إليها بثلاثة أشهر مضت مستكشفين المقتربات على الجبل ومعاينة ومسح المحاور المحتملة للتسلق.

وقف الشباب الثلاثة في استقبال القطار الذي يوشك على التوقف. كان واينتر طويلًا، ممتلئًا، في الثلاثين من عمره. يبدو شديدًا وذكيًا مع إنسانية دافئة تبطئ تصرفاته. أما براون فأصغر عمرًا بوجهه النمساوي العريض، ابتسامته هادئة ووجهه الواضح بعيونه التي يغلبها النعاس كرجال الجبال. أما بيتر فونس، الفرنسي – السويسري، فهو صغير الحجم، أسمر نحيل ولكن قوي ومرح، وهو أيضًا أصغر في الثلاثين سنة من العمر ووجهه متأثر بالمناخ؛ ما يجعله يبدو أكبر من عمره، وله ذراعان قويتان أكبر من جسمه.

مجموعهم مع ليوبولد وإيفلين نيسبت كانت مجموعة شابة متجانسة ما عدا نيسبت الذي بدا كفيلد مارشال ضمن مجموعة من الجنود مجندين حديثًا، حيث إيفلين بدت أصغر عمرًا.

عندما بدأ واينتر حديثه كان يبدو بوضوح الهدوء والنية الصادقة في صوته وقال مرحبًا:

«نحن مسرورون بوجودك معنا، ليوبولد» وكل ما قاله لنيسبت: «أنت تبدو لائقًا للمهمة سيدي» ثم أضاف: «إيفلين». كأن لم يكن هناك شيء ليقال. وعندما أمسك بيدها نظرت إلى وجهه للحظة وقالت: «أهلا إدوارد» ثم اتجهت بنظرها بعيدًا.

أعد واينتر مستقرًا للمجموعة في بيت مريح حيث استقروا في غرفة المعيشة وقدم لنيسبت تقريرًا.

«لقد حددت الحمالين مقدمًا ولديَّ عشرون من أفضل الرجال من الهيمالايا وطبقًا لتقديراتي فنحن لن نحتاج لأكثر من هؤلاء».

«ماذا؟ إنه مستحيل. نحن نحتاج ثلاثة أضعاف هذا العدد».

«لا أعتقد ذلك. بوجود التغذية الهيدراتية والمعدات الخفيفة الوزن، فأنا متأكد بأننا سننجح».

كان هناك فترة صمت.

«حسنًا، من هو قائد الحمالين؟».

«باسانغ شيتا. لقد اخترته خصيصًا لأنه كان معك في كي 2».

قال نيسبت بصوت متهدج: «وهل تتذكر كيف انتهت تلك المحاولة؟».

حدق به واينتر: «إذا كان لديك أي شيء ضد باسانغ شيتا....».

«ليس لدي شيء لأقوله.. إذا كنت قد استأجرته فهذا ينهي كل نقاش».

إذا كان نيسبت قد خشي أن يجلب باسانغ شيتا الحظ السيئ للرحلة، فإنه لم يبدِ ذلك للعيان عندما التقوا بالدليل الهندي في اليوم التالي وعاملوه بصفته صديقًا قديمًا، ولكن الابتسامة اللطيفة على وجه نيسبت قنّعت كل المشاعر التي يمكن أن يحس بها.

بدا باسانغ شيتا كفونس، رجل صغير نحيف وقوي، لكن أحس ليوبولد بالقوة الفولاذية في ذلك الجسم الضعيف البنية.

ابتسم باسانغ لكل ما قاله ليوبولد عندما أشار الأمريكي إلى الأمل الواثق والتفاؤل بتحقيق مهمتهم بسلام وعلق ببساطة: «نعم، صاحب. إذا شاءت الآلهة ذلك».

قال نيسبت ضاحكًا: «ما زلت تتكلم بهذا الهراء يا باسانغ؟ اعتقدت بأنك قد تجاوزت هذه الأمور بمرور الزمن».

لم يقل باسانغ شيتا شيئًا، وللتغلب على الإحراج قال ليوبولد بسرعة: «حسنًا لنأمل أنها ستكون رحيمة بنا».

تم نصب المعسكر الرئيس في لاشين وهي قرية محلية صغيرة على بعد عشرين ميلًا من القمة وتستظل بظل الجبل.

خلال فترة أسبوع الإقامة في دارجيلنغ نظر ليوبولد نظرته الأولى إلى جبل كانغشينغونغا. من مسافة الأربعين ميلًا كان المنظر حينها رهيبًا، ولكن الآن عند النظر من داخل منطقة الظل فإنها لم تقل روعة على الرغم من أن القمة مختفية وراء الحافات البارزة للجبل وتحجبها الغيوم وما زال وجودها يوحي دائمًا بالبرد الجائر الظالم سيئ النية.

كان المسلك العملي المحتمل الوحيد الذي حدده واينتر ووافق نيسبت عليه أخيرًا، هو الصعود إلى نهر زيمو الجليدي، عبر الممر المسمى مونكاب غاب، ثم إلى الحافة الشمالية الغربية المخيفة ثم إلى حافة السطح الرئيس والطريق القائم بشكل عمودي تقريبًا. ربما سيكونون في عالم غير مرسوم من العزلة الرهيبة والموت الكامن.

غادروا لاشين وبدأوا التسلق. كان تحركهم شاقًا وأشبه بحركة أم أربع وأربعين المتكورة؛ ستة وعشرون زوجًا من الأقدام مرتبطين بحبل مصنوع من الشعر، يمرون عبر الصخور البيضاء على جانب تيار جليدي.

أقيم المخيم الأول في تلك الليلة عند الضفة المؤقتة للنهر الجليدي. وهنا وقع أول حادث مؤسف. أمام الباقين ضرب نيسبت باسانغ شيتا الذي حاول بلطف أن يساعده بحمل حقيبته الشخصية إلى خيمته، وتراجع الهندي إلى الوراء بسبب الضربة.

صورة 1

قال واينتر بحدة: «نيسبت.. تمالك نفسك» استدار الرجلان وحدق أحدهما بالآخر ثم ابتعد باسانغ.

«بحق السماء.. أنت تعرف أكثر من هذا. هؤلاء الرجال مجبرون على هذا العمل وتعساء كفاية بدون أن نسيء نحن أيضًا معاملتهم».

«إساءة معاملتهم! إنه يستحق ذلك. لا أسمح لأي شخص بلمس حقيبتي في أثناء التسلق».

«حسنًا. إذا كنت تريد مثل هذا الشرط السخيف، فقل ذلك ولكن أبعد يديك عن الحمالين».

نظر نيسبت إليه لوهلة ثم استدار باتجاه خيمته.

تحلق الباقون حول واينتر وقال براون: «يبدو أن مشكلات كبيرة ستحدث، ومن الأفضل إعادته الآن وبدون تأخير إدوارد».

«لا نستطيع ذلك يا كارل. ليس له». توقف وسحب نفسًا عميقًا ثم قال: «سيصبح كل شيء على ما يرام. سأتحدث إليه».

يبدو أن حديث واينتر مع نيسبت كان مؤثرًا. ففي الصباح التالي كان الرجل العجوز أكثر تجاوبًا وكان في المقدمة عندما حزموا أمتعتهم وتحركوا عبر النهر الجليدي بسهولة.

تقدموا ببطء فوق هذا المنحدر الطويل وعبر طبقة الثلج الناعمة فوق الجليد. عند منتصف النهار كانوا قد وصلوا إلى عمق العنق الجليدي في ظل الجبل. لقد كان عالمًا من الجليد يأخذ بالألباب. فإلى الغرب أبراج الجليد الزرقاء لجبل سينيولشو، أجمل جبل في العالم. إلى الشمال الغربي قمة ناكالو. وما وراء سومولينكما، هناك أم الآلهة في العالم.. قمة إيفرست.

هنا في الأعلى لا توجد إشارة إلى وجود حياة سوى الريح والبرق العرضي الناتج عن الانهيارات الجليدية الساكنة.

وصلت المجموعة عند شرخ عميق واسع وغير اعتيادي يؤدي إلى أعماق سحيقة سوداء والوسيلة الوحيدة لتجنب القيام بالدوران حوله لعبوره هو جسر جليدي رقيق وغير متين. وقرروا محاولة العبور عليه.

في أثناء قيام ليوبولد وفونس بتثبيت خطافات في الثلج لربط حبال العبور، زحف نيسبت على بطنه بحذر على الجسر الذي صمد.

وحينما أصبح نيسبت ماسكًا بالحبل المثبت من جانب وفونس وبراون من الجانب الآخر جاء دور ليوبولد للعبور. بدأ يتقدم بحذر ويزحف متلويًا كالدودة على الثلج الصلب قليل السمك. وعند وسط الجسر تقريبًا حيث لا يزيد السمك عن ثلاثة أقدام بدت الأعماق السحيقة على الجانبين تنتظر.

فجأة أحس بالثلج ينهار وأحس بنفسه يسقط. أحد الخطافات لم يصمد. اشتد ضغط الحبل الساحق على صدره وارتج جسمه بعنف وحاول التنفس باستماتة ولكنه لم يستطع. لقد تعلق متدليًا في الهاوية على بعد أقدام قليلة من الجدار الشديد الاستقامة وكان الحبل من جهة نيسبت رخوا وغير آمن.. كان هناك شعور جلي باللون الأزرق الداكن المدهش للجليد من حوله والذي يزداد لونه نحو السواد مع كل قدم ينزلق فيه إلى القعر الذي تزداد سرعة اقترابه منه.

صورة 2

عندما استعاد وعيه كان ممددًا وكان هناك من يقوم بتقديم التنفس الصناعي له. أقاموا مخيمهم هناك عند حافة الهاوية ووضعوا ليوبولد في حقيبة النوم في خيمة دافئة. مرر واينتر بأصابع مهذبة على القفص الصدري وأعلن أنه بخير.

لم يكن نيسبت موجودًا في الخيمة. تساءل ليوبولد: «هل نيسبت بخير؟ لم أسحبه معي إلى الهاوية. أليس كذلك؟».

تبادل واينتر وبراون نظرات متحفظة. «كلا. لقد نجح في تثبيت نفسه». ثم أضاف بعد فترة من الصمت: «لقد فقد نقطة ارتكازه».

فكَّر ليوبولد متذكرًا بالخطاف الساقط الذي لم يثبته نيسبت عميقًا في الجليد تحت الثلج وهذا أخطر أنواع الإهمال في تسلق الجبال، ولو لم يثبت فونس وبراون أنفسهم بقوة على الجانب الآخر فربما أدى ذلك إلى مقتل ليوبولد وربما الآخرين معه.

قبل حلول الظلام تقدم نيسبت إلى داخل الخيمة نصف المظلمة ووقف لوهلة فوق ليوبولد وقد خبأ وجهه بيديه المتشابكتين، وعندما خرج صوته كان مشدود الأعصاب: «أنا آسف» هذا كل ما قاله.

أجاب ليوبولد: «يمكن أن يحدث هذا لكل واحد منا».

بقي نيسبت واقفًا لبرهة صامتًا ثم استدار وذهب.

الانهيارات هي أعظم الأخطار التي يمكن مواجهتها عند تسلق قمة عظيمة، حيث يُسمع هديرها منذ مغادرتنا قرية لاشين. عند منتصف اليوم الرابع وعلى ارتفاع 17 ألف قدم شاهدوا كتلة ضخمة من الثلج الجاف متجمعة عند رأس مرتفع وعلى الجانب الآخر وادٍ ضيق عميق. ولم يكن هناك مجال لتلافي العبور مباشرة تحت هذا الخطر.

تجمعت المجموعة للتباحث بالأمر.

«هل يمكننا إسقاطها؟» تساءل ليوبولد بهدوء. «فشحنة متفجرة صغيرة ستفي بالغرض».

هز واينتر رأسه: «إن في ذلك خطرًا كبيرًا لإمكانية حدوث انهيار أعظم من أعلى الجبل».

هزَّ براون كتفيه مبديًا عدم الاكتراث: «ليس هناك بد من العبور إذن».

«حسنًا ولكن بحذر واحتفظوا بمسافات متباعدة وبلا صوت، وباسانغ ما زال يؤمن أن أي صوت يمكنه إسقاطه علينا».

امتد الخط الطويل من الرجال في منطقة الخطر تحت الكتلة المتدلية البارزة. تقدموا بأسرع ما يمكنهم ولكن بحذر وعلى أطراف أصابعهم تقريبًا بدون أي كلمة وكأنما لا يجرؤون على التنفس.

ببطء عبروا الخطر ولم يبقَ سوى ليوبولد وباسانغ شيتا تحت كتلة الثلج وخلال بضع ثوانٍ سيكونون جميعًا خارج الخطر.

فجأة كانت هناك صرخة حادة: «أي» كأنما صرخ أحدهم بفزع.

عندها ومباشرة سمع ليوبولد بداية اهتزاز وحركة الثلج في الأعلى. «اركض».

صرخ واندفع إلى الأمام. لم يكن يرى الثلوج المنهارة ولكنه يسمعها.

لم يكن هناك شد على حبله؛ ما يعني أن باسانغ كان يركض أيضًا.

ثانية أخرى و.. نجح ليوبولد في العبور، وسمع الثلج يسقط خلفه، وفي الحال استدار بسرعة وركَّز أعقاب قدميه في الثلج السميك متمسكًا بالحبل بكلتا يديه. وفي الحال بدأ الشد في الحبل، باسانغ شيتا في نهاية الحبل وقد انجرف مع الانهيار. لكن الشد لم يكن عظيمًا؛ ما مكن ليوبولد من الصمود أمامه. انجرف باسانغ عند حافة الانهيار ومر الانهيار الآن وهو يزمجر إلى الأسفل ولكن باسانغ ما زال في خطر كبير.

وضع ليوبولد عصابة شريطية يرتديها دائمًا حول عنقه في أثناء التسلق على أنفه وفمه، وتقدم في الغيمة الجليدية وتحرك إلى الأمام تدريجيًا وهو ممسك بالحبل. انحشر باسانغ لحد الخصر في الثلج وعمل ليوبولد بالتحسس فقط على سحبه وإخراجه وحالما أصبح في الخارج انهار باسانغ وسقط على الأرض.

لم يستغرق ذلك كله سوى دقيقة، وعندما وصل الآخرون كان ليوبولد ينفخ الهواء إلى رئة الهندي.

صورة 3

«عمل جيد روبرت. باسانغ هل أنت بخير؟» سألهم واينتر.

استيقظ باسانغ وأشار برأسه ثم نظر إلى ليوبولد وابتسم وشكرته عيناه.

سأل واينتر: «من صرخ؟»/

نظر براون إلى نيسبت وقبل أن يتكلم كان جميعهم قد علموا بالحقيقة.

«لقد كان ذنبي» قال نيسبت «لقد انزلقت رجلي».

اختفى نيسبت تلك الليلة في خيمته حالما تم نصبها.

وجد ليوبولد نفسه محط اهتمام زائد من باسانغ، وخلال وجبة الطعام جلب له باسانغ قدحًا ثانيًا من الشاي الساخن ثم قال ضاحكًا:

«شكرًا باسانغ. ولكنك أنت من يجب أن يرتاح».

«أنا بخير الآن» صرَّ على أسنانه وأخفض عينيه وقال بجدية نوعًا ما: «قليلًا».

«ماذا تعني بـ قليلًا؟».

«إنها نذير شؤم، فربما غضبت آلهة الجبال».

«هراء. لقد كان حادثًا عرضيًا».

جاء الآن دور براون الذي كان يستمع إليهما:

«لقد كان حادثًا فعلًا باسانغ. هل هناك سبب معين يدعوه لأن يفعل شيئًا مثل هذا عن قصد؟».

أعاد باسانغ قوله وهو يحدق أمامه: «لو انزلقت أنا..» أجاب بهدوء «فأنا أيضًا سأصرخ –أي–».

ثم هز كتفيه واستدار مبتعدًا عنهما.

في اليوم السادس وصلوا إلى الحافة الشمالية الغربية المخيفة. عالم مدهش من الكتل الهائلة المندفعة للأعلى من الجليد تأخذ شكل فطر غريب، متاهات تهدد بالموت.

كان التقدم بطيئًا وتم إعداد المخيم السادس عند نهاية اليوم في جرف صخري متجلد عند ارتفاع عشرين ألف قدم. وهنا تركوا آخر الحمالين ولم يبقَ سوى باسانغ شيتا ومساعده ليرافقوا مجموعة المتسلقين.

عند مثل هذا الارتفاع يصبح التنفس ثقيلًا وتحتاج كل حركة إلى جهد إضافي، والإجهاد يأتي سريعًا.

كان الحظ حليفهم من ناحية الطقس لحد الآن ولكن في اليوم السابع وعند منتصف النهار شاهدوا من بعيد إلى الجنوب خطًّا من البرق يتقدم. راقبته عيون واينتر بقلق. عند الرابعة عصرًا بدا أن هناك مزيدًا منها تقترب من كانغشينغونغا. وتلونت السماء خلف القمة بلون أسود مخضر ينذر بالشؤم. اعترف واينتر:

«إنها تبدو سيئة، سنتعرض إلى عاصفة ثلجية».

تكلم نيسبت فجأة وبعصبية حادة: «لا يمكننا العودة إلى المخيم السادس».

«كلا» أجاب واينتر بهدوء وتعمد «يجب علينا أن نجد مكانًا لنختبئ فيه».

وجدوا المكان تحت حافة صخرية ضيقة حيث استخدموا فؤوسهم لعمل فتحة في الجليد وبطنوه بالأغطية المصنوعة من جلود الماشية وسدوا فتحة الكهف الضيقة بخيمة. لقد كان فناءً مسيجًا صغيرًا يكفيهم فقط في وضع الاضطجاع متلاصقين ببعضهم.

صورة 4

بدأت العاصفة قبل حلول الظلام. في البداية كان هناك سكون مشؤوم ثم برق مفاجئ ورعد كأنه يشق الجبل يتبعهما ريح وثلوج وعواء الرياح.

هبطت درجة الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر. وبدأ الثلج ينجرف عميقًا في الحافة الصخرية خارج الكهف ويندفع بعضه خلال الشقوق في فتحة الكهف لكنهم كانوا مرتاحين في حقائب نومهم الجلدية متلاصقين في مكانهم الضيق. في الصباح كانوا لا يزالون بخير لوجود تجهیزات كافية معهم. وهذا لحسن حظهم لأن العاصفة تبدو أنها ستستمر لعدة أيام، ربما لثلاثة أو لأربعة أيام كما توقع واينتر.

استمرت العاصفة لثلاثة أيام. وطوال هذه المدة بقي نيسبت عابس الوجه قليل الكلام.

في اليوم الثالث وعندما كان شبح الموت يمر في مخيلة كل منهم، كان الصمت يغلف الكهف طوال الوقت ومحاولات بدء الحديث متقطعة ومتباعدة.

بدأ فونس بالحديث: «أوقات مثل هذه تجعلني أفكر بأن الآخرين ربما يكونون على حق».

سأله ليوبولد: «من هم الآخرون؟».

كانت محاولته لإضاءة الوجوم واضحة، وصاحبتها ضحكات هادئة كانوا يعلمون جميعًا بأنه كان يحاول.

استمر فونس بهدوء: «بالنسبة لي فإن التسلق هو ببساطة رفقة جيدة. بإمكاني أن أكون مع الناس الذين أعجب بهم وهو ممتع جدًا. يمكنني أن ألقي باللوم على والدي اللذين عندما بدأت أتعلم المشي كانا يأخذانني إلى التلال البعيدة لأتعلم المشي هناك».

بعد ضحكة هادئة أخرى، قال براون: «هناك شيء أكبر من هذا بالنسبة لي. ربما إنها الحرية. ليس هناك مكان آخر أحس فيه بمثل هذه الحرية سوى في الجبال».

«نعم هذا صحيح أيضًا. ولكن ألسنا نخاف أحيانًا؟».

«بالطبع. إن الخوف من الحرية هو أحد أهم مخاوف الرجال. الخوف من كونك وحيدًا».

«الحرية – هراء» قاطعهم نيسبت «السر يكمن في القوة – النصر. أنا لا أستطيع هزيمة الأمم والدول، ولكن باستطاعتي أن أهزم الجبال».

وسأله فونس بنعومة كبيرة: «ولم تكن خائفًا أبدًا؟».

«كلا بالطبع، أبدًا. إذا كنت خائفًا فيجب عليَّ أن أكون في مكان آخر غير هذا المكان».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة