في العاشر من رمضان لعام 1416هـ، وُلدتُ، اسمي معتز، وصديقي وليد ولد في اليوم ذاته في مدينة الإسماعيلية بمصر، لم يكن هذا التزامن صدفة عابرة؛ فقد كانت أمهاتنا صديقات من الطفولة، في حين جمع آباءنا وِدٌّ عميق وشراكة عمل وثيقة.
من سنوات بعيدة جاب آباؤنا دول الوطن العربي طلبًا للرزق، تاركين خلفهم ذكريات كثيرة، وحكايات لا تُنسى، كبرنا أنا ووليد على أصداء تلك القصص، نرث صداقتهم كما نرث الملامح، ونخطو معًا على درب الإخاء الذي بدأ قبل أن نولد.
عندما قرر آباؤنا الزواج لم تكن الصدفة وحدها هي التي جمعتهم بصديقتين متلازمتين من الطفولة، كأن القدر أراد أن ينسج حكاية من الإخاء تمتد عبر الأجيال، اختارا أن يبنيا حياتهما جنبًا إلى جنب، فاشتريا منزلين متجاورين، كأنهما أرادا أن يظل قلباهما متصلين مهما مضت السنين.
وهكذا كُتبت لي أنا ووليد صداقة قبل أن نولد، صداقة لم تبدأ حين تلاقينا في هذه الدنيا، بل وُجدت في الأحلام التي حملتها أمهاتنا، وفي الضحكات التي تبادلها آباؤنا على أعتاب المنازل، كنا امتدادًا لذكرياتهم، وقصة جديدة في كتاب المحبة الذي لم يُغلق أبدًا.
مرّت الأيام كجريان النهر، ودخلنا المدرسة معًا، كنتُ معروفًا بذكائي وتفوقي، لكنني بطبعي أميل إلى الانطواء والوحدة، لا أجد راحتي في الزحام ولا أبحث عن الأصدقاء، لم يكن لي في هذا العالم سوى وليد، لم يكن مجرد صديق، بل كان أخًا تقاسمت معه كل شيء.
لكن وجهًا آخر أضاء أيامي، فتاة اسمها نور، كانت تدرس معنا، وكانت صديقة لي أنا ووليد، غير أن ما كنت أشعر به نحوها لم يكن مجرد صداقة عابرة، كانت نور بالنسبة لي أكثر من ذلك بكثير، كانت السبب الذي يجعلني أستيقظ كل صباح بشغف، وأذهب إلى المدرسة بلهفة، فقط لأراها، في كل ابتسامة منها كنت أشعر أن عالمي قد ازدهر، كأنها زهرة نبتت في قلبي، تنمو كل يوم دون أن أدرك متى بدأت أو إلى أين ستأخذني.
أما وليد فكان على النقيض تمامًا، لم يكن يملك ذكائي، لكنه امتلك ما هو أعظم في عيون الآخرين، امتلك قوة بدنية تُشبه عاصفة، وجرأة تكفي لتدمير كوكب بأكمله، كان بسيطًا في تفكيره، عفويًا في تصرفاته، متعدد الصداقات، كأن المدرسة بأكملها قد وقعت في حبه، ما من طالب أو معلم إلا أحب وليدًا؛ كان يمتلك تلك الموهبة النادرة في أن يصبح صديقًا للجميع دون عناء.
ومع ذلك لم أكن بالنسبة له مجرد صديق آخر في هذا الحشد، كان العالم كله في كفة، وأنا في كفة أخرى، كفة أثقل وأعمق من كل تلك العلاقات العابرة، كنتُ سرَّه الذي لا يُفصح عنه، وكنتُ حضنه الآمن حين تغلق الأبواب خلفه.
لكنني لم أكن الوحيد في هذه المعادلة، كانت نور حاضرة أيضًا، تحتل كفة خاصة بها في قلب وليد، لم يخبرني بذلك يومًا، ولم أعترف له بمشاعري نحوها، لكنه كان يفهم، وكنت أفهم، كنا نعلم أن شيئًا ما في قلب كل منا، سرًّا صغيرًا نحمله بصمت، لا نكشفه إلا للسماء حين ننظر إليها في صمت الليل.
كان ذلك سرّه وسرّي..
استمرت صداقتنا كأنها خيط متين لا ينقطع، عشنا معًا كل لحظة، من ضحكات الطفولة إلى دموع المراهقة، وواجهنا جنبًا إلى جنب كل ما حملته لنا الحياة من صعوبات، لم يكن دربنا مفروشًا بالورود، رغم أن ظروفنا المادية كانت مريحة، أبوانا لم يتركا لنا رفاهية الاتكال؛ كانا يؤمنان أن الرجولة لا تُبنى إلا بالكدّ والتعب، فكانا يُصرّان على أن نعمل في الإجازات الصيفية لنتعلم الاعتماد على أنفسنا.
ومع مرور الأعوام كبرنا، لكن صداقتنا بقيت كما هي نقية وصلبة، كنا ثلاثة ظلال لا تفترق: أنا ووليد ونور، عبرنا كل مرحلة معًا، من فصول الدراسة إلى طرقات الحياة، حتى وصلنا إلى المرحلة الجامعية، فقد قادتنا الأقدار مجددًا إلى الطريق نفسه، دخلنا كلية الصيدلة في جامعة قناة السويس، كأنه قدر لنا أن نكون معًا من البداية، كأن القدر لم يكتفِ بجمعنا في الطفولة، فأراد أن يبقينا معًا حتى نكتشف الحياة بكل ما فيها من حب وألم.
كانت تلك الأيام بداية لشيء أعمق، شيء لم نكن نعلم بعد إلى أين سيقودنا.
كانت نور بيننا كنبض هادئ في قلب صاخب، متوازنة وعاقلة، لا تميل إلى أحدنا، ولا تتعمق في صداقتنا كما كنا نغرق فيها نحن، كانت قريبة، لكنها بعيدة في آنٍ واحد، تبتسم بحنان للجميع دون أن تمنح قلبها لأحد.
أما نحن، فقد كنا غارقين في صمت المشاعر، أنا ووليد، كل منا يعلم ما يخبئه قلب الآخر، لكننا كنا نؤثر الصمت، كأن الحديث عنه قد يكسر شيئًا مقدسًا بيننا، كانت صداقتنا أثمن من أن نغامر بها، ونور كانت أسمى من أن نجعلها سببًا في خلاف.
لم يكن الصراع في الكلام، بل في نظرات مختلسة لا يدركها أحد سوانا، وفي دقات قلوب نسمعها في صدورنا بوضوح، لكنها ظلت حبيسة الصدور، كنا نعيش في هدنة غير مُعلنة، هدنة تحمي صداقتنا من الانهيار، وتترك الأمور لمشيئة الأقدار.
أنهينا مرحلة التعليم، وكنا نظن أن صداقتنا ستبقى كما هي، بلا تغيّر ولا فواصل، لكن وليد قرر أن يتخذ الخطوة التي كنا نخشاها معًا، خطوة كنا نتحاشى الحديث عنها كأننا نهرب من قدر محتوم، أخبرني بصوت يشبه نصل سيف غُرز في قلبي، قالها بهدوء:
- سأتزوج نور..
تجمّدت في مكاني، ولم أستطع الرد في البداية، شعرت كأن الهواء من حولي قد ثقل، كأن قلبي لم يعد ينبض بالطريقة المعتادة، لم يكن الأمر مفاجئًا، فقد كنت أعلم جيدًا أنه يحبها بقدر ما أحبها، وربما أكثر، ومع ذلك ابتسمت، ابتسمت لأنني لم أكن أستطيع سوى أن أفرح له؛ لأنه أخي قبل أن يكون منافسي في الحب.
تزوجها، وكان يومًا جميلًا يحمل الفرح والوجع معًا، كنت أقف بينهما أهنئهما، بينما في داخلي صوت يهمس:
- لقد خسرتها إلى الأبد.
لكن الحياة لم تتوقف، ساعدني والدي بفضل الله في افتتاح صيدلية كبيرة في مكان مشهور، وبدأنا أنا ووليد، وزوجته نور العمل معًا، كنت أراها كل يوم، أراقب ملامحها وهي تبتسم له، وأشاهد كيف يضيء وجهه بحضورها، حاولت أن أتجاوز، أن أعيش حياتي كما يجب، فكرت في الزواج أكثر من مرة، لكن قلبي لم يكن مستعدًا، لم أستطع أن أمنح أحدًا ما لم يعد لي من الأساس.
كان وليد يعيش السعادة التي حلم بها، وأنا أعيش بين حبي لهما وألمي الصامت.
لذلك لم أجد أمامي سوى الرحيل، كان البقاء أشبه بحمل ثقيل تزداد وطأته مع كل يوم، مع كل نظرة خاطفة إلى نور، ومع كل لحظة أرى فيها وليدًا سعيدًا إلى جوارها، لم أكن أكره سعادته، بل كنت أكره نفسي، أكره هذا الشعور الذي ظل ينمو في قلبي رغم كل محاولاتي لقتله، شعرت أن حبي لها هو خيانة لصديقي، خيانة لرجل كان لي بمثابة الأخ والروح.
قررت أن أغادر البلد بأكملها، أن أهرب إلى مسافة لا أرى فيها ما يُشعل هذا الصراع في داخلي، سافرت للعمل في إحدى الدول العربية، وتركت الصيدلية بكل ما فيها لوليد وزوجته، لم أطلب شيئًا، ولم أترك خلفي سوى ذكرى ثقيلة.
حاول وليد منعي بكل الطرق، تشبّث بي كأنه يُقاتل من أجل صداقتنا، لدرجة أنه هددني قائلًا:
- لو مشيت سينتهي كل شيء، هو فراق للأبد.
كانت كلماته تُشبه نداءً من القلب، لكنني لم أستطع البقاء، لم أكن أهرب منه، بل كنت أهرب من نفسي، كان وليد لا يفهم ما أحاول أن أفعله، ولم أحاول أن أجعله يفهم، كيف لي أن أشرح له أنني أرحل لأنني أحبه؟ لأنني أخشى أن يفسد هذا الشعور كل شيء بيننا؟
رحلت بصمت، وتركت قلبي معلقًا هناك، بين حبي لنور ووفائي لوليد.
ومرت السنوات بطيئة كأنها تحمل في طياتها عقابًا خفيًا، كنت بعيدًا عن كل ما أحب، عن أبي وأمي وعن وليد، ذلك الأخ الذي كان أقرب إليّ من ظلي، نجحت في عملي، وحققت ما يكفي لجعل حياتي مستقرة ماديًا، لكن الاستقرار لم يلامس قلبي يومًا، لم تفارقني تلك الغصة، وذلك الحنين لا يزال يمزقني كلما حل المساء، حين أجد نفسي وحيدًا في غربتي.
لم أنقطع يومًا عن محاولة الوصول إلى وليد، كنت أبعث إليه بالرسائل وأتصل به مرارًا، لكنه كان يتجاهلني عمدًا، كأن صمته سيف يطعنني دون كلمة، لم يقل شيئًا، ولم يترك لي فرصة لأشرح، مرّت أكثر من خمس سنوات، ووليد لا يزال يهرب منّي بلا مبرر، كأن صداقتنا القديمة لم تكن سوى حكاية منسية.
لم يكن أمامي سوى والديّ لأطمئن منهما عليه، كنت أسأل عنه كالغريب، أبحث بين الكلمات عن أي إشارة تدل على أنه لا يزال يتذكرني، على أنه لا يزال جزء صغير في قلبه يحتفظ بي.
وذات يوم أخبرني أبي خبرًا لم أكن مستعدًا لسماعه… وليد قد رُزق بمولود، وسماه (معتز).
توقف كل شيء حولي، شعرت كأن نبض الأرض قد خمد وهلة، ذلك الاسم الذي ظننته قد طُوي مع صفحات الماضي، عاد ليُخبرني أنني لا أزال حيًا في ذاكرته، أو ربما في ألمه، لم أعرف حينها أن ذلك الاسم كان تكريمًا لصداقتنا التي لم تمت في قلبه، أم رسالة خفية تحمل في طياتها جرحًا عميقًا لم يندمل أبدًا؟
كنت أعرف أن وليد لم ينسَ، لكنه أيضًا لم يغفر.
استمرت حياتي بعيدًا كأن الغربة قد أصبحت جزءًا من كياني، مضت الأيام، وتزوجت، ورُزقت بطفل أطلقت عليه اسم (وليد)، لم تكن زوجتي تعلم لماذا أصررت على هذا الاسم تحديدًا، ولم أخبرها، كان الاسم وحده كافيًا ليُبقي شيئًا من الماضي نابضًا في داخلي.
ومع مرور الوقت أدركت أن الرحيل لم يكن الحل، وأن بعض الجروح لا تشفى بالمسافة، انتهت رحلتي في الغربة، وقررت أن أعود إلى حيث أنتمي، إلى جذوري الأولى، إلى عائلتي، وإلى وليد.
كان اللقاء مملوءًا بالمشاعر المكبوتة، كأن الصمت الذي امتد سنوات أراد أن يتكلم أخيرًا، عانقني وليد كأن شيئًا لم يكن، كأن السنين لم تمر بيننا أبدًا.
وفي تلك اللحظة قبل أن يعلم اسم ابني، نظرت زوجتي إلينا ثم قالت بابتسامة هادئة:
- الآن عرفت لماذا سميت ابننا وليد.
نظرنا إلى بعضنا، وابتسمنا كأننا عدنا إلى طفولتنا مرة أخرى، التفتنا إلى معتز ووليد الصغيرين، ورأينا فيهما صورة إخاء وُلد من جديد، كأن القدر منحنا فرصة أخرى لنكتب حكايتنا من البداية.
رائع جدا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.