في عالمٍ يختلط فيه الواجب بالفساد، والشرف بالصمت، تبرز قصة «صابر» صوتًا خافتًا من ضميرٍ منهك. إنها حكاية موظفٍ يعيش رتابة الأيام داخل مؤسسةٍ حكومية، بين الروتين والقيود والخوف من فقدان لقمة العيش. لكنّ هذا الهدوء الظاهري يخفي وراءه مأساة إنسانية تمزج بين الخيانة والسكوت والكرامة المهدورة.
الرتابة والأمان الوظيفي المسروق
صابر موظف متوسط الحال يعيش في شقة بالسويس مع زوجته وأبنائه الثلاثة، لديه بنتان وولد هو أصغرهم. يعمل صابر موظفًا في التأمينات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
يتقاضى أجرًا بالكاد يجعله لا يضطر إلى التسول، ولكنه يصبر أملًا في أنه سيُحال إلى المعاش قريبًا، ويتخلص من هذا الروتين، ويزوِّج بناته، ويعيش بمعاشه الحكومي بقية عمره، مرتديًا جلبابًا بنصف كم يصلي به في المسجد ويجلس به على المقهى مع أصدقائه المحالين للمعاش أيضًا.
يقوم كل يوم مع أذان الفجر، ينزل ليصلي في المسجد ثم يعود ليتناول الإفطار وكوب الشاي. يرتدي ملابسه ثم يهرع إلى اللحاق بالميكروباص قبل أن يزدحم الموقف. يركب الميكروباص ويشاهد الناس وهم يتجمعون أفواجًا بالتدريج، كأنهم عشيرة نمل تتجمع لتحمل رفات صرصار مدهوس. ينظر إلى هذا المشهد في كل صباح وهو يمصمص شفتيه ويضرب كفًا على كف.
يصل إلى العمل بعد نصف ساعة تقريبًا، يضع إبهامه على جهاز البصمة حتى يسمع: «شكرًا!» من الروبوت، ويدخل إلى مكتبه.
يقابل مدام كوثر، امرأة بدينة ترى نفسها لسبب ما جذابة جدًا، لها صوت جهوري تشعر وكأنه يخرج من مكبر صوت، بذيئة اللسان، يغطي وجهها طبقة سميكة من المساحيق. يلقي عليها السلام بنبرة روتينية فترد عليه السلام في بلادة، وعلى وجهيهما ابتسامة مصطنعة اعتادا أن يضعاها كل صباح منذ زمن سحيق.
كان صابر يشك في علاقة مدام كوثر بمديره الأستاذ رفعت، الرجل الخمسيني حليق الذقن، له شعر مصفف تتخلله بعض الخصل البيضاء، تشعر تجاهه لسبب أو لآخر بالغموض. ولكن أخلاق صابر (كأي مواطن من الطبقة المتوسطة) كانت تمنعه من مجرد التفكير في الأمر، فكلما راودته الفكرة سحقها فورًا.
كان صابر مجرد موظف بسيط يقف في كل صباح على عربة الفول، منتظرًا تعبئة سندويشات الفول والفلافل في كيس بلاستيكي يحمله وينطلق نحو العمل لكي لا يتأخر على موعد البصمة.
يفطر مع زملائه ثم يدخل إلى مكتبه ويشرع في عمله في الحسابات. كان قد اعتاد على مرور مدام كوثر عليه لتسأله إن كان يحتاج مساعدة، وهي صادقة في عرضها، ثم تجلس تثرثر قرابة الساعة، تشتكي من زوجها العاطل الذي يرفض كل عمل يأتيه، وأنه لولا عملها لما وجدوا الزاد، ولكنها تتحمل من أجل الأبناء، وهي مشكلات شائعة بين المصريين.
كما اعتاد على مرور الأستاذ رفعت عليه وعلى باقي الموظفين ليتأكد من أن العمل يسير على ما يرام، لكنه منذ أول هذا الأسبوع لم يمر عليه قط، ولا يراه منتبهًا كما اعتاد، ولكنه كان راضيًا جدًا بهذا الوضع على أية حال.
الباب الموارب (نقطة التحول)
وفي يوم هادئ نحو الساعة الثانية عشرة ظهرًا، قام صابر ليشرب بعض الماء من برَّاد الماء، وإذ به يرى من فتحة الباب الموارب مدام كوثر وهي بين يدي الأستاذ رفعت، مسندة ظهرها إلى الحائط ويقبلها في نهم.
على الرغم من شكوكه حولهما، فإنه لم يصدق ما يراه. لا بد أنهما نسيا الباب مواربًا. كيف للأستاذ رفعت أن يكون بهذه الخسة؟ كان يخاله رجلًا غير مكترث إلا بمصلحة الشركة. لا بد أن هذه الشمطاء أغوته كثيرًا، أم أنه كان يريد منها هذا ووجدها متحمسة فحسب؟ هل هي المرة الأولى لهما أم أنهما اعتادا على فعل هذا الأمر؟
جلس صابر حائرًا لا يدري ماذا يفعل؟ هل يختار الصمت، فيرى نفسه شيطانًا أخرس أو أبشع؟ وماذا سيحدث إذا تكلم؟ لن يمسهما سوء وسيتهمونه بالكذب والنفاق والخسة، وسيطرده الأستاذ رفعت على الفور. تذكَّر ابنته زينب التي هي مقبلة على زواج ربما يتعثر إذا فُصل من عمله، وإلى ابنه وابنته اللذين يحتاجان إلى مصاريف شهرية من أجل الدراسة، وهو لم يعرف في حياته عملًا غير هذا. آثر أن يصمت حتى يأتي الوقت المناسب، وربما لن يأتي هذا الوقت.
المناورة والتهديد
وفي صباح اليوم التالي دخل إلى مكتبه فوجد مدام كوثر بالابتسامة المزيفة نفسها، فألقت عليه السلام فرده عليها وهو يقول في نفسه: «أيتها الساقطة، ترسمين الآن دور الشريفة».
ثم بعد برهة جاء الأستاذ رفعت يسأله عن أخبار العمل وكيف يسير، فأجابه بأن العمل يسير على أكمل وجه. انصرف الأستاذ رفعت وبقيت مدام كوثر، فسألها صابر بغير اكتراث: «ما أخبار الأولاد؟» فشرعت تعيد عليه الشريط ذاته.
فسألها: «لماذا لا تطلبين الطلاق من زوجك ما دام غير مسؤول، وما دمتِ لا تطيقينه إلى هذا الحد؟».
فأجابته بأنها لا تريد أن يتشرد أبناؤها، فهو بجلوسه معهم كأنه «جليس أطفال»، غير أنها لن تسلم من ألسنة الناس حين يعلمون بأنها مطلقة وتعمل في مكان أغلب من فيه من رجال. صمت قليلًا متعجبًا من جرأتها، ثم نظر إلى الباب الموارب بعمق، وقال لها مباغتًا: «يا لذاكرتي، أنسى في كل يوم أن أغلق الباب من خلفي جيدًا فيتسرب التكييف إلى الخارج».
اغبرَّ وجهها ولم تجد ما تقوله، ثم قالت له وكأنها لا تدري ما يرمي إليه: «قد تصاب بنزلة برد هكذا، يجب أن تحرص على غلقه جيدًا حتى لا يتسرب إلى الخارج». لا بد أن هذه الجملة كانت لها معنى آخر، ولكنه فهمها بمعناها الظاهر.
وبعد عدة أسابيع، وبينما يجلس صابر في مكتبه منكبًا على عمله بين الجداول والأرقام، اقتحم عليه الأستاذ رفعت المكتب، وعلى وجهه ابتسامة عريضة وقال له بصوت جهوري: «مبروك يا سيدي، ستُنقل للعمل في مكتب التأمينات بالإسكندرية!».
لابد أنها أخبرته بشكوكها حول ما قال.
«إسكندرية! لا أرجوك يا أستاذ رفعت، أنا هنا منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وقد كبر أبنائي هنا، وتأقلمت على وضعي هكذا. لا يمكن أن أتصور أن أُنقل بعد هذا العمر، سأنهي عملي وأتقاعد هنا. لا أستطيع أن أنقل زوجتي وأبنائي إلى مكان لا يعرفون فيه أحدًا، غير أن راتبي بالكاد يكفيني، فكيف سأستأجر شقة هناك؟».
نظر إليه الأستاذ رفعت بنظرة تشفٍّ وقال له: «حسنًا حسنًا، ولكنك لا تركِّز في عملك هنا، وقد كبرت في السن ولم تعد مثلما كنت في شبابك».
«شبابي! شبابي هذا وعنفواني سُرقا بين جدران هذا المكتب على مدار خمسة عشر عامًا، ولكن ما لديَّ من الخبرة لا يعوضه أحد بعدي».
رد الأستاذ رفعت بنبرة شفقة: «حسنًا، سأبقيك هنا، ولكن ركِّز جيدًا في عملك ولا تشغل بالك بما يدور حولك».
بدا الأستاذ رفعت صريحًا أكثر من اللازم في كلامه، وانصرف وهو يشعر بأنه انتصر أخيرًا على هذا المتمرد الممل. كان صابر لا يفكر إلا في مدى انخداعه بهذا المدير القذر.
الانزواء وكسر الصمت
قرر صابر منذ ذلك اليوم ألا يتكلم في شيء، (هو لم يتكلم أصلًا). وأنه لن يلتفت إلى غير عمله حتى ينتهي ما تبقى من سنوات عمله ويتقاعد أخيرًا.
ظل صابر على مدار السبعة أشهر التالية يأتي إلى العمل في الثامنة صباحًا، ويظل في مكتبه لا يخرج إلا للضرورة، وينكب على عمله حتى الثانية ظهرًا. يصل إلى البيت يخلع قميصه ويجلس، فتضع له زوجته الغداء فيلتهم غداءه في صمت. وكلما سألته زوجته عما به يرد عليها بأنه ليس ثمة شيء. يقوم في كل صباح يرتدي ملابسه بسرعة وينطلق ليلحق سيارة الأجرة، يجلس إلى جانب الشباك يراقب كل شيء ولا يراقب شيئًا. يعد الأيام، والأيام أصبحت لا تمر، والعمل أصبح لا يطاق.
وبعد شهور على هذا الحال، وفي يوم مثل باقي الأيام، دخل مكتبه في الثامنة صباحًا كالعادة. وبعد نحو ساعتين، أي في العاشرة صباحًا، أتى وفد من وزارة الشؤون المالية، فقابلهم الأستاذ رفعت وأدخلهم إلى مكتبه، ثم بدأت تتعالى الأصوات من مكتب الأستاذ رفعت.
وسمع رجلًا من الوفد يقول: «إذا ظللت على هذا الانحدار سنضطر إلى إقالتك أو تحويلك للمعاش المبكر». وسمع آخر يقول: «شكوى أخرى منك وسنتصرف معك».
وجد صابر أن هذه هي الفرصة المثالية لكي يقول ما رآه ويتخلص من ذلك الحمل الثقيل، فهرع إلى مكتب الأستاذ رفعت. وما إن رآه الأستاذ رفعت حتى بدأت يداه ترتعشان. سلَّم صابر على أعضاء الوفد وعرَّفهم بنفسه ثم قال:
«إن الأستاذ رفعت رجل يحب عمله، أو هكذا كنت أظنه، حتى رأيته في مرة وأنا أشرب من هذا البرَّاد في الخارج يعبث مع موظفة هنا تسمى كوثر. ثم لمَّا علم من مدام كوثر هذه بأنني أعرف، ظلَّ يهددني، وكان يريد نقلي إلى الإسكندرية بعدما قضيت خمسة عشر عامًا من عمري هنا، وهكذا ظللت صامتًا. ولكن الحمل كان يزيد يومًا بعد يوم، لا أطيق النظر إليهما. بالتأكيد أنا لست أبله كي أخاطر بكلام مثل هذا وأنا قاربت على التقاعد، وإذا كنت تريد رفدي يا سيدي فلتفعل، ولكن المهم أني تخلصت من هذا الهم».
الثمن المدفوع
استدعوا مدام كوثر التي ظلت تقسم بأن شيئًا كهذا لم يحدث، وأنه كذاب وحقود. وبعد مناقشات بينهما وتراشقات، انتهوا إلى إحالة الأستاذ رفعت على المعاش المبكر، ومعاقبة مدام كوثر بالفصل من الشركة، وإعطاء صابر مبلغًا ماليًا مكافأةً على أمانته، ونقل محل عمله إلى الإسكندرية.
خرج صابر من المكتب لا يشعر بالابتهاج المعتاد للانتصار. كانت كتفاه مثقلتين بثمن هذا الانتصار؛ فمبلغ المكافأة لن يكفي إيجار شقة جديدة في الإسكندرية، ولن يمحو خوف زينب من تعثر زواجها بسبب هذه النقلة المفاجئة. نظر إلى زملائه فوجد نظرات مختلطة بين الإعجاب والشفقة، وكأنهم يقولون: «لقد نجوت، ولكنك دفعت الثمن كاملًا»
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.