تدور أحداث القصة في حفلٍ لعيد الميلاد يقيمه أحد الأثرياء، حيث يجتمع الأطفال مع ذويهم من الطبقة الراقية. يراقب الراوي الضيوف ويلاحظ رجلًا ثريًا في منتصف العمر يولي اهتمامًا خاصًا لطفلة صغيرة جميلة لا يتجاوز عمرها إحدى عشرة سنة، بعدما علم أنها سترث ثروة ضخمة من والدها.
بينما يتجاهل الرجل الأطفال الآخرين، يتقرب من الطفلة بلطف مصطنع، ويعاملها بحنان مبالغ فيه، ليس حبًا فيها، بل طمعًا في ميراثها المستقبلي. في المقابل، يُهان طفل فقير كان حاضرًا في الحفل مع والدته المتواضع، ويُطرد بطريقة مهينة لأنه لا ينتمي إلى الطبقة الثرية.
تمر عدة سنوات، ويكشف الراوي النهاية: فقد تزوج ذلك الرجل فعلًا من الفتاة عندما بلغت السن المناسبة، محققًا هدفه الذي خطط له منذ أن كانت طفلة. وهكذا يتحول الزواج إلى صفقة مالية أكثر منه علاقة إنسانية.
الفكرة الرئيسة ومحاور قصة «شجرة عيد الميلاد والزواج»
الفكرة الرئيسة: ينتقد دوستويفسكي المجتمع الأرستقراطي الذي يجعل المال والمكانة الاجتماعية معيارًا للعلاقات الإنسانية، ويكشف كيف يمكن للطمع والنفاق أن يفسدا حتى أقدس الروابط، مثل الزواج، في حين يُهمَّش الفقراء مهما امتلكوا من براءة أو كرامة.
المحاور العامة: تتناول القصة الرياء الاجتماعي، والجشع المادي، واستغلال أصحاب النفوذ للأطفال والطبقات المهمشة.
تاريخ كتابة قصة «شجرة عيد الميلاد والزواج»
كُتِبت قصة «شجرة عيد الميلاد والزواج» سنة 1848م، ونُشِرت في مجلة «يوميات الوطن» بنفس العام في شهر أيلول / سبتمبر .

أحداث القصة (برواية الراوي): اللقاء في حفل عيد الميلاد
شهدتُ مؤخرًا زيجةً؛ صحيحٌ أن حفلة الزواج التي رأيتها كانت رائعة، لكن حفلة عيد الميلاد كانت أروع منها.
منذ خمس سنوات دعاني لحضور حفلةٍ بمناسبة عيد الميلاد رجلُ أعمالٍ كبيرٌ له علاقات كثيرة. كانت أسرة صاحب الحفل تتألف من زوجة وخمسة صبية صغار، وأكاد أجزم أن تلك الحفلة أُقيمت ليجتمع الآباء ويتباحثوا في مصالحهم. ولكوني لا أهتم بتلك الأشياء، قضيت سهرتي بملاحظة الحضور، فلاحظتُ مدعوًا كان يُعامل معاملة ضيفٍ ذي شأن كبير؛ كان شخصًا وقورًا يُدعى (جوليان ماستاكوفيتش)، وكان قصير القامة، ممتلئ الجسم من كثرة الغذاء، ذا كرشٍ كبير كفخذيه. وقد لاحظت أن صاحب الحفل قد ذرف دموع الفرح حين تفضل السيد (جوليان ماستاكوفيتش) وقال إنه منذ زمن طويل لم يقضِ لحظاتٍ ممتعة كتلك.
حُجرة الأطفال والبراءة المستهدفة
نأيتُ بنفسي لرؤيتي شخصًا عالي المقام كهذا، فانسحبتُ لحجرةٍ صغيرة وسط الأطفال. لقد غمروني بلطفهم، لاسيما ذاك الصبي الصغير أجعد الشعر؛ فقد قرر أن يقتلني ببندقيته الخشبية، فطاردني حتى في المكان الذي اختبأتُ فيه. وقد لفت انتباهي -أكثر من أي طفلٍ آخر- أخته ذات الإحدى عشرة سنة، فقد كانت جميلة بعينين واسعتين حالمتين لكنها كانت صامتة، وأغلب الظن أن أحد الأطفال قد ضايقها كونها قد لجأت مثلي لتلك الحجرة. على أية حال، ما هي إلا لحظات حتى جردوا الشجرة من كل ما علق بها من أنواع السكاكر وأصناف الحلوى، وشرعوا يخربون اللعب حتى قبل أن يعلموا من صاحب كل لعبة من تلك الألعاب.
سمعتُ بعض المدعوين يصفون والد تلك الصبية بأنه تاجرٌ فاحش الثراء تبلغ ثروته ثلاثمائة ألف روبل، ولاحظتُ حينها (جوليان ماستاكوفيتش) يصغي باهتمامٍ شديد لثرثرة هؤلاء.
التمييز الطبقي في توزيع الهدايا
لقد تعجبتُ بشدة حينما قام صاحب الحفل بتوزيع الهدايا على الأطفال؛ فقيمة اللعبة التي تُعطى كل طفل تنقص بمقدار نقصان ثراء أبويه. وكان أتعس الأطفال حظًا صبيًا في العاشرة نحيل الجسم أحمر اللون، فقد كان نصيبه من الهدايا كتابًا لا قيمة له يتحدث عن عظمة الطبيعة ويتكلم عن العواطف ولا يحوي حتى صورة واحدة.
وكان من المضحكات المبكيات أنه الابن الوحيد لمعلمة أولاد صاحب الحفل الفقيرة، أرملة الموظف الشريف. وعندما تناول الصبي هديته، أخذ يطوف حول اللعب الأخرى، وكان واضحًا أنه يحب اللهو مع أقرانه الأطفال، لكنه لا يتجرأ أن يفعل شيئًا لشعوره بأنه دون المستوى، فانزوى بنفسه مع الصبية الصغيرة، فلا شك أنها طيبة كونها لم تطرده، وأخذ الاثنان يلعبان مع بعضهما بعضًا.
الحسابات المادية والنفاق
ذهبتُ إلى الشرفة، فإذ بـ (جوليان ماستاكوفيتش) يدخل الحجرة بعد أن تحدث مع والد عروس المستقبل. كان يفكر ويقول مهمهمًا: «ثلاثمائة ألف، إحدى عشرة سنة.. لو حسبنا الفائدة على أساس أربعة بالمئة سيكون... لكن هذا الوغد قطعًا لا يُقرض بفائدة أربعة بالمئة، إنه يُقرض بفائدة ثمانية بالمئة، بل بفائدة عشرة بالمئة! إذن سيصبح المبلغ على أقل تقدير خمسمائة ألف عدا الكسور». ثم توجه للصبية، فتكلف ابتسامةً، وطبع على رأسها قبلةً رقيقة، ولامس خدها وقال: «ماذا تفعلين هنا يا حلوة؟».
فقالت: «نلعب».
فالتفت (جوليان ماستاكوفيتش) للصبي ورشقه بنظرةٍ حادة وقال له بلهجةٍ خشنة: «عليك المغادرة أيها الصغير».
فالتصق الطفلان ببعضهما بعضًا لا يبغيان الافتراق، وأوشكت الصبية أن تبكي، فأمسك الصبي بذراعيها محاولًا مواساتها، فبكى هو شفقةً عليها. فاحمرَّ وجه (جوليان ماستاكوفيتش) من شدة الغضب، وصاح يقول للصبي: «لقد قلتُ لك اخرج من هنا!».
فصرخت الصبية باكية: «دعه، واذهب أنت!».
موقف طرد الصبي والرياء الاجتماعي
سَمِعَ (جوليان ماستاكوفيتش) ضجة بالقرب من الحجرة، فارتأى الخروج كي لا يثير حوله الشبهات، وذهب لحجرة الطعام، فتبعته ورأيت مشهدًا غريبًا؛ كان (جوليان ماستاكوفيتش) يحاول إخافة الصبي، فقال له: «ماذا تفعل هنا، أتسرق الفاكهة؟».
كان الصبي في حالة ذعرٍ شديد فحاول الاختباء تحت الطاولة، فلم أستطع أن أتمالك نفسي، فضحكتُ، ففطن (جوليان ماستاكوفيتش) لوجودي، فشعر بحرجٍ شديد. وفي تلك اللحظة جاء صاحب الحفل، فخرج الصبي من تحت الطاولة، فدُهِش المضيف في قرارة نفسه لرؤيتنا بهذا الوضع الغريب، وقال: «هذا هو الصبي الصغير الذي تشرفتُ بالتحدث إليك عنه، فإذا كان بوسعك...».
فقاطعه (جوليان ماستاكوفيتش) قائلًا بحدة: «اعذرني يا (فيليب أليكسييفيتش)، هذا مستحيل، فقد سألتُ، ولا يوجد مكان، وإن كان هناك مكان، فهنالك عشرات يستحقون أكثر منه، متأسف جدًا».
عدنا إلى الصالون، وسألتُ أحد الحضور: «هل السيد (جوليان ماستاكوفيتش) متزوج؟»، فأجابني بالنفي وهو مستاء، لأنه عدّه سؤالًا فظًا ليس فيه شيء من اللياقة.
المشهد الأخير: تحقق الحسابات الجشعة
منذ بضعة أيام مررتُ أمام الكنيسة فلفت انتباهي حشدٌ كبير من العربات، وتجمُّع الناس في الميدان يتحدثون عن زواجٍ عظيم. تملكني حب الاستطلاع، فدخلتُ باحثًا بنظري عن العريس لأراه؛ إنه (جوليان ماستاكوفيتش)، الذي لم أره منذ خمس سنوات! أما العروس فكانت ذات جمالٍ أخاذ في فجر ربيعها، لكنها كانت حزينة، فقد كانت عيناها حمراوين من البكاء، وسمعتُ الناس يقولون إنها لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها بعد.
يا رباه، لم أستطع أن أكمل فهممتُ بالخروج، وسمعتُ أحد الحضور يقول: «إن ثروتها خمسمائة ألف روبل عدا الكسور».
فقلتُ لنفسي: «صدقت حساباتك يا (جوليان ماستاكوفيتش)!».
العبرة والدروس المستفادة من قصة شجرة عيد الميلاد
استغلال الطفولة: الطمع قد يدفع الإنسان إلى استغلال الآخرين والتخطيط للاستحواذ عليهم حتى منذ طفولتهم.
التمييز الطبقي المقيت: المجتمع الطبقي يمنح الامتيازات والأهمية للأغنياء ويحرم الفقراء من الاحترام والفرص البسيطة.
تزييف الروابط الإنسانية: الزواج القائم على المصلحة والحسابات المادية يفقد قيمته الإنسانية والأخلاقية ويتحول إلى صفقة تجارية.
فضح النفاق الاجتماعي: يكشف دوستويفسكي ببراعة التناقض بين المظاهر الاجتماعية الراقية والفساد الأخلاقي الكامن خلفها.
تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة القصة.
إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.